القصة القصيرة

الشيطان

..حط الصمت التام فجأة كغمامة كثيفة فوق الساحة الشاسعة. إشرأبت الاعناق. تركزت العيون المحتشدة في نظرة واحدة، ونزلت كمظلة من انتباه على الزعيم فوق المنصة الرسمية، وهو يفتتح خطبته قائلا:
– ايها الشعب العظيم، وبمناسبة الذكرى السنوية المباركة لعيد ميلادي اطال الله في عمري وامدني بموفور الصحة والعافية..
( آمين..ردت الساحة بفم واحد)
لااملك سوى ان اشاطركم الحزن الذي يعشش في صدوركم، على عديد الضحايا الذين منهم من لقى نحبه ومن لازال ينتظر. لكن، وفي المقابل، لن اسمح للحزن ان يعكر مجد هذا اليوم الخالد.! فالفرح مقيم في بلدنا الآمن، اما الحزن فدخيل عابر، فلاتدعوا الدخيل يستحكم بيننا.! وإن كنت ابديت اسفي لما حدث من امور عارضة انتجت عديدا من الضحايا، فهذا لايعني اني مسؤول عن ماحدث…
( علت عاصفة من التصفيق اضطرت الزعيم الى رفع يده اشارةَ انتظار، ثم واصل بنشوة بادية)
– انا بشر مثلكم…
( مرة اخرى علت عاصفة من التصفيق اشد واستغرقت وقتا اطول من سابقتها، وبعد ان هدأت كغبار نفخته ألاف من الايادي، استأنف مؤكدا)
– نعم، نعم، مثلكم تماما..عرضة للمرض، للوفاة، للشيطان…
( وموجة تالية من التصفيق اعلى جعلته يرفع يده بنوع من الضيق، ثم واصل بنبرة اقوى)
– نعم، انا مثلكم عرضة للشيطان، ووسواسه للصدور سواسيةً؛ فلاتظنوه لايوسوس في صدور الاسياد، إن شيطان الاسياد سيد الشياطين…
( فعلت موجة اخرى من تسونامي التصفيق، جعلت ربان المنصة غير قادر على اخفاء ضيقه من الوقت الضائع مع كل موجة تصفيق، في ساعته المستعجلة انهاء الخطاب من جدول يومي مزدحم بالمهام، ثم استأنف كلامه بنبرة لاتخفي احتدادها)
– إن الشيطان لعنه الاله…
( صارت الساحة فما واحدا هدر وراءه: لعنه الاله)
– الملعون وسوس في صدري، ووسواسه استنبت فكرة في رأسي، واثناء تنزيلها على الارض اسقطت، عرضا، عديد الضحايا، وكي لايتكرر اختراق وسواسه لصدري، قررت من بين ماقررت…
( علت موجة اخرى جعلته يدير رأسه حول المنصة، وعلى شفته ابتسامة غامضة، ثم اكمل)
– وعوض ان نظل كل سنة نحج مرة واحدة لرجم الشيطان الذي لم يرتدع، قررت استحداث مرجم وطني للشيطان، نلقي فيه على الملعون كل يوم جمارنا، لنحشره في وضع دفاعي الى الابد…
( ارتفعت التهاليل والزغاريد والزعاق والصراخ والصفير في عاصفة من خليط صاخب اضطر الزعيم لمزيد من الانتظار حتى ينهي خطبته، ثم ختمها قائلا)
– ولقد استفتيت الفقهاء والعلماء واستشرت العرافين، ولم يبق سوى تدشين حفل هذا اليوم الميمون، بقص شريط انطلاق مرجمنا الخاص الذي يجسد تميز علاقتنا بالشيطان، بإلقاء الجمرة البكر، ودامت لنا كل بكر طيبة، والسلام علينا وعليكم..!
تحولت الساحة الى بحر هادر من اصوات بين تصفيق وتهليل وزغرَدَة وصفير. واندفعت الاجساد المتزاحمة، في تسابق، وراء موكب الزعيم، باتجاه المرجم الحديث.. وبعد ان توقف الموكب، نزل من السيارة، وتقدم الى باب ساحة المرجم، حيث قُدمت لحظرته الجمرة البكر على طبق من ذهب في منديل من حرير. امسكها، ثم قال بصوت لم يسمعه سوى المقربون، لكنه تردد على جميع الآذان:
– ومن لم يكن منكم بلا شيطان، فلايرميه بحجر.!
ثم اختفى بين الحراس، وغاب عن الانظار، فوجدتني في الاخير عند باب ساحة المرجم المغلق، بعد ان لم يتصدق علي احد بجمرة، اعزل، وجها لوجه، امام الشيطان.!

السابق
إنتِ
التالي
الحرمان

اترك تعليقاً