القصة القصيرة

الشّجرة العظيمة الجذع

تتقاذَفُـــنا الدّروب، و تَـتَلاقى في الحياة مَسَارَاتُــنا، و ربّما كانت نقطةُ التّلاقي نقطةَ انطلاق لمسار آخر…
نَــمُرُّ بذات الأمكنة ، و لكن!… و هي تَــمُرّ بالحيّ العتيق مَقرَّ سكناها في أيّام خلتْ تقود سيّارتها لا تذكر أنّها ذاقتْ للعيش مرارة، و لا لبستْ من الشّقاء أسمالا… اختطفَ بصرَها مُتشرّدة تستظلّ بظلّ “الشّجرة العظيمة الجذع”… أصابها دوار، أوقفتْ محرّك السّيّارة… قذفَ بها المشهد إلى حيث لم تكن قد جاوزت ربيعها الخامس بعد العشرة؛ أرسلتها والدتها إلى الخبّاز نيابة عنها لِـوَصَب مَنَـعها، و الوالد اسْأثَـره الله، أبتْ في الأوّل تَـتَـعذّر بالتَـعب يدفعها حَياؤها الشّديد من دخولها الحوانيت، ثمّ لَـبَّتْ… حال بينها و بين الوصول إلى المخبزة قَدَرٌ قُدّر لها؛ إذ ألْــفَــتْ “الوالِـيَ” و وَفْدُه يملؤون الشّارع لتدشين “مُـتحف المجاهدين”… مُنِعَتْ من المرور؛ فسألتْ أحد الوافدين الوَسِيم الـمُعْـتَلي درّاجته النّارية الضّخمة الخضراء، بِزَيّـــه الجلديّ الأسود يقف بالقرب من “شجرة عظيمة الجذع”: متى ستُفتح الطّريق يا عَــــم؟ بصوت رخيم خفيض و ريحٌ رقيقةٌ ترفعُ خصلات شعرها تحرّكها كيفما اتّفق الاتجاه، فيما كانت أصابعها الطّويلة تَنْساب بينها تُبْعدها عن وجهها بنعومة صارخة… عاد المسؤول بعد أسبوع يبحث عن بيتِ أهل السّائلة، لا يحمل غير صِفاتها عُنوانا لها… نَـمِـرِيّة الجمال؛ ناعمةُ شَعْرٍ أشقرٍ مُـتَموّج، ممشوقة القدّ، سُـمْرةُ بشرتها النّاعمة ذهبيّة تميل إلى لون الشّكولا بالحليب، خضراء العينين، خَـنِسَ أنفها قليلا، غَـمَّازاتُ تتوسّط خدّيها تزيد ابتسامتها إشراقاَ، عذبةٌ كماء الينبوع… لم يكن صعبا الوصول إليها؛ فلا فتاة تشبهها في حيّها. و زُفّـــتْ الطّفلة إلى الشّاب ذي المنصب، و بَــيْت بمحاذاة الشّاطئ. ما إن طلع عليها النّهار في بيته حتّى استحال إلى شخص آخر لا يشبهه ذلك الذي تَـوسَّل والدتها شهورا لتزوّجه إيّاها و قد تردّدتْ تَرُدّ على إلحاحه و تَوَسُّله: لستُ أرفضك يا بنيّ! لكنّ بُنَيّتي هذه مُدلّلة؛ لا تأكل من البيضة إلاّ مـُحَّــها، و مِن اللّحم إلاّ هبرته، لم يزاحمنها حضني أحد، و لا عطائي أحد، و لا اهتمامي أحد، ثمّ إنّي أخشى عليها و على نفسي البُعْدَ في ذلك المكان القصيّ الذي تُقيم به، و أنا عجوز وحيدة لا أهل لي إلاّ ابنتي؛ زكمتي النّاجية من الموت… فُــزْتُ بها بعد عشرة من الأولاد هلكوا في سنواتهم الأولى.
ــ فَيُطمئنها يقول: تأكّدي يا خَالَه! لن تشعر ابنتك بالفرق!، و إنّي سأكون لها الزّوج ، و الأب، و الأخ، و كلّ أهلها… إلى أن انْتَزَع لفظ الإيجاب مِن بين شفتيها.
أنجبتْ “حَـبِـــيـــبَــــة” ابنتها الأولى، و قد صار دَيْــدَن زوجها بَرْحَها ضربا بسبب أو بدونه، يتحجّج بتقصيرها يُشْـبـِعُ شَــرَهَ وَحْش يسكنه؛ زَرعَه زوج والدته السّكّير العِرْبيد في صدره منذ صباه، أخذ يكبر شيئا فشيئا، و لا محالة سيضيق به المقام يوما ما، و يخرج منه عليه و يُـمسي مُضِيفَه آخر فرائسه… ينهال عليها ضربا بكلّ ما أوتي مِن قسوة حتّى إذا رآها غارقة في دماها تَتَوسّل الرّحمة تُقَبّل قدميهِ عفا عنها يَلهثُ، كأنّه كلّ جِهات السّلطان الظّالم تُواجهُ العبيدَ المتمرّدين. تشابهت أيّامها و لياليها… كلّ مساء يوم جديد يَـبْـتَـدِعُ طريقة جديدة لذُلِّها، و إيلامها إلى أن أنجبت مولودها الثّالث. فجأة استقال مِن عملِه لا لسبب يحول دون أدائه مَهَامّه، و إنّما لِيَتفرّغ لِمراقبتها فحسب، و تعذيبها، و ليُـثْبت لها كم كان كبيرا فضلُه عليها. غدتْ مُرغَمة على تأمين قُوتِها، و قُوت أولادها، و جلاّدها، و مصدر المال قد انعدم… احتاجتْ إلى قوّة السّند و جميل العَضد، رفعتْ يديها إلى السّماء تطلب المدد… و حينئذ تُوُفّيَت والدتُها، و لم تحضر جنازتها؛ كانت يومها نُفَساء للمرّة الرّابعة… نَقلَ زوجها تَرِكةَ والدتها إلى بيته حتّى أحواض النّباتات، بعد تسليم البيت المؤجّر لِصاحبه. اشتدّت بهم الفاقَـة… قُطِعتْ عنهم الكهرباء لعدم التّسديد… باعتْ ما ورِثته قطعة قطعة، و غرضاً غرضاَ تَـقْـتات عليه على امتداد ثلاثة أعوام و زوجها على ما هو عليه مِن حال…و ما حاجة الضبع الى الصّيد ما دام الأسد ذو يَد…بل إنّ يده لَـتْعلو أيدِيَهم، تصل إلى الطّعام قبل أيديهم، فقط لترضى و تضع السّوط… توجّهتْ إلى بيع الحُلِي؛ الخاتم فالسّوار، فالسّلسلة حتّى آخر حِلية ورثتها، تُـماري عِيالها، و الجلاّد به خمسة خَرائف. كبُرَ العشّ و اشتدّت الخَلَّة، و ثقُلَ الحِملُ. ستّة مِن الأفواه تُطعمها تُؤثرهم بكِسْرةِ الخبز و الجوع يَلبَسُ عينيها، و الجلاّدَ. تَـهيم فَجْرا تجْمع الزّيتون مِن الأشجار الـمُهملة على حافّة الطّريق تَعجنه بقَـدميْها، و تعصِره… لا تملك وسيلة إلاّها للحصول على زيت للزّاد والدّواء… يَـَجمعُ صغارها الحطب الجافّ مِن الشّاطئ للطّهي طوال العام، و الحظيّ ببعض الدفء أيّام الشّتاء… أمّا طَعامهم فتِلك قصّة تفطِر الفؤاد، تُسْقِط اللّقمة من بين الأصابع، يرويها اللّيل للنّهار؛ يؤخّرون قيلولتهم إلى ما بعد العصر، لا يَنامون حين ينام النّاس؛ يتَحَيَّنون أوقات النوم الثقيل… يُشكِّلون فريقا، يَتَقَـاسمون الـمَهام؛ الحارِس و العمّال. يَطَّوَفُون بِالبساتين، و الحقول المجاورة يُغِـيرون عليها إذا هجع النّاس و هدؤوا… يُـحَمِّلون أجسادهم الهزيلة فوق استطاعتها؛ يَـحْمِلون ما غنموا مِن خُضر و فواكه، أطفال يسرقون فرحين يِـتسابقون جيئة، و ذهابا، يضحكون، يتنافسون مَن يجمع أكثر؛ لعبة يلعبونها قسرا، و قهرا كلّما انتصف اللّيل، و أقرانهم مِن الأطفال يغُطّون في نوم عميق على فرشهم النّاعمة،لم يُدرك بَعْدُ قاموسهم معنى الجوع ، يتذمّرون من نِعَم لا يعلمون مِن أيّ سماء تَسَّــــاقَطَتْ عليهم جَـــنِـــــيّـة، و لم يَهُزّوا مِـن النّخلة جِذعا…
توقّفتْ البنت الكبرى عن الدّراسة، و غير بعيد لحق بها أخوها الذي يليها… أنجبتْ مولودها السّابع وَ وسائل المنع ممنوعة… آلمها حال أولادها ذبُلت عيونهم، و جفّت شفاههم، و الْتصقت بطونهم بظهرانيهم، و لا حيلة لها، و هي ترى يد الهلاك تُوشك تطالهم إن لم تُعاجِل بـِحَلّ… عزمتْ الرّحيل ، استجمعت قوّتها، فأيُّ حياة هذه التي تحياها!… ضرب و صنوف مِن الـتّعذيب، و الاسْتِـرقاق آثارها على جسدها آيَـــــة ظلم عظيم؛ مرّة بالساطور يريد قطع أصابعها، فيصيب الخنصر و البنصر، ومرّة ركْلٌ على فِيها يُهشِّمُ ثَنِيّاتها، و نُدوب لا عدّ لها طُبِعتْ على صفحة جسدها تترى… السكّين، و العصا، و الحجر، و الزّجاجة، و الصّحن، و الحذاء، و الحزّامة، و…و… وَسائل للاذلال، و التّنكيل… لا للمستشفى لتقطيبِ جراحها أو العلاج!، لأنّ “نَـيْـرونَـها” يحفظ القانون عن ظهر قلب… يبيتون جياعاً في اللّيلة التي لا يسرقون فيها إذا ما حَبسهم مطر، أو ثلج، أو حين تُشدّد الحِراسة على الحقول، و البساتين إذا استوت ثمارها… لا يطبخون، و لا يستحمّون، و لا يتدفّؤون إذا نفَد الحطب… لا هم يقتربون من الجيران، و لا الجيران هم بِـمقتربين منهم لبطش يده، و نَـــتَــن فِــيه؛ إن تواصلوا مع الجيران فالويل لهم! فمن يفعل ذلك منهم “مجرم” في شرعة سيّدهم يستحقّ أشدّ العقاب، قد يصل إلى ربطِ قدميه و تعليقه مقلوبا يوما كاملا على عضن شجرةِ صحنِ الدّار… في يوم شاَتٍ بارد، حانتْ لحظة تحيّنَـتْـــها منذ زمن؛ ظفرتْ بها حين أحاط به أَلَـم في ضِرسه أرّقه يومين تَطَــلَّب له مُسَكّنا قويّا، فنام كما الميّت لا يُدْرك ما يدور حوله … جَـمَّـعَتْ أطفالها تخبرهم أنّهم سيهربون إلى مكان أفضل حيث الملابس الدافئة، و الأحذية الجلديّة الكريمة، و الحلويات، و الألعاب الإلكترونيّة، و الغاز و الكهرباء.. حملتْ “حَـبِـــيَــبَـة” رضيعتها، و أمسك كلّ واحد منهم بيد أخيه، و تسلّلوا على حين غفلة مِن السّجان، تحملهم رؤوس أصابعهم بحذر شديد، و نبض قلوبهم متصاعد… خرجوا لا يحملون من المتاع شيئا، و كلّ ما في البيت مهترئ بالي لا يستحِقّ عناء الـحـَمْل؛ فراش لا اسم لِلَوْنـِــه؛ الرّقعة عليه تُرَقّع الرُّقعة، و بضعة مَواعين أُغِـــيرَ عليها، مَعْطوبة، تُطالب بهم الزُّبَـــالَة، لا يلبسون إلاّ أسمالا، لا ينتعِلون إلاّ نِعالاً من البلاستك متآكلة شُدَّتْ فُتوقُها بالسّلك ، خاوية جيوبهم كما بطونهم. فَـــرَّتْ و سارت بعُشّها على غير هدى… يُسرعون الخطى تارة، و يجرون أخرى يلهثون؛ يتَرقّبون الطّريق يـتلَـفَّـتون وراءهم يخشون لِحاقـه بهم، لا وجهة لهم… دُنُــــــوَّهم من تحقيق حلم الحريّة يـَحُـثُّـــهم على إطلاق أقدامهم المتشقّقة أكثر؛ اختلطتْ حبّـات العَرق على أجْـبُــنِهم مع حبّـات المطر… وصلوا إلى المحطّة كخِرَق بالية أصاب أسافلها الطّين، لا فرق بينهم و بين المتسوّلين، بل هم أسوأ حالا؛ استقلّوا الحافلة و لم يسألهم القابض مقابل التّذاكر. عادتْ إلى الحيّ حيث كانت تقيم والدتها، بعد خمسة عشر عاماً من الغياب. جنحتْ إلى “الشّجرة العظيمة الجذع”… بالأمس وقفتْ بالقرب من هذا الجذع الضخم تسأل متى سيُفتَحُ الطّريق، و هاهي تجلس تحتها تحتمي بها و كلّ الطّرق مسدودة… بداخلها ضجّة من الأسئلة… مِن هنا كان الابتداء لـمَآسيها؛ أتُراها النّهاية، أم أنّها تقف على حافّة مَصَبّ النّهر؟… لَـفّـتْ حولها أطفالها خِـمَاصَ الحَشى يـُــلِـــمّ بهم جوع أغْبَـر، و وجوههم المصفرّة تعلوها زُرقة، تصْفَعُها الرّيح، رَكَـــمَ القَــرُّ أجسامهم النحيلة بعضها على بعضها الآخر يُرْعِش أكبادهم، و هي تبكي، و تُـداري جَهشاتِـها عنهم، تجهل إلى أين المصير!… تَـمُدّ ذراعيها الحانِــيَـتين الـنَّـــحيلتَــين تَضُمّهم، تبعث بأقلّ القليل من الدفء إلى أوصالهم، تُصَبِّرهم، تتحايل عليهم لتُـنسيهم الجوع و البرد، وَ هُم أقرب إلى الموتى منهم إلى الأحياء تَسْـتَغْربُـها مَعالِـم الحيّ؛ يَضُمّ الغرباء و النّازحين، و يُـنْكر عَليها سَــيْــرَها فيه أيّام زَمن جَـميل تَـولّى، و ما زالت رائحته عالقة بثنايا ذاكرتها كرائحة المسك المتمسّكة بالثّوب، و لا يُــقِــرُّ بِـحبّها لِـوَجهه، و هو الشّاهد عليه… تَـــبّا لأبٍ يُـنكر أبنائه!… حين رانَتْ على الشّارع وِحْشة، و أخذت الأطيار تعود إلى أعشاشها شِـباعا لتُطعمَ صغارها تُـــؤذنُ بِـــزَحْفِ ليلٍ حالك طويلٍ بارد فإذا بأحد جيرانها القدامى يراها، و بمشقّة تعرّف عليها؛ انْـمحَـت ملامحها إلاّ لهيب عينيها الآسر، هاله ما رأى… هبّ إليهم، وحمل الصّغيرتين، احتضنهما و عَـجِــــل بهم إلى داره. أكرمهم أيّما كرم؛ حـَمَّام، طعام ساخن، شراب، و ملابس دافئة… اجتمع الجيران إذْ بلغهم نَــبَــأها، و اتفقوا على أن تقضي عند كلّ واحد منهم أسبوعين، إلى أن يحُلَّ الفرج. اكْـتَـروا لها بيتا بغرفة واحدة، تنازل لها عنه صاحبه فيما بعد، و تدبّروا لها خمسة وظائف من رتبة “عاملة نظافة”… تنازلت عن كلّ الحقوق لزوجها مقابل التّطليق حين أراد الكيد لها بلون آخر في ساحات المحاكم، و لم تأت على ذِكر أذيَّــــتِهِ لها لأيّ سلطة؛ فقط تنازلت مقابل اإطلاق السّراح…
تنطلقُ “حَـبِـــيَــبَـة” إلى وظائفها الخمسة مع انطلاق أولى خيوط الشّمس، وَ تؤوب مع وقوف القرص المحتضر على خطّ الأفق، خائرة القوى، ذابلة الجسد تفوح منها رائحة التّعب الـمُـركّزة… تستحمُ، تتناول القليل من الطّعام ثمّ كخشبّة تِهوي على فراشها، تَسبقُ أولادها. ابنتها ذات الأربعة عشر عاما تتولى قيامة البيت، و التسوُّق، و الاعتناء بإخوتها الستّة. تحسّنت حالهم تدريجيا، إلى أن أصبحوا من أيسر النّاس حالا… و أضحى بيتُها قِبلة الفقير، و المحتاج، و المهموم ممّن حولها لكثرة ما عُرِف عنها من البرّ، و الصدقة، و إصلاح ذات البَين. تأوي المكروبين، و المستضعفين، و تسعى في حاجاتهم على قدر استطاعتها… . و كلّما سمعتْ عن زوج لقي جزاء ظلمه لزوجِه، شعرتْ كأنّ الدّهر لها ينتقمُ… استعادتْ حلاوتَـها، و هالتها، اسْـتَــدار وجهها بعد استِطال، و نَـظِـرَ بَعْد دُخْــنَة…
تَـجُــوع الحُــرَّة و لاَ تَــأكُــل مِن ثَديَيْها… راودها الكثير من ذوي البذلات السّوداء و البطون البارزة عن نفسها لكنّها استعصمتْ و تأبّتْ، واحد منهم ذلك الدّحْداح الذّي ما زالتْ تَـذكر منذ طفولتها كيف كان يمسح مُـخاطه الأخضر بكُمّه، و لم يترك القملُ على رأسه أثرا على كثرته؛ سَــباهُ جمالها و سلب لُــبّه قَــدّها الميّاس و هي تمرّ قاصرة الطَّرْف بجوار محلّه صباح مساء… عرض عليها السَّـــماحَ لابنها بِــــــرَكْن عربته الصّغيرة لبيع الحلوى بجوار مدخل محلّه الضّخم للمجوهرات مقابل تخصيص غرفة تجمعه و إيّاها في “الفندق الأحمر”… ـ تودّد إليها يَتَـثَعْلبُ: أنا رجل قَضم البرد سُنونه… إنّي أقف ببابك… أرجو دفءكِ فلا ترديني خائبا!…
ـ قالت: أنا امرأة تقف على باب الله، و لا بَابَ لِـــي…
أشْهَرَ أنيابه… تأبّت عليه و ما خضعتْ لتهديداته و لا استكانتْ… دَفعَ أجرةً إلى أحدهم لتحطيم عربة ابنها، و أوْشَا بها في قسم الشّرطة، قَذَفها، و رماها؛ أوْرَدَ في وشايته أن بيتها وكر للدّعارة… و ما حَدثَ؛ أنّه سقط في الحفرة التّي حفرها لها، و دخل السّجن بجرم من جنس ما رماها به.
سريـعا دارتْ بها الأرض حول الشمس سبعا… حَصَلتْ على بيت ذي أربع غرف تدفع ثمنه بالتّقسيط. زوّجتْ ابنتها البكر، و حصل الولدان اللّذان يِليانها على عمل طيّب الدّخل. الْتحقت البنت التي تليهما بالجامعة، و الباقي بالثانوية، و الإعداديّة. استقرّت حالهم تماماً… عادت إليها ابنتها تشتهي الموتَ حُبْلى من الشّاذ الذي تزوّجها نزولا عند رغبة والدته لا غير. قرّرتْ السّفر إلى أوروبا و العمل كعاملة نظافة بِوِسَاطة آخِر ما بقي لها من الأهل خالتها الوحيدة المقيمة هناك. حَلَمتْ بِرَفاه أكثر، و معاش بالعملة الصعبة نكاية في طعم الحرمان، و صَمَّام أمان يقيها و أولادها كيد الـزّمن.
سافرتْ “حَـبِـــيَــبَـة” جميلةً، و لا جمال يضاهي امرأة في كامل أنوثتها تحمِلُ مِلف الوثائق المطلوبة تحلُم بالوظيفة الموعودة… في المطار؛ واقفةً في الطّابور رآها أحد المارّة، رجل مليح الوجه خمسيني مربوع القامة زانه نور بياض تناثر على نواظره، و أطال النّظر إليها يهزّ رأسه يمنة، و يسرة كأنّه يحاول التّذكّر، أو يَستغربُ أمراً ما، قد ضَرب الدّهر بينهما موعدا…
ـ اقترب منها مُعْربا بدون مُقدّمة: أنا أعرفكِ، و لا أذكر أين أو متى عرفتكِ!
ردّتْ تخفض رأسها هامِســـــة: لا أظنّ! ربّـما شبّهتني بأخرى.
ألـحّ و من عينيه يتسرّبُ فرحٌ: أنا أعرفك!
رفعتْ عينيها إلى وجهه فاصطدمت بعينيه، و رَدّتْ لا تعرف أين توجّه بصرَها تَـكادُ الحروف تَـخونها: ربّــــما، لكنّــي لا أذكر!
نَكسَ بَـصَره يُــتَمتِمُ: أيُعْقَلُ أن أكون عرفتها في الأحلام؟.. لكنّها غابرة الحضور في ذاكرتي!…
تتقاذَفُـــنا الدّروب، و تَـتَلاقى في الحياة مَسَارَاتُــنا، و ربّما كانت نقطةُ التّلاقي نقطةَ انطلاق لمسار آخر… طلبَ التعرّف إليها؛ بعد أن عَـرَّفها بنفسه؛ أعزب شغلته الدّراسة، ثمّ عمَله عن الزّواج، مقيم في فرنسا، مزدوج الجنسيّة… ما أعذب الماء عند الهاجرة بعد شديدِ العطش!… قدَرٌ قُــدِّرَ لها ينتظرها منذ ثلاثة و أربعين عاما في تلك البقعة مِن الكوكب. اختطبها من إمام المسجد… تزوّجها هناك في فندق فخم في باريس… خُرافـِـيّ حبّهما لـبَعضهما… تتفقّد حال أولادها أسبوعا، و تُـمْـضي شهرا هناك مع زوجها. بيت مِن أغلى البيوت بثلاثة طوابق في أرقى الأحياء، و أغناها في المدينة هديَّة قدّمها لها، و سجّله باسم أولادها. بيت فيه من الرّفاه ما لم يكن في أحلام نومهم؛ غُرَف واسعةٌ أرْضِياتُـها زَخْرفةٌ من الرّخام، نُسَخٌ لِتحف فنّية عالميّة، و أبسط ما في المطبخ طواقم الشّاي، و الحليب، و الأكل من البورسولان، و الكريستَل الخالص، إلى ملاعق و شُوَك، و سكاكين من لُجَيْن صِرْف للاستعمال اليوميّ. طافتْ “حَـبِـــيَــبَـة” بِرِفْـقَـتهِ في أكثر من مئة دولة، كيف لا! وَ زوجها طيّار بثلاثين سنة من الخبرة.
فَزِعتْ، و انتفضتْ حين طرق عليها الشّرطيّ زجاج النّافذة: هل مِن خَطْب سيّدتي؟ ترجّلتْ من سيّارتها، و وضعت نصف ما كان في محفظتها من المال في حِجْر المتشرّدة المستظلّة بظلّ “الشّجرة العظيمة الجذع”، ثمّ استأنفت طريقها إلى أولادها مشتاقة إليهم و إلى عائلاتهم الصّغيرة عائدة لتوّها من “كْوَالالامْبُور”.

السابق
لم يولد جلاداً
التالي
سمكة

اترك تعليقاً