القصة القصيرة

الصديقان

قسما بالنازلات الماحقات
و الدماء الزاكيات الطاهرات
بهذه الكلمات رفع الطفل حسين صاحب الخمسة عشر عاما عقيرته أمام مجموعة من الجنود الفرنسيين ، يتابعه بعيونهم شيوخ متكئون على الجدار اضطرهم حكم السن إلى الصلاح و الذكر ، اصطفوا كأنهم ركام من العظام الرميم تعرض نفسها على أشعة الشمس الخافتة لتستمد منها الطاقة، أو أكوام من الحطب تنتظر من يشعل فيها النار،و قبل أن يتوقف الجنود لرد فعل غير متوقع ، تظاهر عمه الذي لا يكبره إلا بأربع سنوات، و هو إلى الصديق أقرب منه إلى العم بصفعه صفعة مؤلمة صارخا في وجهه بمكر:
ـ أتنشد يا جاهل La Marseillaise نتاع العرب؟
ثم جره و ركله ، فتدحرج على الأرض،و قبل أن يهرب صاح في وجه عمه :
ـ يا خواف..
هرول دون أن ينفض ثيابه من تراب الأرض ، يحدث هذا وسط همهمة هؤلاء الشيوخ الذين ينفثون في الموقف ما يشبه السحر، فلا يجد قائد المجموعة داعيا للتوقف من أجل تراهات طفل صغير ، بل يكمل طريقه ، فيعتقد الذين يتابعون الحادثة أن تمتمة الشيوخ هي التي صرفته ، في حين اتجه الطفل مباشرة إلى الحقل أين يعمل أبوه طول النهار ، وأين يمكنه أن يغني كما يشاء ، و يفعل ما يشاء.
تعود الطفل حسين على مرافقة أبيه حميد في الحقل معظم أوقاته ، لذلك تعلم منه كل شيء ابتداء من هذه الحقول المبسوطة على سفوح الجبال كسلّة طعام على ظهر أحدب ،إلى أماكن المياه المختفية هنا و هناك و التي لا تتكشف إلا لعدد محدود لأنها تخشى على نفسها النضوب،أو لأن بها حياء لقلة مياهها ، و مواطن الأشجار المثمرة البعيدة التي تقدم خلاصتها جائزة لمن تمرس بفجاج المنطقة و أثبت خبرة فيها ،وكذا اختصارات الطرق الملتوية الوعرة كثعبان يزحف وراء أنثاه ،و لعل أهم ما عرفه هو تلك الكهوف و المخابئ التي تتنافس على اكتساب القرابة من غار حراء من خلال ترديد أعماقها أصداء كلمة قاوم ، كما دوّت في غار حراء كلمة اقرأ ..ما كان يخفي عن ابنه شيئا ، دون أن يوصيه بالتكتم ليقينه بأنه لن يخوض أمام أمه أو إخوته و أصحابه فيما يراه.. هكذا نشأ كما ينشأ أهل تلك الجبال ، كل شيء عندهم بحساب، الجواب عندهم على قدر السؤال، تدربوا حتى في أسمارهم أن لا يتندروا إلا بالحكايات التافهة التي لا تشي بأي معلومة شخصية، يفضلون دائما أن يحتفظوا بكل ثيابهم أثناء استحمامهم.
ولكنه هذه الأيام لاحظ أن أباه غيّر بعض عاداته ، و أصبح يخفي عنه أشياء، لا يخبره عن سبب خروجه ليلا ، و لا عن هوية الوجوه الغريبة عن القرية التي يلتقي بها نهارا في الحقل ، تظهر سريعا و تختفي سريعا كحلم في منام شخص منهك، و قد تأكد من تعمده الابتعاد عنه أثناء حديثه معهم ، و لما كان الأب يشعر بحيرة ابنه من هذه التصرفات ، فقد كان ينوي أن يخبره بالأمر عندما يحين الأوان .. و لكن متى ؟!
تمادى الأب حميد في تصرفاته الغامضة هذه ، و بالغت الحيرة في اللعب بذهن ابنه، حتى بدأت نفسه الأمارة بالفضول تحرضه على لوم أبيه و عتابه ،تمنى لو أن أباه لم يقربه إليه كل هذا القرب، تمنى لو كان يجافيه كما يجافي أهل القرية أبناءهم ، ما كان حينها لينزعج أو يحتار،و أخذت تعبث به ريح الشكوك كريشة في يوم عاصف.. إلى أن زاره طيف خبيث ، فأمام الأمور الطارئة لا أقرب من افتراض الأسوأ، و حدّثه :
ـ ماذا لو كان أبوك خائنا ؟
ـ يستحيل ، و لو كان كذلك لكنت أنا أول من يعرف ، و لعرف أهل القرية كلهم ..
هكذا أقنع نفسه ، فرغم أنه لا شيء في القرية يقال ، إلا أنه لا شيء يخفى فيها.
كبرت هذه الوساوس في رأسه كورم خبيث ينزف شكا من فرط حك التفكير، لم يستطع رغم رزانته أن يقاوم هذه الحرقة ، فقرر أن يتجسس عليه ، نعم سوف يتجسس ليفقأ نهائيا هذا الورم ، و ليكن ما يكون ، هكذا تُعمي أشعة الشك العقل عوض أن تنير له الطريق . بعدما تناولوا العشاء ، و هو قصعة من كسكس الفقراء لا تاج فوقها ، التفت حولها العائلة ، تبادل الأب مع الأم جملا قصيرة لا معنى لها كما يضطر اللاعب المحاصر مبادلة الكرة مع صاحبه دون تكتيتك ،تبدو الأم من نبرة صوتها الحزين منزعجة مما يحدث كأنما تلاحقها كوابيس ضرة، أوى كل منهم إلى فراشه ، و ما هي إلا لحظات حتى خرج من غرفته كأنه يستجيب لموعد غرامي ، فتح باب المنزل بلطف و تسلل تحت جنح الظلام و ذاب بين الأشجار ، تبعه ابنه خفية، أنّبته نفسه كثيرا،جلدته في الطريق لكن درع الفضول كان أقوى،فلابد أن يعرف سر أبيه..مشى حميد طويلا حتى وصل إلى أحد الكهوف السرية ، انتظر قرابة الساعة إلى أن جاءه أحد الغرباء يحمل على ظهره بندقية ،سلم عليه ،وناوله ورقة فهم الطفل المختبئ أن فيها مطلوبا ما ، تفحصها حميد جيدا ،ثم قال :
ـ و لكن أين الحمار الذي ستحمل عليه السلاح ؟
ـ دقائق و سيصل مع أحد الخاوة.
طار حسين فرحا بأبيه، إلى درجة أنه كاد أن ينكشف أمره ، تمثّل أباه في كفة و الجيش الفرنسي كله في كفة،و تصور أباه مشرفا على كل المجاهدين و على كتفه شتى النياشين، صاح في داخله :
ـ أبي يعمل مع المجاهدين ، الله أكبر، الله أكبر، كم أنت عظيم يا أبي! و لكن لم تخفي عني مثل هذا الأمر؟!
و بدأت تعصف برأسه أفكار عنيفة عن البطولة و الاستشهاد ، اقشعر لها جسمه ، و عانق خياله قمم الجبال ، و ارتسمت أمامه العديد من الطرق لمساعدة أبيه :
ـ و لكن ترى هل يقبل الخاوة بانضمام طفل في سني معهم ؟
لم تهدأ عاصفة أفكاره حتى ظهر المجاهد المنتظر، تراءى وجهه كوجه صحابي أو ولي من الأولياء الصالحين ، توضأت عينا حسين بهذا المنظر ، دخلوا الكهف بعدما أزاحوا ما يغطي مدخله من أعشاب و أغصان ، لم يستغرق تحميل السلاح على ظهر الحمار سوى دقائق ، ثم اختفى بعدها المجاهدان.
وما كادت خيوط الفجر أن تنبجس حتى أوى كل من الأب و الابن إلى فراشهما ،و قد عقد حميد العزم على أن يخبر ابنه بالموضوع ، أما الابن فقد غفر لأبيه إخفاءه للسر متفهما أن خطورة الموقف أكبر من المعزة و الثقة ، بل تهددهما .
انقضت أيام و حميد على حالته من الغموض و الكتمان لا يجد السبيل إلى مكاشفة ابنه بالأمر، و كلما همّ بذلك منعته الشفقة من أن يحمله أمرا فوق سنه ،حتى إذا كانت ليلة من الليالي الحالكة ، غادر فراشه ، و اقتفى أثره ابنه حسين ، و قبل أن يقطع نصف المسافة،تفاجأ بمجموعة من الجنود الفرنسيين يلقون القبض عليه ، اختبأ حسين ، و بقي يراقب ما يحدث و هو مندهش، تكلم أحدهم ، فإذا هي لغة عربية مفهومة ، و لم يكمل جملته حتى تبين أنه ابن قريته عمر و هو أبو صديقه الحميم عيّاش:
ـ لقد انكشف أمرك يا حميد ،تجمع السلاح و تخفيه ؟! و أنا الذي كنت أعتقد أنك عاقل ..كيف تعرض حياتك و حياة عائلتك إلى الخطر من أجل حفنة من الفلّاقة المتمردين ؟!لقد انتهى أمرك ..هيا أخبرنا عن مخبأ الأسلحة ،لقد حجزنا الكمية التي تنتظرها هذه الليلة و قضينا على زميلك الذي كان يحملها على ظهر الحمار..
ـ لا علاقة لي بما تقول يا خوي عمر..
ـ لن ينفعك الإنكار في شيء ..انكشف أمرك..
و بعد حوار عنيف وصل إلى حد تبادل الشتائم بين الرجلين ، تم اقتياد حميد إلى مكان مجهول ، ورجع ابنه متسللا بسرعة فائقة ليتمكن من الوصول إلى منزله قبل الجنود، لم تفارقه صورة جاره عمر وصديقه عياش المخلص و الطيب ، لكنه لعن في طريقه كل أفراد هذه العائلة لم يستثن منها أحدا، ثم تراءت له صورة أبيه ،فجزم أنه سيتمكن من الفرار منهم بإحدى الوسائل ، لن يعجزه الأمر و هو البطل القوي، لن تكون هذه نهايته ، و لن يموت حتى يحصد المئات من الجنود الفرنسيين .. وصل إلى المنزل و هو لا يشعر كيف قطع هذه المسافة الطويلة، لم يحص عدد الشوك الذي و خزه و عدد الكدمات التي تعرض لها ، أخبر أمه بما جرى و أنفاسه تكاد تنقطع ، لم تتفاجأ بمفهوم المصيبة كلية فقد كانت تنتظر مصيبة ما ، و لكنها تفاجأت بنوعها و محتواها ، وتكلمت دون تفكير:
ـ كنت أعلم أن الأمر سينتهي بسوء.
فرنسا بالنسبة إليها أكثر من ضرة ، لأن الضرة تقسم زوجها نصفين أما فرنسا فتنتزعه من أحضانها تماما .
نهضت بسرعة و أيقظت بنتيها ، و سلكوا الطرق الملتوية الوعرة ليصلوا إلى المخابئ الآمنة في الجبال ريثما تتضح الأمور.
و ما هي إلا أيام حتى سمع حسين بمقتل أبيه تحت التعذيب دون أن ينتزعوا منه كلمة و لا حتى الاعتراف بالتورط في القضية. لم يستسغ الخبر ، و لم يتقبل الفكرة ، بقي كل ليلة يزوره أثناء حلمه على أنه مازال حيا ، و أحيانا أخرى يخبره أنه لم يمت ، و أنه سيظهر يوما ، في كل ليلة تنسج قصة جديدة تنفي موته .لم يتمكن حسين من استيعاب المصيبة . و مع مرور الأيام بدأت تراوده فكرة الانتقام، و كلما لمعت له من بعيد أضاءت له مكان السلاح ،و ما لبث أن استسلم لها ، ففكر في اختيار قطعة تتناسب مع سنه و قوته، ليقضي بها على صديقه عياش و أبيه عمر. مشى نصف يوم بين مسالك الجبال الوعرة ،ساعده وزنه الخفيف على تحمل السير ، وعندما وصل إلى الكهف أزاح ما عليه من أعشاب، تحسس بيده القطع فوقعت على مسدس ،تأكد من أنه محشو بالرصاص ، و بحث عن الذخيرة فوجد مجموعة من الرصاص فجمع منها حفنة دون أن يميز بين أنواعها و حشا بها جيبه ، توقف قليلا ليستريح من عناء الطريق ، استسلم لنوم خفيف زاره خلاله طيف أبيه:
ـ لقد صدقتهم .. أنا لم أمت ، سأرجع يوما، و لكن ما دمت قد حملت السلاح فاقتل الخائن..
ـ من الخائن يا أبي ؟ هل هو عمر و عياش ؟
ـ الخائن ..الخائن ..الخائن
اختفى الطيف دون أن يجبه عن سؤاله ، و لما استيقظ وجد الظلام قد أسدل ستاره داعيا أصحاب الأسرار بالتحرك تحت رعايته.
مازالت تفصله عن القرية أربع ساعات ، اقتات من بعض الثمار التي لا يعرف مواطنها إلا القليل ،و شرب الماء من نبع عذب بالكاد ينز دمعات حزنا على حالة القرية ، و ملأ منه قارورته ، و لم يصل القرية إلا عند منتصف الليل ، قصد مباشرة منزل صديقه ، فإذا بصوت تبادل الرصاص ، إنها مجموعة من المجاهدين تحاصر المنزل و فيه الخائن مع مجموعة من العساكر الفرنسيين ، دام إطلاق الرصاص أكثر من نصف ساعة ، لا يستطيع المجاهدون المكوث أكثر تحسبا من وصول المدد الفرنسي ، فقرروا إحراق المنزل ، لكن المعلومات التي عندهم تقول أنه يعيش مع ابنه عياش ،لأن زوجته قد هربت منه إلى بلادها عندما كشفت خيانته ،لكأن المرأة تمقت الخيانة أكثر من الرجل ! و لكن ما أهملته معلوماتهم هو أن ابنه صديق حميم لحسين ، وعندما تأهب المجاهدون لحرق المنزل،تسمّر في مكانه و لم يعرف ماذا يفعل ، ما يحدث أمامه يتعدى طاقة تحمله .. ترى هل يتدخل لإنقاذ صديقه ؟! هل يتركهم يحرقون المنزل بمن فيه ؟ماذا لو كان صديقه خائنا أيضا؟! حدسه يؤكد له براءته ، وروح الانتقام لا تحاشي أحدا و لا تميز بين الأب و ابنه، و الوقت ينفذ بسرعة و لا يقدم مهلة كافية ،هكذا في القرارات الحاسمة لا يلتزم الوقت فيها الحياد بل يكون طرفا في القضية و يمثّل تحديا ثالثا. بدأ الحدس الصادق يقدم جنوده من صور و مواقف على مخيلة الطفل ، منها تقاسمهما الكسرة عند الطالب في الزاوية و مواجهتهما الأطفال الأقوياء في القرية ، و من أبرز ما عرضه عليه الصورة الفاصلة و القاضية على كل الشكوك ، و هي صورته و هو يستغيث في البئر ،حيث هرب منه كل الأطفال مفزوعين ، و لم ينقذه إلا عياش ،جازف بنفسه من أجل إنقاذه ، لكن الحدس بالغ في الأمر حين حدّثه :
ـ حتى أبوه لم نر منه إلا الخير:
ـ لكنه خائن ، و لا جزاء له إلا الموت..
هكذا رد على هذا الهاجس، و هكذا بدأ العقل يعرض عليه في صخب شكوكا لا حصر لها تؤيد خيانة صديقه ، تم هذا العرض بسرعة و بأسلوب الحاوي الذي لا تتمكن من التركيز على حيلة من حيله حتى يشرع في حركة لحيلة أخرى ، خلاصة شكوكه كلها أنه يستحيل أن يخالف الابن أباه.. في خضم هذا الصراع صاح أحد المجاهدين :
ـ يا عمر يا خائن أطلق ابنك ، لا نريد أن نقتله معك ، فالمسكين لا دخل له في القضية .
ـ لن أسلمه لكم ، لأنكم ستقتلونه أو تفاوضونني عليه ..
ـ لسنا رخاص مثلك حتى نقتل طفلا مثله ..اعلم أنك ميت لا محالة ، و لكنك مخيّر بين أن تموت بمفردك أو يموت معك ابنك ..
أصرّ عمر على عدم تسليم ابنه ، و انقسم المجاهدون بين موافق على إحراق المنزل و بين رافض ، و في الأخير قرر قائدهم الانسحاب قائلا :
ـ لم أرتد لباس جيش التحرير الوطني لأقتل الأطفال الأبرياء ، هيا بنا نرجع إلى قاعدتنا ، و لنضرم النار قرب المنزل حتى نعطل العساكر الفرنسيين .
حينما سمع حسين هذا الكلام خرج من مخبئه ، وعرفه أحدهم ، فسلم عليهم بسرعة ، و اقترح عليهم هذه الفكرة :
ـ دعوني أتسلل من النافذة الخلفية للبيت العلوي ، فعياش صديقي و أنا أعرف أين يختبأ الآن.
تبادلوا على عجل نظرات الموافقة ، فلم يكن لهم من الوقت ما يكفيهم للمناقشة ، و أطلق المجاهدون الرصاص من الجهة الأمامية للمنزل لإلهاء المحاصرين عن الجهة الخلفية ، و بخفة تسلق الجدار الصغير للحديقة ، و تسلل بين أشجار الصبار حتى وصل جدار المنزل ،تأكد من الحفر التي كان يعتمد عليها في الصعود ، لم يفلح في المرة الأولى ،فيداه و رجلاه ترتجفان ، و ربما ترقصان مع الطبول التي تدق في قلبه ، حاول من أجل الصداقة أن يتمسك في أعصابه ، أن يركز على رد الجميل لصديقة الذي يدين له بحياته ، هاهو الآن يتشبث بالجدار يصعد من خلال الحفرات الصغيرة ،يقفز من النافذة ، يجيل نظره في الغرفة فيقع على صديقه تماما كما توقعه مختبئا تحت السرير(السدة)، أمسكه من يده و سحبه إليه ،فطاوعه و لكن عندما وصل إلى النافذة تردد في النزول قائلا :
ـ إلى أين تذهب بي ؟ سيقتلني الفلّاقة ..
ـ لو كانوا يريدون قتلك لأحرقوا عليكم المنزل ، ما منعهم من ذلك إلا الحفاظ على حياتك ..
ـ امتنعوا عن إحراق المنزل خوفا على حياتي؟!
ـ نعم ، و قد أرسلوني لإنقاذك .
تأثر لهذا الكلام ، و اقشعر بدنه لأخلاق المجاهدين ، و بينما هما يتحاوران إذ دخل عليهما الخائن عمر و فوهة رشاشه موجهة نحو الأرض ، تفاجأ أولا ، ثم فرح لأنه عثر على كنز ثمين في التفاوض مع الذين يحاصرونه .
ـ ها قد أتيت برجليك إلينا ، ستكون كنز ثمينا للتفاوض.
تقدم نحوهما خطوة ،فرفع حسين المسدس بيديه المرتعدتين في وجهه، و عينه تستفتي عين صديقه التي غارت حتى أضحت لا قرار لها ، لم يقرأ فيها شيئا ، القضية أكبر منهما ، وهذا الوجع سيجعل منهما عظيمين قبل الوقت ،خطا نحوهما الخطوة الثانية ، داس حسين على الزناد ، تصبب جبين الخائن عرقا و كاد يسقط ،لكن الرصاصة لم تنطلق ،حتى المسدس أصبح خائنا في حسابات حسين ، أليس من صنع فرنسي ؟! هكذا ظن بكل سذاجة، ثم افترض أنه قديم ، أو معطّل ..قال في نفسه :
ـ يا حسرتي نسيت أن أجربه ! بل لم أجد المكان المناسب لذلك ..
كل هذه الاحتمالات تزاحمت إلى فكرة في ثوان كأنما انطبعت في لحظة واحدة ..استوعبها العقل جملة واحدة ..رجعت الروح من جديد إلى عمر، و تنفس الصعداء ، و ارتسمت على وجهه بشائر الانتصار، و قال :
ـ ها أنت ترى بأم عينك بأن كل شيء يخدم فرنسا ،فكيف لا أخدمها أنا ؟! أين ستذهب مني الآن يا ابن حميد ؟
همّ أن يقترب منهما ، تبادل الطفلان نظرات مبهمة تصدر أصواتا كعواء الذئاب، مد ابنه يده إلى المسدس الذي في يد صديقه المرتبك فزاده ارتباكا، و أعتقد أنه يريد أن يخطفه من يديه :
ـ العرق دسّاس ، هاهي الخيانة تستيقظ من جديد ..
هكذا حدث حسين نفسه ، و عزّز يقينه بهذا رؤيته لوجه الأب يتهلل وجهه ، حرك عياش شيئا في المسدس، و قال لصديقه :
ـ هيا اضغط على الزناد لقد نزعت التأمين ، هيا بسرعة .
ضغط حسين على الزناد ، فانطلقت منه رصاصة أصابت قلب الرجل ،فسقط ميتا في مكانه ، و أسرع الطفلان إلى النافذة ، و نزلا متشبثين بالجدار كعنكبوتين فتيين :
ـ من علمك نزع تأمين المسدس؟
ـ أبي
ـ كيف لم تخبرني بذلك ؟
ـ استحلفني أن لا أخبر أحدا، و أولهم أنت ..
ـ لماذا أنا بالذات ؟
ـ أوهمني أبي أنه يتعامل مع المجاهدين ، و كلفني أن أنقل إليه ما أشك فيه في القرية، و أفهمني أن المجاهدين يشكّون في أبيك ،و يعتقدون أنه يتعامل مع الفرنسيين ، فصدّقته ، و لكن اليوم كما ترى انكشف كل شيء ..
و ما كادا يكملان حديثهما حتى ظهر عسكريان من النافذة ،فبادرهما المجاهدون بوابل من الرصاص فتراجعا إلى الخلف ، و تمكن الطفلان من النجاة، و تم إحراق المنزل بمن فيه ، و رجعت فرقة المجاهدين من حيث أتت و قد ربحت إلى صفوفها مجاهدًين جديدين ، أحدهما ابن شهيد و الآخر ابن نفسه .

السابق
هموم
التالي
كفاف

اترك تعليقاً