القصة القصيرة

الصراع من أجل الحرية

جالس في زاوية البيت…
معي قلمي وورقة ،وقنديلي الذي يعشق الفتيلة والزيت.
بين الفينة والفينة أرشق نار مدفأتي بنظرات حادة،وهي تلتهم جنود الصمت المحاصرة للمكان،ثم أرتفع برأسي إلى الأعلى فالأعلى فالأعلى…لأرى عصفور الكناري، وهو يتصارع مع قضبان قفصه،نادبا حضه التعس،الذي جعله في بطن قدّت من حديد،لاعنا سجّانه ،الذي سلبه معشوقته، التي تغنى بها الشعراء، وأشاد بها الحكماء، وناضل من أجلها الفلاسفة والأدباء ألا وهي الحرية…الحرية…الحرية !
أرثي لحاله رغم أنّني السجّان اللعين،وماذا عساي أن أفعل؟ وهو أنيسي في قفصي بأنغامه الشجية، التي تنبعث من حنجرته الذهبية الدافئة ،لتملأ زوايا الكوخ، وتلوّن ظلامه بألوان وردية فاتحة،وتسري في عروقي عبر آذاني المصخية، فتحرّرني من وحدتي وتطهّرني من كآبتي، وتشبع مجاعتي، فأصرّ على سجني له ؛لأنّ سجنه ثمن حريتي، التي أنتشي بطعمها -حتى الثمالة- عند سماع صوته. فأهمس- له- بيني وبين نفسي :فلتبقى سجينا وليتحرّر صوتك فقط ففي تحرّره حريتي.
وسرعان ما ألملم رأسي يبديّا، و أطأطأه قسرا وجبرا، لأجلس على الكرسي، وأبعثر الجزء العلوي من جسدي على المكتب. أحسّ بهيجان في أصابع يدي، لتتفلت منى، وتمتطي صهوة القلم، وتعطيه العنان، لينطلق عبر الجغرافية الممتدة للورقة البيضاء. يستجيب القلم وينطلق انطلاقا عابثا، ليغتصب – أجمل شيء عند الورقة – بياضها ،ويزداد شرهه للاغتصاب، فلم يكتفي بواحدة بل أصرّ على العبث بشرف رزنامة الأوراق.التفتُّ دون وعي منّي، فهالني عدد ضحاياه اللائي تكدّسن بعضهن فوق بعض كأنّهن طاهرات سقطن في معركة الشرف.
تدخلت لأنهي هذه الميلودراما المتأزمة، وصحت في وجهه:قف أيها الداعر،ألا تراعي حال هؤلاء البائسات أيها العاهر، كم من طاهرة لوثّت بياضها بلعابك الأسود،ومزّقت عذرية بياضها وسلبتها حريتها؟
سرعان ما تجمّد لسماع صوتي وقال لي: – بصوت مرتجف- عذرا سيدي ! أنا أكره بياض الأوراق ،والله كتب عليّ في الأزل أن أكتب…
– دعك من هذا الهراء .يجب أن تفرّق بين الكتابة، والعبث أيّها العابث،وإن كان لا مفرّ من إصرارك على الكتابة فلتكتب …
– ماذا أكتب؟
– ماذا تكتب؟
تبا لقد نسيت ! وهجرتني بنات الأفكار…وأصبح عقلي عقيما.وأنا أتصارع مع نفسي، وأحاورها داخليا، ليستمر صراعي الذاتي، حتىّ سمعت وصلة غنائية حزينة أرسلها طائر الكناري: “أعطني حريتي وأطلق جناحيّا”
انطفأت نار قنديلى، وخيّمت العتمة على أركان الكوخ، وشعرت بجيوش الخوف تحاصرني، فارتعدت كلّ مزعة مني .عدت بالكرسي الذي أرهقه ثقلي إلى الوراء ،لأهوى على رأسي ،فقمت فزعا، وهرولت صوب الخزانة ،لأقدم لقنديلي وجبته المفضلة؛ الفتيلة بالزيت مع بهارات النار المنبعثة من عود الثقاب.
أرسل قنديلي- بعدما ملأ بطنه- شعلته المتوهجة، ففرت العتمة الموحشة، واستنار المكان بكلّ ما فيه ،وعادت إليّ أنفاسي، وشعرت بالارتياح، ورتّبت نفسي على الكرسي واقتربت من طاولتي، لأمسك القلم، وأصيح في وجهه: اكتب عن الحرية.
أيتها الحرية ،ياهبة القدير، و يامعشوقة الجماهير، يا أمل المستضعفين وبغية المستعبدين و إكسير الحياة. يا نورا، أرسله الله في الوجود، فنعمت به الكائنات،ياقماطا، لُفّ فيه الإنسان أثناء ولادته، فلمّا كبر سيطر عليه الظلم والشجع، مزّقه ثم أحرقه، وذرى رماده في بحر شجعه، وطمعه؛ انتصارا لأنانيته.فاستعمر، وقتل،وأباد،وسجن،وأسر،وسلب الناس حريتهم…ومتى اُستعبدت الكائنات وقد وٌلدت في حجر حريتها؟ !
وقبل أن أكمل إملاآتي على القلم. طرت من على الكرسي، فوجدتني أفتح القفص بدون شعور، لأقول لعصفوري: اخرج عبر كوّة الكوخ… وطر بعيدا…واعتبر إطلاقي لك كفارة لاستلاب حريتك.
حلّـق في عالم الحرية، وتنقل بين أغصان الأشجار، وتغنّى بحريتك مع الأطيار، والعن زمن القفص والقضبان الحديدية. احكي كلماتي هذه غناء؛احكيها لكلّ مستبد، و لكل ظالم:”تصبر الكائنات على الجوع،وتصبر على العراء،لكنّها لا تصبر على استلاب الحرية فهي الطعام ،وهي اللباس، وهي الهواء، الذي تعيش به، وهي امتداد تواجدها على هذه الأرض، وكلّ عدوّ لحريتها هو عدو لها، وملعون هو بكل لسان”.
انحنى العصفور ليرفع رأسه، ونفش أجنحته، و أرسل في أرجاء الكوخ وصلة غنائية شجية لم ينقطع صداها من أذني، وكأنّي به يقول:”شكر الله سعيك، وحرّرك من نفسك، وحرّر بني جنسك من مطامعهم، ليعيشوا أحرارا، فإذا ماتوا كُفّنو بكفن الحرية الناصع،وصلّت عليهم الكائنات”.
انطلق عصفوري خارجا من الكوّة، ليبدأ رحلته الجديدة في عالم الحرية ،وذابت أنانيتي واحترقت مطامعيّ، وأخرجت شيطان جشعي مني، وآليت على نفسي منذ ذلك اليوم أن أكون رسولا للحرية أبشر بها، وأتلو اسمها في المحافل والمجامع، وأناضل من أجل منحها لكل مظلوم ومكلوم على وجه البسيطة.

السابق
عندما كنت هناك
التالي
دربُ الأماني

اترك تعليقاً