القصة القصيرة

الصرخة

أطول يوم عاشته البلدة هو الذي تلا دفن العرافة، الأطفال أنفسهم ظلوا النهار كله وجزء من الليل يتفرسون في صخرة القبيلة التي في الوادي، جفاهم النوم، باتوا يرقبون شبح شيخهم الميْت الذي قيل لهم بأنه ظهر في البلدة بعد انقضاء مراسيم التشييع، شكلوا دائرة كبيرة حول الصخرة، بدوا كأصنام صغيرة، وحدها رؤوسهم الصغيرة تتحرك بشكل آلي في كل الاتجاهات ، كانت عيونهم تستطلع ضيفهم العزيز بالطلائع والرواد طمعاً في التبرك به ، غالبوا نومهم لعل الشيخ يظهر وقد قيل لهم من يتبدى له شبحه يفُز بمفتاح القرية السحري ، أما الرجال فكأن على رؤوسهم الطير منذ أن أخبروا بأول اجتماع سيعقدونه بدل نسائهم اللواتي توارين عن الأنظار؛لأن عرف القبيلة يقضي ألا ترى إحداهن الشمس بعد دفن العرافة إلا بعد مضي أسبوع كامل..
في أول أسبوع،و في اليوم المحدد يجتمع الرجال،الأطفال أيضاً كانوا هناك باعتبارهم رجال الغد،وبسببهم كثر الضجيج والعجيج، وبدت هامات بعض الرجال، في الاجتماع، مثل أعجاز نخل تزيدها طريقة جلوسهم الغريبة إثارة، أغلبهم تقوس ظهره أو جعله يتقوس عمداً لسبب ما، منهم من كان يرفع يديه إلى السماء كأنه يحمل شيئا بينهما… آخرون كانوا ينكشون أنوفهم، أو يهشون الذباب، ومنهم من كان شارداً، سادراً في الذي سيحصل.. وحده الشاب [س] كان يبدو هادئاً، وبرباطة جأش تقدم الجمع، وقف حتى يراه الجميع، وصفق في يديه، ثم قال:
– ” إنها البداية يا رجال، أن نكون هنا، ومعاً، إنه أمر مهم”.
عقب شاب آخر :
– ” لم نعهد هذا التلاحم سوى أمام قصعة من الكسكس أومن عصيدة.. طيب لماذا نجتمع بدونهما؟”.
انطلقت ضحكات من كل الزوايا أعقبتها همهمات غير مفهومة تدعهما إشارات من أيادٍ ملوحة في الهواء تقترح شيئاً غير مفهوم، وبعد لأي ران على الجمع هدوء حذر لكنه صاخب سينداح مثل حبل مفتول طوّق الأعناق نحو وجهة واحدة عرجت حيث يجلس شيخ بدين وأدرد، و حين جحظت العيون إليه انتفض كطائر خرافي بلله الـقَـــطر، أثوابه الفضفاضة حركها كجناحيْ فرناس فحملت حركتها ريحاً حموماً لفحت الوجوه الواجمة، بعضها نالت نصيبها من اللطم حين رقصت على محياها.. اهتز الشيخ واهـتش، أشار إلى الشابين ثم قال بصوت أجش:
– “يا ناس، الأول عابث والثاني عائث،فَـلِــمَ يتحدثان باسمنا”.
لم يحضر رجال القرية جميعهم، ومع ذلك بدا المكان غاصاً.. ولولا هذا الاجتماع لما جزم أحد بأن الشيخ منهم، بدا أغلبهم لا يعرف الآخر، والشيء الوحيد الذي يجمعهم هو الصخرة التي في الوادي، وهي ذاتها التي يجتمعون بسببها اليوم.
الصخرة صدت عنهم هجمات الأعداء مرات عدة، لكنها بالمقابل سدت عنهم منافذ نسمات هواء، وحالت دون أن تخترق مسام رؤوس قُدت من صخرة سكنت من الأهالي القلوب والأهداب، ظل أكثرهم لا يفكر سوى في تسلقها، يفعلون ذلك تباعاً، والعجيب أن كل فرقة من رجال القبيلة تعرف دورها وتنتظره كما المطر،وإذا جاء دور إحداها ينط الرجال فوق الصخرة كنسانس ثم يبدأون في إطالة النظر إلى الأفق في انتظار الذي سيأتي ولا يأتي..
تكلم الشاب مرة أخرى وقال :
– ” نحن الذي يعرفنا الناس بأهل الصخرة لم نعد نفهم ما معنى أن يلصق بنا هذا اللقب، والحق أن عقولنا، وكيف نفكر لها نصيب من هذه الصخرة اللعينة”.
نطق الشيخ البدين، وبدا حكيما هذه المرة، وقــــال:
– ” تُعرف الأشياء بأضدادها عند أجدادك العرب يا ولدي”..
انتبه شباب القرية إلى ما يرمي إليه الشيخ، وعقدوا العزم على أن يكونوا من أهل الصخرة، لكن مجرد صخرة في الوادي فقط تسكن أرضهم لا عقولهم، ثم قالوا للشيخ:
– “اقض ما أنت قاض، فلن تجد بيننا سوى راض”.
تكلم الشاب بغضب، وتكلم الشيخ و أسهب، وأدلى الآخرون بدلوهم.. ورغم تضارب الآراء اتفقوا على تحرير وثيقة سموها ” الصرخة”، جاء في بنودها:

تسلق الرجال الصخرة كنسانس محظور محظور..
الانشغال يجب أن ينصب ليس على أعلى الصخرة، إما بمعرفة ما تحتها.
هزها يوماً بعد يوم، والعمل على تحريكها مرة بعد مرة.
الأرض بدون الصخرة لنا، والبيت بدون الصخرة لنا، وليس منا من يغشنا أو يخاصمنا.
وفي المساء حين عاد الرجال إلى دورهم حملوا البشرى، وزفوا لزوجاتهم بنود الاتفاق الذي خرج به الرجال من الاجتماع، وحدها عانس القرية خرقت القاعدة، هي أولا ضربت عرض الحائط بعرف القبيلة، وظلت تتحرك في القرية رغم الوفاة، وثانياً كانت معهم في الاجتماع متنكرة دون أن يحس بها أحد.
وحين انقضي أسبوع حداد نساء القرية، اجتمعن عند أكبرهن سناً، قالت حيزبون منهن:
– ” إذا لم يتسلق رجالنا الصخرة، هذا معناه أن يفكروا في ظهر يتسلقونه بدلاً عنها، ولن يكون سوى لحمنا”.
قالت أخرى مؤكدة :
– “أن يتسلقوا الصخرة خير من أن يتسلقوا ظهورنا”
وحسمت النقاشَ الثالثة وقالت:
– ” رجل فوق الصخرة خير من عشرة تحتها أو حولها”.
العانس لأول مرة تحضر اجتماع نساء القرية، شجعها على ذلك بنود اتفاق الرجال ، جلست بينهن كما العروس،لم تنبس ببنت شفة، وعلى غير عادتها ظلت هادئة، وأمام لغو النساء فكرت في تاريخ البلدة، وفي الصخرة التي تجثم على صدور الكبار والصغار ،والذي حيرها أكثر هو كيف أن الأهالي ظلوا ينوءون تحت ثقل صخرتهم، وكيف صبروا كل هذا الوقت دون أن يصدر عنهم رد فعل ما، وكيف تاهت عن أفواههم مجرد صرخة… ظلت سادرة، غارقة في بحر تأملاتها، و حتى إذا لاح في الأفق بوادر يوم زينة يرتقبه الأهالي ، وحتى إذا تغيرت الذهنيات بعد إسفار الصبح عن القرية ستتخلص قائبة من قوب وإلى الأبد.
ولا زالت النساء بين عقد وحل وشزر وسحل إلى أن عقدن العزم على مقاطعة الأزواج، ومنعهم من دخول بيت الزوجية حتى يغيروا من بنود الاتفاق غير العادل، والتفكير في صياغة ” مدونة جديدة للتعامل مع صخرة القبيلة “.

السابق
جيوب فضية..
التالي
لحظة مؤجلة

اترك تعليقاً