مقالات

الصغيرة المشاكسة بين مقاومة الاقصاء واثبات الوجود

القصة القصيرة جدا ، نحلة ملونة الاجنحة ، تمتص رحيق مختلف الاجناس الادبية كما تحوم النحلة على مختلف اشكال وألوان الزهور ، ولكن لعسلها طعم خاص ، يشفي أمراض الكآبة ويعالج ضيق الوقت ويجاري سرعة العصر ، ولكن هذه النحلة لا يتمكن من تخليقها وتصنيعها إلا اقلية قليلة من كتاب السرد …
ككل ظاهرة جديدة ، او كل جنس ادبي جديد تعرض هذا الجنس الادبي لمقاومة كبيرة ، حاول بعض اعلام السرد والقص ارغام رحم السرد على انكار هذا الوليد الصغير الوقح المشاكس الذي يحاول بخفة دمه ، وحلاوة مذاقه ، وبلاغته ، وتعدد اهدافه ان يفرض نفسه لينتزع اعتراف الاب بنسبه وضمه الى عائلته عائلة السرد الكبيرة ، فبالرغم من ضآلة حجمه الذي يثير استغراب اجناس السرد كالرواية والقصة ، ان هذا الجنس يصر ان يثبت ذاته بضآلة حجمه وبقصر طوله ، لا يؤمن بالولائم السردية الباذخة الطول والحجم ، انما هو يحضر حضور النسمة الباردة المنعشة في قيض النفس الانسانية الملتهب ، يعيد البهجة والانتباه للأرواح المتعبة الملولة من ثقل واقع حياة راهنة بلسعة محفزة منشطة لخلايا المخ لمواصلة الحياة ، وتخليص ان لم نقل تخفيف وطأة روتين الحياة عن الانسان الذي اصبح لا يجد فسحة من فراغ فائض للتأمل والاسترسال ومتابعة احداث الرواية وحتى القصة القصيرة .
كما ان ما اثار غيض الاجناس السردية الوقورة الاخرى هو خفة وحركية هذا المدعي الجديد ، الذي لا يعرف السكون وإنما هو دائم الفعل ، راكض، زاحف، مهرول ، ساخر، باكي ضاحك ، دائم الاهتزاز حتى حينما يبدو ساكنا او واقفا في مكان واحد ، كأنه طفل شقي دائم الحركة ، دائم اللعب لا يحفل بمقامات الحضور من حوله ، كما انه لا يخشى القول والفعل متمثلا براءة الطفل الذي كشف عري الملك ، فأذهل الحاشية بجرأته وصدقه لكون 1
هذا الشقي الصغير لا يحفل بالأسماء والإعلام ومن تكون وكيف تكون فكل همه الحركة الرشيقة الدائمة (( الجملة الاسمية قليلة جدا في القصة القصيرة جدا، لان هذا الجنس الادبي لا يتلاء م إلا مع فعلية الجملة الدالة على الحركة والحدث وديناميت السرد )) 2
ومما اغاض الاشقاء والشقيقات الكبار ان هذا الوليد الخفيف القصير ضئيل الحجم لا يعرف معنى للعزلة والانغلاق فهو لا يتهيب ولا يخجل ولا يستنكف من طرق كل ابواب الاجناس الادبية والقصصية ، يتم كثيرا بصلة الرحم حتى لسابع ظهر كما يقولون وكما يقول جاسم خلف الياس:-
((القصة القصيرة جدا بوصفها انزياحا نوعيا يحيل في احد مفاهيمه الى مرونة النوع وقدرته على الافادة من معطيات الانواع الاخرى)) 3 .
حيث يبدو هذا الوليد الشقي بخفته وقدرته على الحركة والتنقل يعوض عن سكون وانعزال الرواية بشكل كبير والقصة القصيرة على درجة اقل نتيجة لضخامتها وثقل جسدها مما يعيق حركتها ويفرض عليها صفة الهيبة والوقار والاعتزاز الكبير بالذات وكأنها تقول من يريدني فليأتي الي ، في حين القصة القصيرة جدا تقتحم عليك عزلتك وضجرك تشاكسك وتعاكسك فتخرجك من وجومك ، تضحكك وربما تبكيك ولكنك تستقبلها برغبة وامتنان .
فإذا كانت الرواية شجرة، فالقصة القصيرة ، غصن من هذه الشجرة ، فان القصة القصيرة جدا هي ثمرة هذه الثمرة .
وكما يقول الاستاذ حسين المناصرة (( ان نص القصة القصيرة جدا المثالي ينبغي ان يكون في حدود خمسين كلمة …)) 4 ص8 والآ يزيد حجم القصة القصيرة جدا على سبعين أو ثمانين كلمة ، حتى لاتتحول القصة القصيرة جدا الى قصة قصيرة أو أقصوصة)) ص14.
في الوقت الذي تسهب فيه الرواية والقصة القصيرة في التوصيف والتعريف حتى تتمكن من توصيل كامل رسالتها للقارئ المتلقي ، ولتكون دلالتها عميقة وواضحة لا تتطلب من القاريء كبير جهد لحل الغازها ومدلولاتها ، يصيبها – الرواية والقصة القصيرة – الغيض اولا ومن ثم الحسد والآن الغبطة للقصة القصيرة جدا المميزة باختزال الحجم وعمق وسعة الدلالة ، ولاشك ان على الكاتب القاص ان يكون حاذقا في تخليق هذا المخلوق الجميل فحينما يفتقد الحكاية في السرد يتحول النص الى خاطرة وكما قال جميل حمداوي (( اذا افتقدت القصة القصيرة جدا مقوماتها الحكائية ، فأنها تتحول الى خاطرة ، ؟أو مذكرة انطباعية ، او نثرية شعرية ))5
وكما يقول حسين المناصرة ((تعد البنية القصصية أو الحكائية أو السردية … سواء كانت حاضرة أو غائبة شرط القصة القصيرة جدا الأول ، أو اهم العناصر التي تفضي بهذه القصة الى أن تصنف أو توصف بهذا الوصف )) 6
وحينما يبالغ في المفردة والصورة يتحول النص الى قصيدة شعر نثرية ، وإذا اسهب في السرد انقلب النص الى قصة قصيرة ، وإذا فقد النص القفلة المفارقة المدهشة يفقد ملوحته وجاذبيته و هنا تكمن صعوبة كتابة القصة القصيرة جدا وكما يقول الدكتور باقر جاسم محمد :-
(( القصة القصيرة جدا فنا اكثر صعوبة من سواه من فنون السرد الادبي لأنه انما ينبني على الجمع بين متناقضين : ضيق فضاء المقول اللساني وسعة فضاء التأويل الدلالي )) 7
كما ان هذا الوليد الجميل يتمتع كطفل بالجملة البسيطة ، لا يعرف التوقف ، والتلعثم ولا يخشى التكرار وتنوع افعال الكلام.
يمكن ايجاز المكونات الثانية للقصة القصيرة جدا ب
((الخاصة الفعلية، الجملة البسيطة ، التتابع ، وتركيب ، والتعاقب ، والتسريع التركيبي ، والتوازي، والتكرار ، والانزياح ، والالتفات ، وتنوع افعال الكلام مقاما، وسياقا وتداولا …)) 8 .
ومن الميزات الهامة لهذه الشقي الصغير او لهذه الصبية المشاكسة قدرتها الفائقة على السخرية من الخصم ، من الواقع الرتيب ، من المتعالم الجاهل ، من المدير المعظم ، من الحاكم المستبد ، من المدعي المزيف ، من الثري البخيل من السياسي الفاسد ، من المجتمع المنافق ، من الرجل المتعجرف ، من المرأة الجاهلة ، من الرجل المشعوذ… الخ
(( تعد السخرية من اهم المكونات الجوهرية للقصة القصيرة جدا ))8
كما ان هذا الصغير الفطن غالبا ما يحمل لافتة وعنوان اكبر من حجمه ، يكون من وسائل الجذب بالنسبة للمتلقي ، لافتة ضوئية وامضة مشعة تستدعي التوقف عندها ، وقد يكتشف المتلقي ان العنوان المبهر قد لا يكون له صلة بالمتن وهو غير مجبر على تفسيره والتعريف به
((أن العنوان هو بؤرة المتن حضورا أو غيابا ، وهو يشير الى ان حجم القصة القيرة جدا لابد أن يفضي الى افراز هذا العنوان وانتاجه، بصفته خلاصة القصة أو زبدتها أو القلب الذي ينبض من خلالها..)) 9.
حتى وصل به امر المشاكسة لاستيلاد ما يسمى بالقصة الصفر ، حيث لا يجد المتلقي سوى العنوان اما المتن فلا يزيد عن مجموعة نقاط موزعة على بياض الورقة ، وهو بذلك يسحب القاريء المتلقي ليكون هو مؤلف وكاتب المتن حسب ما استوعبه ن دلالة العنوان وكما يقول الدكتور باقر جاسم محمد (( من اهم وظائف القصة صفر انها تعمل على جعل العنوان ايقونة بالمعنى المستعمل في جهاز الحاسوب ، ولكنها ايقونة فارغة، وهي تفتح على نص ينجزه القاريء … وهي بذلك تمثل تجربة مهمة وخطيرة لجهة انها قصة قاريء بامتياز )) 10 .
فيشبهها الدكتور باقر بقماشة بيضاء توضع امام القاريء ليرسم عليها ما يشاء ارتباطا بوعيه وثقافته وتأويله وفهمه لعنوان القصة .
((طفل جائع محروم يشاهد كلبا يأكل لحما طريا.
المتن “……………”
هذه المشاكسة الصغيرة ولنقل هذه الصبية المشاكسة اللعوب تهوى التلاعب بتصورات المتلقي وتشاكسه ، تقوده الى منعرجات ، توهمه بدلالات ، وأحيانا تفند كل توقعاته ، بقفلة صادمة تدخله لحظة الدهشة والإبهار ، فتجبره على النهوض حملها مقبلا عيونها متمتعا بشقاوتها الطفولية المحببة الى نفسه ولما اثارت لديه من متعة ودهشة …
نظرا لما تمتلكه القصة القصيرة من كم ونوع ابداعي مدهش ، واستجابتها لروح العصر المتسارع الوامض المحب للاختزال والاختصار فقد استطاعت ان تكسب ود من قاومها وان تمتص صراخ من رفضها ، وتحضى بالقبول والرضا باعتبارها جنس ادبي جديد خارج من رحم السرد نتيجة لضرورات موضوعية وذاتية استدعت تخليقه وولادته وقد ذهب البعض الى القول
(( ستكون القصة القصيرة جدا جنس المستقبل بلا منازع مع التطور السريع للحياة البشرية ، والاختراعات الرقمية الهائلة وسرعة الايقاع في التعامل مع الاشياء وكل المعنويات الذهنية والروحية )) 11_ وكما يقول جاسم خلف الياس :-
((يلاحظ متتبع القصة القصيرة جدا ان ثمة مواقف اتخذت ازاء القصة القصيرة جدا ، موقف مدافع يرى ان القصة القصيرة جدا جنس ادبي مستقل له خصوصياته وشروطه وتقنياته وعناصره كما فعل احمد جاسم الحسين ، ويوسف حطيني وهيثم بهنام بردى …
وموقف رافض لهذا الجنس الادبي جملة وتفصيلا كما هو حال سليم السامرائي الذي يعتبر القصة القصيرة جدا “ظاهرة خطيرة ، لا تنبني إلا على نكوص وتخلف ميل الى التعامل السهل مع الابداع ، وركون الى الكتابة المستعجلة “، وهناك في المقابل موقف المراقب والمتردد لهذه الكتابات للحكم عليها وعلى مستقبلها))12.
نرى ان الكفة الان تنحاز بشكل كبير الى الموقف الاول وهو موقف المعترف والمساند والداعم لوجود هذا الجنس الادبي ، ومن شواهد هذا الاعتراف بجنس القصة القصيرة جدا هو انعقاد الملتقى النوعي للقصة القصيرة جدا في ذي قار ارض الثقافة والإبداع والمبادرة والعطاء ، ولاشك ان ادباء العراق وكتاباتهم كانوا في مقدمة الادباء في المنطقة والوطن العربي ممن كتب القصة القصيرة جدا وأبدعوا فيه كثيرا ، ومن ثم سوريا والمغرب العربي حيث ((لم تظهر القصة القصيرة جدا بالمغرب جنسا مقننا الا في منتصف التسعينيات من القرن العشرين مع اولى مجموعة قصصية هي ((الخيل والليل )) للحسين زورق وقد صدرت سنة 1996)) 13 .
اما الان فالمغرب في مقدمة البلدان العربية في كتابة ودراسة والتنظير للقصة القصيرة جدا ، تقام مهرجانات ومؤتمرات سنوية دورية تمنح فيها الجوائز والشهادات للمبدعين في كتابة ودراسة ونقد وتنظير هذا الجنس القصصي الجميل .
وقد اوجز المبدع السوري نبيل المجالي اهم ركائز وميزات وشروط القصة القصيرة جدا :-
((سرد قصير متناه القصر … كالسهم بل كالشهب تطلق الشرر
كتبها الاوائل الكبار … وليس يدري من هو المغوار
قد ميزتها خمسة الاركان… حكاية غنية المعاني
وبعدها يلزمها التكثيف… ووحدة يحفظها حصيف
واشترط الناس لها المفارقة … وان تكون للحدود فارقة
وجملة فعلية بها كمل… بناؤها .. وحقه ان يكتمل )) 14 . بودنا ان نقف قليلا عند اهم اسباب وبواعث ولادة القصة القصيرة جدا إلا وهي صفة القصر واختزال الوقت امام القاريء لان وقته يقاس بالثانية ، وقت ثمين لا يمكنه استهلاكه في قراءة المطولات من الروايات والقصص… ولكنه بحاجة الى غذاء الروح الذي احد اهم مصادره ومنتجه هو الابداع السردي كما الموسيقى والغناء والفنون الاخرى…
لنا قول في تسمية هذا النوع من القصة نتمنى ان يكون مقبولا ، او يحضى باهتمام الزملاء كتاب القصة والنقاد فبدلا من قصة قصيرة جدا نسميها ((قصيصة)).
قصة قصيرة جدا او قُصَيّصة
لاشك ان القصة جنس اصبح راكزا ولديه مريديه في كل العالم ، وقد قسم النقاد القصة الى طويلة وقصيرة وقصة قصيرة جدا ، في كل الانواع يبقى تجنس القصة وركائزها الاساسية ثابتة ، شجرة التفاح كبيرة او متوسطة او صغيرة تبقى شجرة ولا فرق الا بالحجم ، يبدو لي ان صيغة التصغير وليس التحقير لايعبر عنها في اللغات الاخرى وخصوصا الانكليزية الا باضافة صفات اخرى فنقول(( very short story)) ليصل لنا معنى قصة قصيرة جدا ، او نقول ((very small tree)) او نقول (( very short stick)) ، ولكننا بالعربية يمكننا ان نقول شُجَيرة، وعُصَية للتعبير عن القصر الشديد لذلك لماذا لانقول (( قُصَيصة)) لنعني بذلك القصة القصيرة جدا ، فالجنس يبقى هو قصة في الطويلة او القصيرة او القصيصة ، والامر لايتعلق الا بالحجم والطول فقط .
اعلم ان هذا التوصيف ((القصيصة)) ليس شائعا ولكني اره اكثر ملائمة وتعبيرا ودلالة .
في الختام نقول ممهما كان السمك وفيرا لا يمكن لأي سنارة أو شبكة ان تصطاده الا اذا كانت بيد صياد صاحب خبرة وتجربة ومهارة في اختيار المكان والزمان وطريقة رمي السنارة والشبكة ، كذا هو حال كاتب القصة القصيرة جدا يجب أن يكون قلم الكتابة بيد صاحب تجربة ومراس في السرد ، صاحب فطنة ، لماح للظواهر والتغيرات في بيئته ومجتمعه ، ومالك لخزين ثقافي ولغوي جيد…

مراجع

1-.(( القصة القصيرة قصة فعلية بامتياز ))ص47 جميل حمداوي -لسانيات التركيب في القصة القصيرة جدا.
2- ص51 نفس المصدر السابق .
3- ص53 جاسم خلف الياس – شعرية القصة القصيرة جدا – دار نينوى .
4- حسين المناصرة – القصة القصيرة جدا رؤى وجماليات – ط1 2015 – عالم الكتب للنشر والتوزيع وقد رفع حجمها الى الثمانين كلمة .
5- نفس المصدر السابق ص26.
6- ص94 نفس المصدر السابق.
7- ص 159 ازهار الحديقة السرية ط12016 المركز الثقافي للطباعة والنشر .
8- جميل حمداوي –لسانيات التركيب في القصة القصية جدا ص 98.
9- ص10 حسين المناصرة ، القصة القصيرة جدا ر ؤى وجماليات.
10- باقر جاسم محمد ازهار الحديقة السرية ص 162- 163.
11- جميل حمداوي – القصة القصيرة جدا المكونات والسمات ((مقاربة ميكرو سردية ص27.
12- شعرية القصة القصيرة جدا لجاسم خلف الياس \ جميل حمداوي – موقع المثقف في 1-8-2011.
13- جميل حمداوي – لسانيات التركيب في القصة القصيرة جدا ص 47.
14- ص81 جميل حمداوي –لسانيات التركيب في القصة القصيرة جدا .

السابق
أنا وزوجتي تفيدة (16)
التالي
الورطة

اترك تعليقاً