القصة القصيرة

الصقر المنتفض

سَعْدُ الْعَسْكَرِي ..ذَلِكَ الصقر المنتفض
ويستأنف حديثه بتنهده تُشبه الزفرة: كنت أمسك بسلاحي وأنادي الرفاق نداء يشبه زئير الاسود، استلقي على صفائح من الصَّخر، أتوسَّد حِذائي، التحفُ معطفي، الوك كسيرة يابسة واشرب ماء غدير، القمر يَنام على صَدري مبتسما، يفتح نوافذه وجَسدي مَشحونٌ بالحِمم، أرتجِفُ حين يبلغ الصَّمتُ مَداه، تهبُّ الريَّاح الشرِّيرة، تنفخُ في المَغارات والأدْغَال، فتحْدثُ أصواتًا مُرعبة تُشبه الخوَار .. مهداة الى جميع المواطنين بمناسبة ستينات الثورة
1- أفرج عن ابتسامةٍ مُسترجعة من عُمق الأيَّام الخوَالِي، تململ منتشيا ، استوى جَالسا على مُتكئ لطيفٍ، اسْند ظهرَه إلى وسَادة وقال: أهلا بكم جَميعا أنتم مني في الأحداق والمجد للشهداء، يرفع المجاهد طوطاح صوته: اسمعك ايها الصمت الحار. آنا رفيق دربك وهؤلاء ابناؤك، يقودنا الشوق اليكم كيما جمعنا الجهاد؛ يلتزم الصمت بعض اللحظات ويجيب: عليهم ان يعرفوا بان الجبال ليست صخورًا صمَّاء كما يتوهم المتوهمون، ولا رمالا مُمتدة، ولا غابات كثيفة، ولا كلمات قاحلة، إنما هيَّ كل ذلك وأكثر من ذلك، انها كتل صخرية تتشهى ان يكون لها اسنان تقطع بها اذرع الظلام ودياجير الظلم والطغيان؛ هي شيءٌ َيشبه الكبرياء، هي أدغالٌ مخيفة لكنها تحتفظ بأسرارها، وأوديَّة سحيقة، وروَابي جميلة، وقمم شماء، وشعَاب ومَسالك وعرة، ومُنعرجات مُتفرقة، ومَتاهات، ومُنخفضات، ومُرتفعات، وأشباحٌ بلا أرواح، وأجسام بلا أحْلام، وذكريات طافحة بالمعاني، وثنايا تخالها كتبا مفتوحة بل هي كذلك، عندما تصعد قممها كأنك مُتسلقٌ، وحين تنزل أوديّتها كأنك مُتزحلقٌ، تحدِّق في الفراغ دُون أن ترى شيْئا أمامك مالم تُمعن النظر حتى تصل مَسعاك، لا تسمع سوى الخوَاءَ، وللجبال كائِناتُها ومُستوطنات وجغرافية وعَالم متميِّز؛ ولا صوت فيها يعلو غير صوت الشهيد، روحه تخترق حجارتها وينافسها في الشموخ.
كنت إبَّان الثورة اجتازُ العتمة التي تفورُ، أتنقل ككائن غير مَرئِي، أقطع انحِدار الدُّروب بقفزَات مُتوثبَة، أتنقل بين أدْغال مَليئة بالمُفاجآت، تستفزِّني الرَّغبات، يجلدني الشَّوْقُ والحنينُ، أتذكر طفولتي، ألعابي، أمِّي وأبي وإخوتي، ارتمي في حجر جدَّتي، أرى أبي مُقبلا يَحمل الهدايا، اشتاق إلى قهوة المساء، أتألم لقلوب نسائنا المحطمة وهن كالثكالى، ينداح البوحُ أكثر؛ وقد ترامى كشطآن جرحه، تجتاحه عبرات فيبكي، يتجاوز النبضات الإضافيَّة لنبضه العادي، يسكت هُنيهات ليسترجعَ أنفاسه، يُجفِّفُ دموعًا انحدرت على خديه، يرفع رأسه منتبها وقد قفزت إلى راسه الذكريات استحضار مذهل للأحداث.

2- ويستأنف حديثه بتنهده تُشبه الزفرة: كنت أمسك بسلاحي وأنادي الرفاق نداء يشبه زئير الاسود، استلقي على صفائح من الصَّخر، أتوسَّد حِذائي، التحفُ معطفي، الوك كسيرة يابسة واشرب ماء غدير، القمر يَنام على صَدري مبتسما، يفتح نوافذه وجَسدي مَشحونٌ بالحِمم، أرتجِفُ حين يبلغ الصَّمتُ مَداه، تهبُّ الريَّاح الشرِّيرة، تنفخُ في المَغارات والأدْغَال، فتحْدثُ أصواتًا مُرعبة تُشبه الخوَار، رَذاذُ المطر ينتشر على الصُّخور فيجعلها ملساء تلمعُ، قطرات الندى ترسم الوان الحياة بأشكال يرتعش لها قلب الشمس، ينبجس الماء من تحت الصخور شلالا، حفيف الأشجار يشبه شقشقة الاقدام، الأوراق الذابلة تُعبث بها الريّاح كما يعبث الاستعمار بعقول العملاء والخونة، حركة الطيُور مرفرفة تخيف الطواغيت وتُرْعبهم، نتعلم منها كيف ندفن اسرارنا ونذيع اخبارنا؟ في الأدْغال تتوالدُ الارواح كالأشباح، تطرد الأحلام فتتوارى خلف التلال، وتبقى متعلقة بصاحبها مكفنة بالضباب، في اللحظات الأخيرة من المساء ألمحُ طائرًا في أعْلى الشجرة يُشاركني وحْدتي وطعامي، طائرٌ آخرَ يريدُ أن يغرِّد، وثالث يَتشابك مع رَابع، هي ذي الحياة صراع وتناحر تتعلم منها كيف تكتشف ذاتك؟ وكيف تصنع لنفسك وجودا؟ في الهجيع الأخير من الليل تتحوَّل الأحْلام إلى أطيَاف بأشكال قزحيَّة، في العتمة تتراكم الصوَّر ويكون للظل الظليل ظلٌّ آخر، تهب نسمات مكتنفة ببعض الاسرار، وتمدنا المياء بأصوات جديدة؛ الطائرات ترشقنا بوابل من الرصاص، تضيئ المكان، انهم قادمون، عيوننا مشرعة مصوبة نحوهم، نعد لهم العدة ونتهيأ للمنازلة، تشرق الشمس، تميدُ بوشاح مُبْهج مُمتد على الصخور يُصَافحها، يَهتز قلب الأرض من خطواتنا، مُنتفضين دوماً نحن كالصُّقور، الصبح تنادينا أفرادًا وجَماعات، يذكرنا القائد بأسمَائنا، لم يقل عَنِّي أنِّي شهيدٌ وقد خرجت بالأمس من المعركة منتصرا، أو أنِّي مَفقود وقد حوصرت قبل أمس، أو معطوب وقد اطلقوا علي وابلا من الرصاص والحمد لله لم اصب، حلمي صار مُجَرَّد وَعْدٍ، سنرغم أنوف الأعْداء والخَائنين، كلمات لعلعلت جَهِيرَة، رَان الصمت إلا من هَمْهَمَات الْجُند، انفجرت الحناجر تردِّد {من جبالنا طلع صوت الأحرار ينادينا. فأسمعوا لهذا الصوت ياعباد..}.

3- الحاكمية كتيبة تحمل سرجا متوهجة يخشاها عنكبوت الظلام ، في دروب “الكاف لخضر” حاضن الثوار يلتئم الشمل، نبحث عن نهار صاخب شديد التنوع، وفي غبش هذا اليوم الجمعة، التاريخ 8-8-1958 الساعة الرابعة صباحا. المكان اولاد سيدي امحمد، النهار يتقدم وفيه سنروي الظمأ؛ الطائرات الاستكشافية ماتزال تحلق، تلقي بالأضواء على المكان، عساكر العدو قوافل تزحف، دبابات تثير النقع وعتاد ثقيل، المشاة كالجراد المنتشر، الارض اسفل التلال منبسطة، نرى العساكر فيها راي العين وهم لا يرون؛ على جسر “ليهودي” ترابط مجموعة من الصاعقة جنود بواسل، ما زالت تعليمات القائد ترنُّ في أّذني والسبابة على الزناد: يا رفاق.. العدو يطلبنا، هيا ننطلق على بركة الله، لنركبَ الهَوْل ناراً على الغَاصبين، اسراب الطائرات تُحَلق بكثافة، تزَحْفُ الدبابات والمدرعات وتتموقع، يتواصلٌ القصف بالراجمات، فَجْأة تهتزُّ الجبال من تَحت الأقْدَام، الدُّخان يَتصاعَدُ اعمدة سوداء تعانق السحب، أصواتٌ ترتفع.. الله اكبر تردِّد الجبال صداها، الطائراتُ تقذفُ بحممها نارًا ذاتَ لهب، جُنودنا صامِدون، الخوف صار صديقنا، ازيز الرصاص مرعب كالهول ينثال وكأنه في هدنة مع اجسادنا، عساكر العدو يتساقطون كالذباب، النار تعبث بملابسي، يا للهول قبعتي يخترقها الرصاص فتتطاير اشلاء، يتواصل القصفُ الوحشي كالصواعق النازلة على الرؤوس، يثبت المُجاهدون كالجبال الرواسي، تستمر المعركة حاميَّة الوطيس إلى الليل، ثلاثة طائرات تصاب بعطب، نسقط طائرة رابعة، بَرَامِيل المتفجرات والمواد الكيميائية تنزلُ بشكل مفزع ووحشية لامثيل لها، حرائق تشتعل رهيبة حمراء كاللجين، غازات سامة تزكم الانوف، صخور تتفتت.. أخرى تتفجر كالبركان، حجارة متدحرجة يتراجعُ العدوُّ يجر أذيال الهزيمة، إصابات مُفجعة في صُفوفهم، يَخرج جُنود الرَّحمن من مَخابئهم المُحصنة مُنتفضون كالصقور، يضمدون الجراح ويتفقدون من سقط في ساحة الوغى ويغنمون، اتلوى من الحزن واللحظات مخضبة بالألم، اجلس على صخرة بعد ان ودِّعت ثلاثة وعشرين شهيدا إلى مراقدهم، في هدأة الليل وانا اغادر ساحة المعركة تناهى الى سمعي أنين ألم وآهات استغاثة.. فزعت ابحث بين الاشجار، لمحت مصابا عالقا بين الصخور، اراد ان يتكلم فما استطاع، اقتربت منه، من انت ؟ قال مستعطفا وعلى شفتيه يتدلى الجواب: يا سعد. أرجوك اسعفني، اني أوشك على الموت، انحنيت عليه مقبلا، عرفته.. سحبته من كتفيه، اسندت صدري الى صدره، يا الهي. ساقه مبتورة، سمعت ضرب الاقدام فامتشقت سلاحي وانتبذت مكانا، جاء المسعفون فأخذوه على عجل إلى مشفى الجيش، بقيت مع المسبلين، ننتظر من النجوم ان تفصح، قلت والكلمات نائمة في الجرح: المجد يحتاج الى ثمن.. ومن اجلك الوطن سالت الدماء غزيرة، وبترت الاعضاء، وتفحمت الاجساد.. إيه.. ليس كالبكاء مطهرا لأحزاننا.. دعني ابكي فلقد نكأت جرحا عميقا وجعلت الصور تتدفق علي ماثلة رهيبة، المجد والخلود للشهداء، والعزة والكرامة للوطن. فجأة.. اهتز منتفضا كالصقر والكلمات تنداح متوهجة شوقا تمور بالمشاعر الفوارة وتحفر على وجع الأيام اخدودا .. يا أبنائي.. الكلمات عن الثورة لا تنتهي.. قالها بصوت مسموع واجهش بالبكاء.. قلت: يا سعد اسمعك.. ايها الصمت الحار. الرجال نوعان:
“رجال خلقوا لحروب وآخرون لقصعة من ثريد”.

السابق
قرحة العيد
التالي
جنون فوق العادة

اترك تعليقاً