مقالات

الصورة خنق للبياض، أم خنق للنص؟

الصورة مشهد من المشاهد تأثير كبير على نفس الكاتب، إذ يعجب بها، فيحاول شرح إشارات ورموز نصه من خلال نقل هذه الصورة للمتلقي، التي لا يتوانى في إرفاق نصه بها، وفي نيته أنها ستساهم في تقريب مضامين نصه من هذا المتلقي، أو أنها تؤثر في نفسه تأثيرا كبيرا فيقبل على التهام النص، وقد تختلف هذه الصورة من حيث الجودة والدلالة حسب الذائقة الفنية لناشرها٠
نلاحظ هذا، ونحن نتصفح المنشورات بمختلف مضامينها، ومشارب ناشريها، على الحائط العام لعالمنا الأزرق، أو الخاص بمنتديات أو مجموعات أدبية مختلفة٠
وقد يطالعنا هذا الكم الهائل من غث وسمين الصور، فتثير انتباهنا وتشدنا إليها، فتصرفنا عن الاهتمام بالنص المنشور، وقد تكون هذه الصورلوحات رائعة كاملة الإبداع، فنطيل الوقوف أمامها مشدوهين من كثرة إعجابنا بها، نتأملها، نتملى بجمالها، ثم يزداد تعطشنا لمشاهدة المزيد من هذه الصور ، التي ترفق بها نصوص أخرى، فيتحول البحث عن إشباع نهمنا من المكتوب إلى المرسوم، وبلا شعور، نغفل النص الذي من أجله اختيرت الصورة، لا أقول بأن هذا غباء من الكاتب، وإنما اختيار خاطئ لشد انتباه القارئ٠ وتكمن الخطورة في ذلك أننا أصبحنا نعيش زمن قراءة العناوين، وفي أحسن الأحوال قراءة بداية النص ونهايته، لهذا تكفينا الصورة صداع الرأس في تفكيك وتحليل وتفسير وتأويل النص المستهدف٠ تشدنا الصورة، فننشغل بها عن كل ما هو مكتوب مهما كانت روعة إبداعه، سواء كان نصا متعلقا بخبر من الأخبار، أو قصة من القصص، أو قصيدة شعرية٠ ولا أقصد هنا القارئ الذي يحمل هم الكتابة والإبداع٠ أعتقد أن الإعراض عن قراءة النص، والتمسك بالصورة، راجع لكون العين تعلق بها، وهي تزهو في ألوانها القزحية، أكثر ما تعلق بسواد السطور، فتخبو الرغبة في كشف أسرار سواد الكتابة، لأننا أصبحنا خاضعين لسلطة الصورة التي تكاد تزيح النص من عرشه في مملكة القراء٠
ما يثير الاهتمام هو أن بعض من ينشر إبداعاته على أعمدة الفيس، يعلنها حربا ضروسا على البياض، إذ لا يهمه كيف ستكون النتائج أو الخسائر، ولا كيف سيستقبل هذا المتلقي منشوراته، خصوصا إذا فشل في اختيار الصورة المناسبة التي تكون لها علاقة بمحتوى النص، وهو يحاول جاهدا جذب انتباه المتلقي، ناسيا أو متناسيا أن الصورة لها قوتها اللغوية والإبداعية، باعتبارها وسيلة تواصلية لا تقل أهمية عن الكتابة، فما يهمه هو عدم ترك أي متنفس للبياض في المنشور، فيغطي بياض منشوره بصور قد لا ترقى إلى مستوى ذوق المتلقي، كأن تكون – في بعض الأحيان- مثيرة للمشاعر، سواء كان ذلك في نص سردي أو شعري، وهناك من يتعمد توظيفها أيروتيكية، وفي اعتقاده الخاطئ، انها ستأسر انتباه المتصفح ليقبل على قراءة نصه، وهذا التحايل على المتلقي من خلال توظيف الصور المستفزة لذوقه، قد تكون لها نتائج عكسية، فيعزف عن قراءة النص، لأن صاحبه، و دون أن يعي خطورة تأثير الصورة على متلقيه، يحجب عنه إبداعه، لأنه يشبع تطفله المعرفي من خلال انشغاله بالصورة، فيبحر باحثا عن صور أخرى أكثر إثارة، وتأثيرا في نفسه٠
فتوظيف الصورة – أثناء النشر- من الأخطاء التي يقع فيها الكاتب عن غير قصد، لأنه يمد قارئه بما سيغنيه عن تعب التفكير في قراءة نصك، كذلك المتبضع الذي يطلب معرفة أثمنة جميع المنتوجات المعروضة، لكنه لا يشتري منها شيئا٠ فالصورة- في بعض الأحيان- توحي للمتلقي بمحتويات النص، فتقتل في نفسه الرغبة في القراءة، ما دامت هذه الصورة صرحت له بما يستتر وراء السطور٠ فعلى الناشر/ الكاتب – في اعتقادي – أن يحدد موقفه مما ينشر، فإذا كان يدرك حق الإدراك أنه ينشر إبداع غيره، فعليه أن يتقبل نتيجة إعراض وعزوف المتلقي عن قراءة نصه، لأنه يكون أشبع فضوله قبل أن يلج إلى محتويات النص، وإذا كان ينشر مكتوبا على مستوى اللغة المنطوقة، فعليه أن لا يشتت انتباه المتلقي بين لغتين: لغة الإشارة أو الصورة، واللغة المنطوقة والمكتوبة، لأن ذهن المتلقي سينساق حتما إلى إحدى اللغتين، وسيرجح كفة الأسهل لا محالة، فلا بد أن تحل إحداهما محل الأخرى٠
فأنت -عزيزي الناشر/ الكاتب – تريد أن تشد إلى منشورك انتباه المتلقي بجميع الطرق، فتعرض عليه ما تريد تبليغه بلغتين مختلفتين في آن واحد: لغة الصورة، ولغة الحرف، دون وعي منك أن العقل البشري لا يمكنه – بأي حال من الأحوال – أن يقبل اللغتين معا لهدف واحد، فربما لهذا السبب نجد أن الإشهار مثلا يكتفي بالصورة دون التعليق، أوالتعليق على المادة دون الصورة، ولا يجمع بينهما إلا في حالات نادرة٠ افترض أنك تشاهد شريطا سنيمائيا مدبلجا بغير لغتك الأم، فإن انتباهك سيتشتت في قراءة السطور أسفله، فتضيع مشاهد الشريط على مستوى الصورة، أو تضيع السطور فتقبل على المشاهد التي لاتفهم لغتها أصلا٠ فنشرنصوصك مرفوقة بالصورة تبرهن – بشكل أو بآخر-على أنك فاقد ثقتك في المتلقي، وفي مدى قدراته على فك شفرات ورموز ما خط قلمك، فتحاول تقريبه من محتويات نصك من خلال هذه الصورة٠ ودون أن تشعر، تعود به إلى الصفوف الأولى في المدرسة، عندما كان لا يقرأ نصا إلا مرفوقا بصور تشرح وتفسر له محتوياته، لكن لا عيب في هذا، لأنه يستقيم مع مستوى عمر هذا المتلقي الصغير الذي تؤثر عليه الصورة تأثيرا كبيرا عليه، فينجذب للقراءة٠ لكن تلك فترة، وهذه فترة، وشتان الفرق بين الفترتين٠
لا تشغل ذهن قارئك بالصورة مهما كانت قيمتها الفنية٠ اتركه يغوص في ما وراء سطورك، لأنه لا يحتاج منك إلى توضيح، وبطريقته الخاصة، وحسب قدراته المعرفية سيفهمها، وسيتفاعل معها سلبا أو إيجابا، ولا تجعل منه متلقيا سلبيا، يقبل على الانتشاء بإبداع ليس لك فيه يد، لأنك ستتحول من مبدع إلى موصل رسائل، ما دامت هذه الصور من إبداع الآخرين٠
أحترم كل تلك المنتديات الأدبية التي تمنع نشر النصوص مرفوقة بصور فاضحة محتوياتها، ولا أعتقد أن هذا راجع إلى رغبتها في اقتصاد البياض، وإنما وعيا منها بمدى خطورة تأثير الصورة على انتباه القاريء، والتي تكون سببا في إحجامه عن القراءة٠ فالنص الجميل كالمرأة الجميلة لاتحتاج إلى مواد التجميل، والقبيحة تبقى قبيحة، حتى لو غاصت في بحر من العطور أوالعقاقير التجميلية٠
لهذا أقول -أخي الناشر- لقد تجاوزنا مرحلة شرح القصة بالصورة، فلكل فترة رجالها، فقد تأسرني الصورة، فأعلق عليها تعليقا يليق بقيمتها الفنية، لا أن أشرح من خلالها نصي، فلا يجب أن يشكل لنا البياض عقدة، فنعمل جاهدين على خنقه بصور ليست لنا٠ فهناك مثلا من يقلقه البياض، لأنه كتب ومضة شعرية لا تتجاوز ثلاثة أسطر، فيخنقها البياض، فلا يجد بدا من أن يحجبه بصورة رومانسية، وكثيرا ما تكون هذه الصورة لا علاقة بمحتوى النص، فتوظف من باب تزيين المنشور أو لإثارة الانتباه٠
ونحن ننشر إبداعاتنا، علينا أن نفصل بين اللغتين: لغة الصورة، واللغة المقروءة والمكتوبة، فكلاهما توصلان المعنى الذي تريده إلى المتلقي، لكن لا تجمعها في منشور واحد، فلكل مقام مقال، ولكل مقال مقام، والصورة لها مكانها ومكانتها، والنص المكتوب له مكانه ومكانته، فلا تغلب هذه على ذاك.

السابق
ثلاثُ نَتائج لِحُلمٍ واحدٍ
التالي
أقدار

اترك تعليقاً