القصة القصيرة

الطّريق

  • كيف أبدأ؟ !..
    وتجلّى الفراغ، لم يكن ثمة أحد غيره، التبس عليه الأمر.. بدا وكأنه مشدود الرّوح إلى قوة مجهولة سحرية لا يدري كيف سيتخلص منها، وأرهف السمع لأصوات بدائية لم يتبيّن مصدرها، وبخطوات ثقيلة يائسة راح يقطع الطريق، وهو يدرك أنّ لا هدف له فلا شيء ينتظره، ولا مكان يذهب إليه..
    سكنته الهواجس، واشتعل التيه في عينيه المملوءتين بالعطش، وقال فيما قاله لنفسه:
  • عليّ أن انتصر ..
    وهو لم يبدأ بعد، ولا يفهم لِمَ جاء إلى هنا؟.. ولا كيف انتهى إلى هذه النهاية التي يطلب فيها وجه بدايته؟.. فقد كان في الهزيع الأخير من الليل.. حيث تلتحف البيوت والطرقات والأشجار بالسكون القاتل، وحيث يستسلم كل شيء إلى هذا العمى الحائر، وهو يفتّش بلا جدوى عن أيّة خطوة تقوده للنور، ليفهم، وليعي، وليعرف…
    وعليه أن يبدأ.. فلا أهمية لشكل البداية مادامت ستخرجه مما هو فيه، وعليه كي يفعل ذلك أن يتذكر تاريخه الطويل الحافل، وأن يمد بين لحظته تلك وماضيه جسرًا من التداعيات، والأسئلة، والتأملات، والبكاء، والضحك، والحنين، والأسفار، وفي خلال ذلك كله.. لا يجب أن تغنيه حادثة عن أخرى، أو يشغله وقت عن آخر، أو ينتصر للحظة ضحك على حساب لحظة بكاء.. عليه أن يتعامل بمقياس العدل الصافي، وأن تكون المساواة هي الرّوح التي يحتكم بها ولها، وشعر بحجم الحمل، وثقل المهمّة، وعظمة المسؤولية، فتسرّبت إلى حلقه هذه المرارة التي لم يجرّبها قبل اليوم واندلعت في عينيه الصغيرتين حرائق الرّعب التي يتذوقها لأول مرة، وتساءل بيأس قاتل:
  • كيف تنطوي البداية على كل هذا الجنون؟ !…
    لا نقطة محددة واضحة جلية يبدأ منها، فهو لا يعرف عن الميلاد أكثر مما تعرفه العامة، وحتى لو عرف فإن ذلك لن يضيف للتجربة معنى، ولن يكسبه أدنى فهم لما هو فيه، ومنه فقد أقنع روحه بهباء تلك البداية، فهو يخسر فهمها، وهي لا تعنيه بضبابيتها في هذا التاريخ الطويل، وحسبه أن يكون قد تنبّه لها، ووضعها موضع الوعي فلم تثمر، ولم تزد على كونها نقطة وجود…
    ووجد نفسه يتعثّر بالطريق المظلمة الفارغة، كما يتعثّر بشحّ الذكريات والحوادث المقفرة، لا أمل يستهدي بضوئه القلب وسط سراب الليل وصحراء الأماني، وعليه أن يجهد النفس في استنطاق أيّة حادثة تخطر بالبال، أو خاطر يمر ولو بطريق الصدفة..
    ومن خيبته تلك، طفق يتساءل عن ما انتهى به إلى هنا، ووضعه في هذه التجربة الغريبة المحيّرة، ورأى من الحكمة أن يتصرّف ببراءة مطلقة لعله يفهم من خلال البساطة وجه الحقّ، ويدرك أسرار المعنى، وينفذ ببصيرته إلى أتون المعرفة الصافية النقية، وتمثّل نفسه بعمر الطفولة، وفرد أجنحة خياله في فضاء اللهو الفسيح، ورأى رؤية العين هذه البرّية المفتوحة على الآفاق، وسمع للرّبيع همسًا لا يخطئه القلب ولا العين… الخضرة والينابيع، وطريق النحل.. طيور الدّوري في شقشقتها وطيرانها الأفقي السريع… أسراب السنونو حين تحلّق في ارتفاعات لا متناهية ثم ترتد كالسّهام في اندفاعات عمودية ثانيةً أجنحتها، مناورة بحركاتها السريعة المتداخلة المذهلة… الصيف باشتعاله الكامل وشمسه الحارقة… زمهرير الشتاءات الطويلة والمطر يهمي موشوشًا بلغة بكائية حزينة… ثم صوت المعلّم وقد قطع حبل اللهو بسكّين الجدّ…
    كأنه بدأ يتعلّم واستكان إلى حياة أكثر تنظيمًا، فمل التّجربة بكل ما فيها من ضغط وإرهاق، واختلف إلى تجارب الحياة في سعي حثيث.. فجرّب العمل والحبّ، وذاق مرارة الفشل، وعانى ويلات الفقر، ومسّته اللذة بيدها الحانية، وأقبل على الزواج كما تقبل الأنعام عليه في مواسم تزاوجها، وذابت أحزانه فيما يتقاطع معها من أفراح، وعرف سحر الأبوّة اللافت، وشرب جرح الموت وعاناه، وهكذا فقد تواترت روحه بين سواد العتمة وبياض النور.. كل ذلك حدث…
    حدث بسرعة الكهرباء أو الضوء أو الصوت، أو ربما في زمن يفلت من قدرة القياس فلا يمنحه معنى لبداية واضحة المعالم، بيّنة الأحداث، جلية التفاصيل، فانفجر متسائلا:
  • كيف أبدأ؟ !…
    وبدت الحياة على طول ما عاشه، مجرّد نقطة واحدة يتجمّع فيها كل صخب وضجيج الرحلة، لمحة واحدة تغني الرائي عن آلاف الحوادث وملايين الصور، وقال لنفسه بهمس لم يسمعه سواه:
  • ما الذي يراه ويسمعه من يُقبِلُ على الموت؟.. من يتجلّى له الموت بوجه كامل في مباغتة تُسْقِطُ من يد المُبَاغَتِ فكرة الاستعداد وفلسفة الوقت وأماني الاحتمال … لو…. كيف نتواجه مع الموت مثلا؟.. أيّنا يتحرّش بالآخر، وأيّنا يبدي خوفه وندمه وخسرانه؟.. وأيّ الصور التي ستندفع كشلال لمقدمة الوعي؟.. وهل سنلقى لها إجابات قبل أن يعمّ الظلام هنا، وينبلج النور هناك؟ !…
    لستُ أدري…..
    ولطمت وجهه نسمة حرّية وهو يجاهد الظّلام في سيره، فتنهد قائلا:
  • ما أقصر الطّريق التي لا تنتهي…
    واشتعل إيمانه بأنّ لا بداية له، لا شيء يدل على البدء، ولا قدرة له على وضع يد العقل على ما يمكن أن يكون ضوءًا حقيقيًا كان قد انطلق منه، وفي غمار السير والتأمل عزا غياب النهايات إلى عللها، فهو لا يبدأ ولا ينتهي…
    ولكن الموت صدمه بقوة وجود جديدة، ووضعه في حالة وعيه الكامل، وعليه أن يعاود التفكير، ويقاوم احتمالات الخطأ داخل فهمه، وأن ينظر إلى هذا التقسيم الذكي بين وجهيّ الحياة والموت فلربما عرف من جدلهما شكل البداية واطمأن قلبه لما هو فيه…
    وتجلّى له الامتلاء بفيض يعرّفه إلى تلك القوة الكامنة في روحه، والتي ستعرّفه بدورها إلى ما يتحكّم فيها. وانقض كحدأة جارحة على الليل وعلى الطريق، تخلّص من عثراته وطفق يمشي بسرعة، أو خيّل له أنها سرعته، اجتهد أن يحدّد معالم الطريق بهذه الشجرة النابتة في أقصى يمينه، وتراوح سيره في تعثّر وبطء شديدين، وسرعة وهرولة، وحرص على أن لا يعترض سبيله أحد، أو تتمكن من رؤيته عين. كان يريد أن يكون بكامل الوحدة المرجوة، وقال في نفسه.. إنّ ذلك سيساعده على فهم أنضج، وستزيده الشجرة التي حدّد بها معالم سيره بعض من يقين، وسيستدل عليها وبها بأوراقها الخضراء، وبخلوّها من أية ثمرة… ولكنه سرعان ما ينسى ليعود إلى هذا التاريخ البعيد الحافل بألوان الحياة، المصطخب بموج الحركة الهادرة، ويواصل سيره الذي لا ينتهي، وتعود الشجرة من جديد معترضة طريقه فتذكّره به وبها، ويلوح له ثمرها الفضّي تحت شعاع لا يدري مصدره، فيأكل ويواصل رحلته ضاحكًا متسائلاً:
  • من يجبرني؟ !…
    ولا يعرف لأسئلته إلاّ الصّدى فيستمر، والشجرة تتغيّر تحت ظرف ما لا يكاد يحسّه، ولكنه يراها شجرة أخرى قد طارت عنها أوراقها، وهجرها ثمرها، وأشعل هيكلها هذا الحزن القميء، والفراغ العاري…
  • هذه شجرة أخرى… لربما ضيّعتُ طريقي فعلا….
    كانت الطّريق قد انحرفت به قليلا عن هدفه الذي لم يعرفه بعد، بدا كأن غبش الليل بدأ يتوالد… تسلّلت نسمات باردة فلفحت وجهه…كأنّ الشجرة واحدة.. واكتشف تحت شحّ هذا الضوء الصباحي أنه كان يدور في طريق مقفلة، وهاهو خطأه ينجيه من ذلك الروتين الأعمى، والتكرار الممل…
    انحرف بضع سنتيمترات، ثم استمر في سيره، فيما راح الضوء يزيد في إشعاعه فيكشف له شكل المكان على حقيقته، واستدار خلفه ليتأكد… نعم كانت طريقه دائرية مقفلة.. تنبت عليها شجرة واحدة، بدت له بكمال يتمها.. لا أوراق ولا ثمار، هيكل شاحب خليق بأن تكسره الرّيح في أول هبوب، وعاد ينظر للأمام فبلغه سطوع الضوء بحدّة بياضه وسمع أصوات بكاء قريبة منه، ورأى بعض الرجال وهم يتدافعون نحوه، وفكّر في الهروب، لكنه أدرك أنّ احتمال نجاته ضئيل جدًا، فاستسلم لأيديهم ببعض المقاومة اليائسة وكل العجز الذي لحقه، ثم سمع من جديد تداخل بكاء بتضرعات بخشخشة أرجل، وغشيه ضوء لم يره في حياته قط.. فاستسلم لنومه.

هامش لا علاقة له بالنص
* من أين لنا أن نعرف كيف بدأ؟ !

السابق
فجر الاغتصاب
التالي
اصطياف

اترك تعليقاً