القصة القصيرة جدا

الظّلام

مسّ الأرض بعصاه، فارتد الإحساس إلى يده ثم إلى وجهه.. امتعض وبدا كأن أسئلة كثيرة قد علقت بعينيه المطفأتين ..
– تفوووه أولاد كلب …
بصق في الرّيح، والأصوات جاءته مثقلة بحرارة الحياة… صخب الباعة، وأبواق السيارات، ودقات الأقدام، وكلمات متقطّعة متداخلة منفعلة. لا أحد يأبه، ولا من يسأل، والأرض بعجزها تحت لمسة عصاه، وبإحساسها حدّد موقفه ودرس موقعه وعرف …
هو الآن على الرّصيف، والطريق مستلقية أمامه… هو لا يعرف شكلها ولا طولها ولا لونها، هو فقط يعرف أنها مجالا مفتوحًا يمكِّنه من العبور ومن الوصول، والطّريق لا تقول له أكثر من أنّها عامرة بالحياة، مملوءة بالسيارات، وبالناس، وبالأصوات…
ورفع عصاه قليلا عن وجه الأرض، فتح بين نهايتها المكوّرة والأرض فرجة، وحرّكها في الهواء، وبدا له حينها إحساس بالفراغ، وتسرّب إليه صوت مباغت:
– اعبرْ…
وأهمل الصوت، وأهمل صاحبه وبقي، أعاد عصاه إلى الأرض مسّها بكل روية، ثم دفعها قليلا إلى الأمام فتعثّرت … عقبة ما … وارتد إلى يده ثم إلى قلبه، كأنه الشك … وفي عينيه اليقين ولكنه بلا بصر …
تشكّل طابورًا من السيارات، وعلا صوت أبواقها، وأكثر من سائق مدّ رأسه من وراء زجاج نافذة سيارته:
– امشِ …
ولعنات، وسباب، وضوضاء، وتدمّر:
– الله يلعنك يا أخي هو أصلا مش ماشي …
وقرقع قفل باب سيارة، وتشنّجت أعصاب، وضاقت صدور، ولمعت أعينٌ، وتفصدت جباه بالعرق والقلق…
– اصبر شوية .. ما تقدرش تصبر؟!…
وكبر الطابور، وكبرت معه أبواق السيارات، وعلا الصراخ وصافرات الإنذار وتجمهر الناس، بدأوا قلّة ثم راحوا يتزايدون، ولا بد أن تفد الشرطة… صوت زجاج يتهشّم… لكمات … ركلات… ووقوع أجساد على الأرض… رائحة دم ساخن وأقوال فاحشة تتطاير في سماء السمع كالشرر.
وهو لا يرى، فتتعثر باقي حواسه للمعرفة.

غير بعيد تثقل الأصوات، يُشحَنُ الجو بنار التوتر…
– يا بن الكلب… ما تقدرش تصبر؟…
لا شيء غير الظلام والأصوات والروائح، وعصاي تتحسّس الأرض من جديد، ليس بالإمكان أن أدرك أنّ الطريق سالكة أمامي، أحاول جاهدًا أن أرى الأصوات والروائح المتداخلة، أحاول أن أعزلها من الظلمة وأشكّل منها ما يمكن لي أن أراه، أحرّك العصا من جديد، تمسّ الهواء، تمسّ الفراغ الكامل بعد أن رفعتها عن وجه الأرض، وحين أدفعها قليلا إلى الأمام أتلمّس بقلبي ذات العائق… لا أعرف.. لا أعرف إن كان حجرًا، يبدو قاسيًا صلبًا، يبدو لي ذلك من قرع نهاية العصا به… أقرعه من جديد لأتبيّن وجه الحقيقة فيه، وهو لا يقول أكثر من كونه عائقًا، شيئًا ما.. مادة ما.. صلبة.. قاسية.. هادئة.. نائمة في طريقي…
فليكن حجرًا إذن…

وتقلّصت عضلات وجهه، وارتفع حاجبه الأيسر قليلا وقطّب جبينه كأنما يلتقطُ الأصوات بجفنيه، وشدّت يده المعروقة الخشنة على العصا، فوّضها كل سلطته، جعلها بصره الحاد وسمعه المرهف، وحرّك يده اليسرى في الهواء، دفعها ككشّاف نور في عتمة العدم..
لم يكن ثمة شيئا…
لا خوف…
فالجلبة واقعة في مساحة تضمن أمنه، وهي بعيدة عنه بما يلهمه السمع والشم ويحفظ له وقوفه من غير أذى..
وزاد اللغط، وتناوبت أبواق السيارات في نواح طويل، وهدرت المحركات بلا رحمة، ولم تنته المعركة بعد، لم تخبو نارها ولا كفّت اللعنات والشتائم، وهو كأنما كان يتفرج على كلّ شيء، بعينين مطفأتين يرى، ويحدّق، ويتابع كل ما يجري حوله، ولم يفكر في أن يتقدّم مكملاً طريقه، ولا أن يعود أدراجه، ولا أن يتزحزح، وقف بشموخ التماثيل.. الكاشبوسيار الرمادي الطويل، وسروال القطيفة البني المثني عند أسفل ساقيه، والحذاء الرث الباهت المغبّر، وقلقه المشتعل، وخسارات الضوء، وحصار العتمة، والعصا، وفحيح روحه الذي يخرج كلمات تبدّت في جلبة الضجيج كالهمس:
– الله يلعنكم واش صار؟!…

ولم يجبني أحد، لم ألتقط صوتًا يفيد روحي أو يضعني في قلب حقيقة ما يجري، وحدي كنتُ أتعثّر في ظلمتي وأرزح في انكساري الكامل، تصلني الأصوات، تشتعل صافرات إنذار… جائعة تعوي، عدوى السباب التي راحت تفرّخ وتعلو، رائحة دماء ساخنة.. هذا اليقين، هذا الذي يحدث، لكن الذي لا أعرفه هو كيف حدث ولماذا؟.. ولِمَ لم تخلو الطريق؟.. وكيف دبّ الجدب حولي؟.. لا يدًا تتطوّع فتُحْكِمُ قبضتها في حنو حول زندي.. لا يدًا أتأبطها فأنجو بها من سكوني.. العصا لا ترى إلاّ بمقدار، ولا تهمس بما رأت إلاّ بمقدار، وهي تكذب عليّ كثيرًا، لا تعطيني اليقين الكامل، ولا تحدّد لي الأحجام والقياسات والألوان والظلال…
كان عدمًا وفقط…
وكانت الأصوات بكل فيضها وجنونها وتوّترها وسبابها ولعناتها، لكن لا أحد يوجه لي كلمةً…

الحق أنه نُسِيَ، في الجلبة لم يره أحد، غشاوة ما لاحت على أعنيهم.. إن كل ما يحدثُ بسببه هو، السيارات وهدير المحركات، والأبواق الملعلعة، وصافرات إنذار الشرطة، والركلات واللّعنات والدماء الساخنة، والأعصاب المشحونة… كل هذا بسببه، هو الذي توقف كي يعبر الطريق، ومد عصاه باحثا عن أمله، والعصا واجهتها عقبة لم يتبيّنها، بدت له حجرًا أو شيئا بقسوة الحجر، وهو انتظر ليتوقف أحدهم ويُفْسِحُ له طريقًا سالكة للمرور، وجاء ابن الحلال وتوقف، وقال له بصوت مباغت:
– اعبرْ…
وهو لم يفعل لأن عقبة كأداء في طريقه، ومنه فقد أهمل الصوت، وأهمل صاحبه، وبقي، ومع الوقت نُسِيَ… اشتعلت الحياة فألهتهم عنه، وراحت غشاوة تكبر حولهم، وبدا كأن العمى دبّ فجأة في أعينهم، يراهم هو الأعمى ولا يرونه هم المبصرون، انشغلوا بما حدث وذابوا في فوضى عراكهم وسبابهم وهدير محركاتهم، غرقوا في تفاصيلهم الفرعية الصغيرة، رأوا تفاهات نتائجهم واختلفوا عليها، وسالت دماؤهم وتهشّم زجاج سياراتهم وعوت صافرات إنذار وراحت تقترب…
جاءت الشرطة أخيرًا…
جاءت لتحتوي الوضع، وتنظّم حركة المرور وتُفَرِّقَ تجمهر الناس..

وتفرّق الناس، راحت حدّة الأصوات تخفتُ، ولا أزال واقفًا على الرّصيف، ولا تزال عصاي في يدي وبلغني صوتٌ قريبٌ:
– هات الوثائق…
لا أحد رأى ما حدث، كل شيء مر بسرعة رهيبة، عراك وتهشّم زجاج وركلات ودماء، شممتُ كل ذلك لكن لا أحد رآه، واجتهد رجال الشرطة في فهم الحادثة، وحاولوا بما لديهم من خبرة ومراس أن يصلوا إلى تحديد الجاني والضحية، غير أنّ الواقع بدا وكأنّه يصوّر لهم أن الكلّ ضحية، تفحّصوا السيارات والأرض وجراح الأجساد وكدماتها، وسألوا واستفسروا، وأكثر من صوت سمعته يقول لهم:
– لا أعرف…
وأكثر من عين رأيتها تقول لهم:
– لم أر شيئا…

مسّ أرض المحافظة الأمنية بعصاه، فارتد الإحساس إلى يده ثم إلى وجهه.. امتعض وبدا كأن أجوبة كثيرة قد علقت بعينيه المطفأتين…
وسار في الرواق الطويل متأبطًا يد الضابط إلى حيث مكتبه، وجلس معتمدًا على عين عصاه، ثم سمع خشخشة الورق وصوت الآلة الكاتبة والسؤال المباغت:
– ماذا رأيت؟..
تقلّصت عضلات وجهه المغضن، وارتفع حاجبه الأيسر قليلا، وقطّب جبينه كأنّما التقط صوت الضابط بجفنيه ووجهه، ونبس:
– رأيتُ الظلام …

السابق
زحام
التالي
ثمة شخص آخر يتألم

اترك تعليقاً