القصة القصيرة

العصفور .. لا يخرج للسوق

كان يقف على رجل واحدة .. فوق جذع شجرة توت عتيقة .. الشجرة يسرى بداخلها سائل الحياة .. رغم مظهرها الخارجى الذى ينم عن الممات البعيد ، أوراقها شبه نافرة عن فروعها التى لم تنبت بعد .. فالوقت كان وقت شتاء و صقيع ..
العصفور أفراخه فى العش تتضور جوعًا ، و هو ينتظر اللحظة السانحة ليهبط للحقل الرابضة فوق رأسه الشجرة شبه الميتة ..
الحقل عامر بأعواد القمح الندية ..
كلما هم العصفور ناحية الحقل ليلتقط بعض الحبوب الطرية التى تصلح لأمعاء أفراخه ..
تصرخ فى وجهه جلبة (الكيزان) الصفيح الصاخبة المعلقة فوق شماريخ غائرة بباطن الأرض على محيط حدوده .. و المربوطة و المتصلة ببعضها البعض من خلال خيط رفيع من (الدوبارة) بيد حارس قابع فى (خص) على رأس الأرض قلبه غليظ مثل حراس القصور الرئاسية بكل البلدان العربية .

العصفور استنفذ كل الحـيل القديمة لالتقاط بعض الحبيبات الطرية لسد رمق أفراخه ، و لا ملامة على الحراس .. فهذه طبيعتهم و عملهم المفروض عليهم ..
بالرغم من أن السادة الحكام هناك داخل القصور و الفيلات الفاخرة حددوا سعر توريد طن القمح من الفلاحين بثمن بخس ليدعموا زراع البلدان الخارجية ، و لتنتفخ جيوب السادة متعهدي الاستيراد و الوسطاء و السماسرة أربابهم ، و امتلاء خزائنهم بأموال الجمارك و العمولة و فرق العملة المغسولة فى بحار السلاح و المخدرات .
فى حين أن العصفور و أفراخه قريبون من حياة العسرة و على حافة الهلاك ، و رحيق الأكمة فى هذا الوقت من السنة لا يكفى لسد البطون الجائعة .
كما أن السنابل لم تكتمل فيها أثار النعمة بعد ، و مناقير الأفراخ لا تقوى على نـقـر بقايا الحبوب المتيبسة من كثرة بول الذئاب المنتشرة حول الصوامع المغلقة بألف باب و باب ، و الطيور الحوامة ترقب سقوط فرخ من أفراخه بمفرده .
فى وقفة العصفور الطويلة على جذع شجرة التوت شبه الميتة يتحين الفرصة للانقضاض على سنبلة قريبة من وقفته .. حدد المسافة بينه و بينها بدقة الصياد الماهر.. قبل أن يهم بالانقضاض عليها هبت رياح شبه دافئة من جهة الجنوب أنعشت ذاكرته .
على إثرها تفتق ذهن العصفور عن حيلة جديدة كى يطعم أفراخه الصغار الجوعى منذ نيف و ثلاثين عامًا ..
عليه مزاملة الحمام الساكن فى الأبراج العالية ..
حيث الطعام اللين الوفير من بقايا و فضلات طعام السادة الحكام و النخبة المتحكمة فى أقوات البشر و العصافير الحالمة بصفار بيضة و لو كانت (ممششة) لتسد رمق أفراخه .
ــ لا يهم ــ
حتى و لو صار فى يوم قريب على ترابيزة أكلهم الفاخرة مذبوحًا و محمرا بالدهن ، أو فى مرمى بنادقهم الفتاكة .
لا يهم إن لم يجئْ الغدُ عليه ..
المهم أن يطعم أفراخه الصغار فى التو و اللحظة .
وهو يعلم أن موائد السادة الحكام و النخبة المتحكمة فى كل شىء بالبلاد عامرة بصدور الحمام المحشى بالفريك و أكباد الناس المتعطشة لقطرة عسل أو بقعة زيت ، و حسن الجوار .. خوفًا من فيروس إنفلونزا الطيور المنتشر فى الطرقات و الحوارى الفقيرة ، و بين مزارع الدواجن و عشش الأسطح العارية .
فكـر العصفور و فكـر ..

انتهى إلى خطة محكمة حتى لا يقع فى شرك الصيادين المهرة و مرمى نيران بنادقهم الفتاكة ، و حتى لا تصيبه طوبة من نبلة فى يد فتى طائش من أبناء السادة الحكام ..
انتهى إلى مزاملة حمامة من حمامات الأبراج العالية فى رحلة طيران عابرة .. اتفق معها على مسابقة طيران حر مهما كلفه من تعب لقصر جناحيه .
مرة بعد مرة توطدت العلاقة بينها بالخارج قبل الدخول إلى مدارج الأبراج العالية ، و إن كان هو الخاسر فى كل مرة …
فى المرة الثانية بعد الثلاثين توقف فى منتصف المسافة .. ساخت أنفاسه ، و انهدل جناحيه عن ضعف ألم بهما و لخواء حوصلته من الطعام ، و للجوع الذى يفتك هناك بأفراخه الصغار …
قال فى نفسه :
ــ هذه الحيلة تحتاج إلى متسع من الوقت و حوصلة عامرة من طعام السادة الأغنياء و النخبة الحاكمة و المتحكمة فى كل الأشياء ، و الوقت دائما ليس فى صالح الجوعى .
عليه أن يعود سريعًا بالطعام لأفراخه …
و لتكن هذه المسابقة فى الخطة الخمسية القادمة .
و لكن من أين تأتيه كسرة خبز طرية أو حنك من لعاب طرى يسد جوع الأفراخ ؟؟!
عـدل العصفور عن هذه الفكرة ، و طار و حط على دار شيخ البلد .. فهو أكبر رأس فى العزبة و قريب من السادة الأسياد ، و يعد من النخبة مع الفارق .
قال فى نفسه :
ــ لا بد و أن الخير يملأ داره .. حجراتها قبل سطحها ….
ما إن حط العصفور و نظر يمينًا و يسارًا ، و اطمأن أن لايرقبه أحـد .. حتى دخل كل حجرات الدار باحثًا عن كسرة خبز طرية باقية من طعام الأمس ..
لم يجـد ..
خرج من الحجرات و دخل حظيرة المواشى .. فتش فى (المداود ، و قاعة الخزين) ..
لم يظفر بحبة واحدة طرية ، و كانت (حصيرة) الجبنة القريش مفرودة على الحائط ناشفة .
طار من داخل الدار و اعتلى سطح الدار .. بحث فى كل بقعة …
قلب حطب الأذرة بحثاً عن (دنبة) منسية فلم يجد .
تذكر أن فلاحى هذه الأيام يدرسون أعواد الأذرة الخضراء يصنعون منها (سلاج) بديلًا عن العلف باهظ التكاليف ..
انتقل العصفور ليبحث فى غلاف (كيزان) الأذرة .. كان الغلاف كالسديم .. على مرمى بصره وجد (كومة) من (القوالح) المركونة فى بقعة مهملة من سطح الدار .. بدا له من النظرة الأولى أن هذه (الكومة) مضى على وجودها
فى هذه البقعة سنين .
ــ فرح ــ
توهم للحظة أنها ستعيده للزمن الجميل .
نقـرها عله يخرج بشىء يملأ حواصل أفراخه الجوعى ، وجدها ممصوصة لآخر قطرة ماء .
تعجب العصفور كثيرًا عندما عرف أن زوجة شيخ البلد لا تربى فى دارها دواجن تنفيذًا لأوامر النخبة المتحكمة و المهيمنة على كل المقاليد ، و مخافة إبعاد زوجها عن الكرسى …

انهمرت دموع العصفور بحارًا .. لكن هذه البحار لا تملأ بطون الصغار الجائعين بما يقيم أودها ..
قرر الرحيل و مغادرة هذه العزبة الجائع أهلها كأفراخه الصغار .
طار و حط فى بلاد كثيرة مجاورة جنوبًا و شمالًا ، و أفراخه (تصوصو) من شدة الجوع ..
الحال هو الحال فى كل القرى التى حط فيها و طار …
أتعبه اللف و الدوران فى بلاد الخلق دون جدوى .
لكن إيمانه بالله لم يتزحزح قيد أنملة ..
فهو يعلم أن من خلقه لن ينساه ، و لن ينسى أفراخه طرفة من عين .
فى طريق عودته لعشه بعد رحلة شاقة طويلة ، و هو لا يعلم عن أفراخه الصغار شيئًا ، ساوره هاجس فى ظل هذا القحط الذى يلف الوديان أن يكون هجم على أفراخه حدأة أو غراب من أكلة اللحوم فتكون وليمة سائغة لهم فى زمن القحط ..
طار بأقصى سرعة كى يطمئن على أفراخه الجوعى .
فى رحلة طيرانه السريعة لمح امرأة عجوزا على شاطئِ الترعة .
المرأة كانت منهمكة فى غسيل بعض ملابسها المتسخة .
تعجب من أمر المرأة …

كانت المرأة العجوز (تكبش) قطعة من طين الترعة العطن و (تلطخ) بها ملابسها ، ثم تضرب الملابس على الحجر الصوان الواقفة عليه على شاطىء الترعة ، ثم تـعـود {لتدهسها} بكلتا قدماها وتدفعها لتطفو فوق المياه الراكدة بالترعة لتنتفخ .

بعد برهة زال عجب العصفور عندما علم بأن المرأة لا تقوى على أسعار الصابون و المنظفات المعلن عنها بشاشات التلفاز بعدما قام السادة الحكام بخصخصة شركــات إنتاجه و رفعوه من بطاقات التموين ..
فى نوبات التفاتات العصفور حول المرأة المسكينة لمح بجانبها على شاطىء الترعة و بالقرب من ذراعها الأيسر شبه المعلول كسرة خبز طازجة ومن فوقها نصف {خرطة} جبن قريش .
نظر العصفور الجوعى أفراخه ناحية قطعة الجبن ثم ناحية العجوز .
اقترب العصفور من المرأة و (تحنجل) حولها بحذر ، حتى صار قريبا من جنبها الأيسر .
ركز النظر على حركتها و هى (تدعك) الهدوم .
تحين الفرصة لخطف جزء من نصف قطعة الجبن فى اللحظة التى لا يمكنها قذفه بحجر إن فعل و غافلها ليغنم بما يسد جوع أفراخه الجوعى .
تذكر خالقه .. تراجع فى آخر لحظة ..
عاد العصفور إلى رشده من فوره و عدل عن مغافلة المرأة المسكينة ، و حتى لاينضم إلى طابور السادة الحكام و من يدور فى فلكهم ، و يسرق جزءًا من قطعة الجبن ، و إن كان لا يمثل شيئًا عند المرأة .
اقترب العصفور من المرأة أكثر فأكثر .
لم تحرك العجوز ساكناً ..
لم تهشه .. أو تنهره .. أو تقذفه بحجر كما يفعل الحراس غلاظ القلوب فى حراستهم …
عاود العصفور التطلع فى عيني المرأة العجوز ، و كأنه يسترحمها .
وجدها تبادله النظرة بنظرة حانية أكثر منها .
أطال نظراته لها ..
انتظر …
ماذا يرجع البصر ؟
و ما رد الفعـل ؟
فى الوقت الذى كانت تنظر فيه العجوز لعيني العصفور الحائرة ..
كانت تفكر فى اللقيمة الباقية و نصف (خرطة) الجبن التى كانت تدخرها لعشائها .
و لكن المرأة بفراستها قرأت ما كان بين السطور فى نظرات العصفور المستجدية .
أشارت بيدها المعلولة للعصفور أن اقترب ..
فى نفس اللحظة كانت النسوة من أهل العزبة فى طـريق عودتهن من سوق المركز فوق رؤوسهن ما كُنَّ اشترينه بــ (الغلا و الكوا) أصواتهن مكتومة بدواخلهن أقلقت العصفور فى وقفته بجانب المرأة العجوز .
توارى العصفور فى (عب) المرأة المسكينة مخافة أن يفرقن بينهما و تضيع نظرة الاستعطاف القائمة بينهما منذ وقت قصير .
ربتت المرأة العجوز بأصابعها المرتعشة على ظهر العصفور و جناحيه المعروقين و قالت فى نفسها :
ــ إنك لعصفور مسكين لا تستطيع مثلى الذهاب للسوق لتشترى طعام يومك ..
أنت مثلى لا تحتكم على مليم واحد .. و من أين تأتيك النقود ؟
و نحن بنو البشر أصبحنا نأكل وجوه بعضنا البعض ، و نعود ننعق فى الأبواق بأننا أمة الريادة و الحضارت الأولى منذ القدم .
تطلع العصفور لحركات شفتَيْ المرأة الحنون ، و علمه الذى خلقه منطقها كما علم سليمان النبى منطق الطير …
خفق العصفور بجناحيه فى وقفته خفقات متتابعة فرحًا ..
ضحكت العجوز و ضحكت كما لم تضحك من قبل و قالت : أنت عصفور ودود ..
خذ اللقمة و قطعة الجبن و عد من حيث أتيت ، فلابد أن وراءك أفراخ جوعى قبل أن يحل عليك الظلام الذى ملأ قلوب البشر .

التقط العصفور ما يستطيع حمله من نصف قطعة الجبن القريش ، و طار للعش يطعم أفراخه و هو يقص عليهم حكايته و يقول :
{ مابتهنش إلا على الغلبان } .

السابق
موت
التالي
فراسة

اترك تعليقاً