القصة القصيرة

العـــــــّرافة

أتحلل كل ليلة من أسمالى البالية المقموطة حول بدنى الضخم بألف إزار ..
أطوف مع النجوم الدوارة فى ملكوت الله منفردًا بغير حدود .
تمتد إحدى يديّ إلى مؤشر مذياعى العتيق الذى يلازمنى مثل اسمى .
ثلاثون عامًا لم يتحول عن موجة ثابتة ــ اللهم سوى عند رأس كل ساعة ــ حيث الأنباء العكرة المعتادة .
تطول ساعات مقامى فى البيت بلا معنى .
نومى دائمًا مرهون بأفول نجم سابح فى الفضاء الفسيح ، كثيرًا ما يضل عن مداره المحدد .
ما بين الساعة الخامسة أو الخامسة و النصف صباحًا يأتينى سلطان النوم كسولًا على مضض مع زقزقة العصافير و نداءات بائعة الفول .
فأحدهما كفيل بأن يؤنس وحدتى الوبيلة .
يقول بعضهم أننى إنسان قمرى ..
جاهدت نفسى كثيرًا كى أعى المعنى المقصود بالقمرى ..
لم أصل إلى شىء ..
حينها تاه فؤادى فى كثير من الأمور حيث لا معنى و لا رابط ..
غلبنى النوم إلا قليلًا .
يزلزلنى رنين جرس المنبه بجانبى ، و ساعة الزمن بعقلى الباطن دائمًا ما يستبقه إلى ميعاد الدوران المحتوم من أجـل رغيف الخبز الأسود لسد جوع بطون أولادى الخمسة .
ألتقط بالكاد (مانشيتات) الصحف السيارة من فوق صدور الصفحات الأولى المعروفة سلفًاً من ذى قبل .
أعدو ..
أزدرد بعض اللقيمات الجافة (الحاف) و أنا أتدثر بأربطتى المقموطة و بخاصة ما حول الرقبة كى أدور فى نفس المنوال المعهود ما بين سراديب القوانين سيئة السمعة المضروبة فوق الأعناق بسيف الحاكم الأوحد ، و اللوائح الممطـوطة التى تأكل خشاش العقل الثائر من غير عيار .
تتصارع فى الطرقات بعض الاختيارات الصعبة .
انتظرت مرغمًا شدة ساعد ابنى الأكبر ليكون إزارى في الزمن الآتى .
يلطمنى سيل الطلبات اليومية لهذا الزمن المستحدث .
أتراجع فى آخر لحظة ..
تنتصب أمامى مقولة جدى الأكبر ذات صباح :-
مكتوب يا ولدى على الثور المربوط في (الساقية) أن يكمل (علقته) تحت أى ظروف .
أراحتنى تلك الذكرى لبعض الوقت .
ارتحلت من غير خيار بعيدًا عن الظرف الكائن ..
عدت إلى أحلام الطفل الباكى بداخلى ، و زمن التاج الأعظم مجبرًا .. إلى الثور المربوط فى (الساقية) .
تزداد أيامى جمرًا ..
أبحث فى كل حطام الدنيا حولى عن المزيد من أصناف و ألوان الحكمة .
أفتقد حلاوة الدهشة ..
تتسرب من بين أناملى أطياف المتع السبعة .

النمط الثابت للطوابير المخنوقة و الدخول المحدودة ، و قواميس البلدان المتحكمة فى ميزان الكيل الجائر ، و زمن القطب الأوحد ، و حصارالجوع المفروض فوق الأعناق .. كلها تجذبنى ناحية اللون الأسود .
ــ تـتضاءل مسافات الرؤية ــ
أتـشـكك فى صفحات وجودى .
أتمدد فوق الطرقات مذبوح الأسماء .
أتكور فى ركن منها بغير رداء .
أتجرع كل مرارات الوقت الحاضر و الخوف الممقوت حرفًا حرفًا .
يتدلى من بين فراغات قنوطى خـيط (العرافة) الأشهب .. أتحسسه بكل ما أملك من شعور إنسانى .
تهمس (العرافة) فى أذنى اليمنى ببعض الكلمات غير المنقوطة .. الصماء .
أتجرعها كما هى إلى آخر قطرة .
ــ تتكاثر خلايا المرآة قطورًا ــ
أعود لأقسم بالله الأعظم بكل الأيمان أنى لم أسمع من قبل قراءات الشيخ (محمد رفعت) بهذا الإنصات .
عند أذان الفجر يستبق العود اليابس كل العدائين عدوًا .. يلتصق العود بكف (صلاح الدين الأيوبى) فى سيره ناحية الإصباح الآتـى بميلاد الرجل المغوار الأسمر .

تكتمل الآن الصورة فى كل زوايا المرآة ..
يموت مِن حولى الإرهاب الأسود ، و دعاة الفكرالبالى يتوارون فى ثياب الخسة من غير رجوع .
ــ يتحرر قوت الأولاد الخمسة ــ
أعود من حيث بدأت .. أتحلل كل ليلة من أسمالى البالية الرثة ، و أتيه زهوًا مع صوت الشيخ (محمد رفعت) ، وهمس (العرافة) الأخرق قذفت به على طول ذراعى من أوسع الأبواب ، و عدت إلى صحيح إيمانى القوى.

السابق
الحكمة
التالي
حكيم

اترك تعليقاً