القصة القصيرة

العفريتة

كعادتنا ، تحلقنا أنا وأبناء عمومتي حول جدي في ليلة شتائية باردة ليقصّ علينا ” خراريف ” حفظها عن جدّه .
كانت الإنارة الوحيدة تنبعث من ” كانون ” الفحم الذي أخذت جمراته في التوقد تحت الرماد وكنا نجلس أو نتمدّد على ” نطوع ” الخرفان التي تمت التضحية بها في أعياد سابقة ، فيما تنقر حبات المطر على سقف الصفيح .
جدي أهتم وبدا الوهن يتسلل إلى يديه وكثيراً ما تخونه الذاكرة فينسى أسماءنا أو علاقات النسب التي تربط أحدنا بالآخر ، أو أين وضع المضغة ، ولكنه لا ينسى قط أدق تفاصيل الحكايات التي يسردها علينا ، كان يكررها تماماً دون أن يخلط بينها ، وقد حاولنا مراراً أن نمسك عليه غلطة واحدة أو نوقعه في تناقض ما فلم نفلح .
وحين نسأله عن أمر غامض أو واقعة لا تصدق يجيبنا : هكذا سمعتها عن جدّي .
وفي جعبة جدّي الكثير من الخراريف ، بعضها على لسان الحيوانات ، وبعضها الآخر عن الجنّ والعفاريت … ولكننا جميعاً تستهوينا حكايات الليل والسحر والعفاريت دون غيرها .. فقد كبرنا عن قصص الحيوانات وكنا أصغر عن إدراك قصص الحكم ونجد متعة في الحكايات السحرية والمفاجئات والخوف من المجهول .
حكى لنا جدّي عن ذلك البطل الذي نازل أشجع الرجال وهزمهم ، وصارع الوحوش فغلبها . ولكن ركبه الرعب ذات أصيل حتى وقف شعر رأسه ، حين أردف على ناقته عفريته تقمّصت شكل امرأة تنتهي أقدامها بحوافر حمار .
وقصّ علينا مغامرات ابن السلطان الذي امتلك مهراً نصفه جن ونصفه شيطان ، يستطيع الكلام ويقدر على الطيران .
حاولت تقليد جدّي بضع حكايات خيالية ، بعد أن أدركت أن اللعبة تكمن في أنه كلما كان الوهم أكبر ، كلما كان تصديق الحكاية أقرب .
اخترعت سلسلة من الحكايات السحرية وأحكمت حبكتها ، وكانت النتيجة محبطة ، فقد اشتهرت بين أبناء عمومتي وأترابي بالكذب ، كانوا يستمتعون بقصصي ولكنهم لا يصدقونها.
قصصت عليهم عن بطل تسّيد قومه لشجاعته ولكنه أمتحن ذات يوم لمواجهة ” عفريت ” يقطن جبانة القرية ، وكان الرهان أن يبيت ليلته فيها ، وفي منتصف الليل سمعوا صوته طالباً الرحمة ، ثم رأوه يجري بأقصى ما لديه من سرعة ، عارياً كما ولدته أمه وعرف الناس أن العفريت ظهر له وطلب منه خلع ملابسه ، ومن يومها صار أضحوكة القرية. ولكن لم يصدق حكايتي أحد .
ذات مساء رجوت أبي أن أبيت عند جدّي ، سمعت حكاياته ونمت مع جدتي في غرفتها التي تفوح منها رائحة القرنفل .
نهضت ليلاً لأتبول ، فيما كانت جدتي تحلم بليلة زفافها ، خرجت من الغرفة متجهاً إلى الحمام وأنا أكاد أموت من الرعب ، فقد انهالت عليّ كل حكايات الجن والعفاريت دفعة واحدة . وحين دخلت الحمام تراءت لي في الظلام صور العفاريت بأحجام صغيرة وعيون شيطانية . وتراءى لي مارد من نار ومسخ له عين واحدة . تبولت وخرجت مسرعاً دون أن أرفع بنطالي ولكنني تجمدت رعباً في السقيفة حين شاهدت عفريتة تقمّصت شكل ابنة عمي تمرق من باب البيت وتتجه إلى غرفتها وهي شبه عارية ، كانت تشبهها تماماً ولكن لم تكن أقدامها تنتهي بحوافر حمار .
ابتسمت العفريتة لي فرفعت بنطا لي وهرولت مذعوراً إلى جدتي وجسدي يبلّله العرق رغم برودة الليل .
بتّ ليلتي تلك ساهراً حتى الفجر .
في الصباح حكيت لجدي وجدتي ما رأيت ، لم يصدقاني ، وألقت جدتي اللّوم على جدّي لأنه ملأ رأسي بالخراريف الفاسدة .
عند الظهيرة رأيت ابنة عمي ، أردت أن أحكي لها عن العفريتة التي تشبهها ولكنها ابتسمت لي كما فعلت تلك معي ليلة البارحة ، فقررت الصمت خشية أن أوصف بالجنون .

السابق
غزّة
التالي
بُعبُع

اترك تعليقاً