القصة القصيرة

العُتاة

على حافّة النّافذة يقفُ غُراب، عَويل الرّيح في الشّارع ينفخ في ناي الحزن، يَـعْـزِف ترانيم الوجع… غيوم الخريف تحتكر السّماء على شسعِها، و تَـخْنِس بِـهالة البَدر… و في مكان ما على خارطة القلب نَصبَ الذين مَــرّوا على العين مَنَازلهم و ما بَـرَحوا… يَـــشِـــتُّ بِـفُــؤادِه الوُجْــدُ… و خلفَ الأسوار عنوان لا تصل إليه الرّسائلُ… البَـرْد يجتاح الأركان… الصّمتُ مُطبق… أرهقهُ الصَّخبُ بداخله… أطفأ المصباح بجانب سريره، و أشْرع للظّلام الدّامس جفنيه، و راح يَـمسحُ العتمة الحالكة بمقلتيه يُـكابر اغروراقهما بالدّمع، حتّى تبدّدتْ قليلا قليلا، و تجلّت له سطوح مَعالِـم غرفته و أثاثها مُـتَـماهية الألوان مَـيّالة إلى السّواد، متداخلة الحوّاف لكلّ منها قصّة تَرتفعُ مكانة، و تَـزدادُ عِــزّة مع كلّ ليلة تَـمُرّ في غيابِـها… يتململُ على فراشه مَغْـصوص الحلق، مُـنْـقبض الصّدر، يؤلِـمُه جميل ما جمعهما، و حتّى ما سقطَ منه الجمال بات ذا جمال و معنى من نفسه… يحتقر سرّا كِـــبْــــرَه الذي ورّطه في أعظم خيانة؛ اغتالَ ربيعه، جَنى على وفائه ، خان نفسه، خان حبّه ، خان عُمره… ففي لحظة جَبَروت الغضب، و تَــقَـزُّم الأحاسيس الرّقيقة قرّرّ هَجرها ثلاثا ليؤدّبَـها مُوقِـنا أنّها ستنصاعُ دونما تردّد، و تعتذر عمّا بدر منها؛ و قدْ ضبطها تُـفتّش حقيبته بشكل مُريب؛ اضطربتْ، و فزعتْ، فظنّ أنّها تَشكُّ بعفّته، رَعِفَ عليها حَـنَـقـاً أن تحجّجتْ بالبحث عن مفتاح البيت الذي ضاع منها و نَبْـرةُ صوتها تُـكَذّبُـها، و ما أبْـدَتْ له أنَّـها تنوي دسّ هديّة له فيها خلسة، و لا تريده أن يكتشفها إلاّ إذا دخل مكتبه… عانَدَتْهُ، و لم تهتمَّ بِـهجره، فتمادى في صيغة التّـأديب تَــجَــنِّــياَ… حَـملها إلى بيت والدها؛ ليُشعرها بِـبُـعده، و خُضاب حِنّاء زفّتها ما يزال يزيّن أظافرها… كلّ ما قاله لها جملةً واحدةَ و هي تترجّلُ من السّيارة: إن لم تطلبي أنتِ الرّجوع إلى البيت، فلن أجبركِ عليه، و ابقي حيث أنتِ!… يريد اختبار مكانته عندها.
كلّما غابتْ الشّمس غَـــدَتْ عجلات الظّنون عليها أشرس: أحقيقة لا يشعر بحبّي له؟… هل يقصد بتصرّفه ذاك إهانتي، و إذلالي؟… هل كنتُ عمياء طول هذه المدّة و لم أُبصر حقيقته؟… ليس هذا هو الرّجل الذي مَلكني بقوّة شخصه، و زلزل كياني!… أين ذكرى أيام الجامعة الحلوة من ذاكرته، و بريق شهور الخطبة الذّهبيّة؟… فَــدَيْتُ رِضــاه بِــوَأدِ طموحاتي… قاطعتُ بعض أهلي قربانا لقُربه… تحدّيتُ الكلّ و رضيتُ به زوجا، على ما بين عائلتينا من حقد، و قطيعة، أتُــراهُ نسيَ؟… أيُعْقَـلُ أن يكون حبّ أخرى تَــسَرّب إلى فؤاده ولم أنتبه؟… يستحيل هذا!… عليّ استدراك الأمر!… كيف أستدرك و غيابي عنه لم يحرّك فيه شعرة، بل زاده عُتُـــوَّا؟… رغم إجحافه بِـحقّي لن أتأخّر إن رأيتُ منه بادِرةَ رغبةٍ في الاعتذار!… ربّما ظلمتُه و هو يحبّني!… كيف يجتمع الحبّ، و الظّلم؟…
يُـجافيها النّوم صعودا، و نزولا ، تُصغي إلى لَـحن أمنية، و تنقاد إلى زَجْرة استعلاء، تحاول الجمع بين النّقيضين عبثاَ، تنفجر حينا و تُـلملم أشلاءها حينا آخر، و ما يّرتَـخي جِـيدُها على الوسادة إلاّ مَغلوبةً… فيما هو يُـواصل يُعلي بُـرجه العاجيّ من القصر، يُـحادث أجزاءَه، يرفعُـهُ حديث و يخفضه آخر… ما يفتأ يذكرها: أنا متأكّد أنّها تحبّني!… لا غبار على صدق عاطفتها نحوي!… كيف تشكّ بي و أنا اخترتها من بين العشرات حولي؟… كيف هان عليها بُعدي؟… فربّما هي بحاجة إلى حافز أقوى!… لَــئن آبَــتْ، و اعتذرتْ لأكونَـــنّ لها سجّادا أحمر!… زارها؛ ليُـهديها كلمات تَـطايرتْ كشظايا الزّجاج من حلقهِ: أَمازلتِ مُصرّة؟… إن أنتِ لم تطلبي الرّجوع إلى بيتك فأنتِ طــــــالِــــــق!… و عِدّتك مَـــدٌّ لتُــفَـكّري و تُــشاوري نفسكِ!… موقن باستجابتها هذه المرّة و لا شكّ، عَلّق طلاقها و ما نَــواه مُطْـــلَــقا… شحبَتْ، تسمّرتْ مكانها، دارتْ عيناها من هَـوْل وَقْـع النّازلة يَــتَـردّد في أذنها رَجْــع عبارته الماسيّة يوم دخوله بها: ” لو وضعتُكِ في كفّة و الدّنيا في الكفّة الأخرى لَـرجَحَتْ كفّتكِ”… آوَتْ إلى فرشها خاوية البطن لا تذكرُ منذ متى تناولتْ آخر وجبة، و لا ما كان طعمُ الأشياء اللّذيذة، لا تُـبالي، تَـتَـواشَــقُـها الحيرة، الخيبة، الرّيبة، الشّوق، الوجع، الحنين… يُدّفِّـــعُــني ثمن جرم أنا منه براء!… كيفَ هان عليهِ بُعدي؟… انتظرتُ قربهُ و عودتَهُ، فإذا به يزداد بُـعدا و قسوة!…لِــمَ؟ لِــمَ؟ لِــمَ؟… تأكّد لها بعض ظنونِـها به وهماً، اجتاحَها ألَــم أكبر… ما أغْــباني! كنتُ سأقبل اعتذاره و لو كذباَ… يرى أنّــي لستُ أهلا!… تَــقَـصّـدَ إحتقاري… أَكنتُ نزوة في حياته؟… و ها هو يتخلّصُ منّي… و غَرِقَتْ مساءاتُـها في الحزن، كما صباحاتها… تدحرجتِ الأيام بسرعة لم تستوعبها صدمة كل منهما في الآخر، يترقبّان حركة بعضهما، يترصّدان إشارة ما.
ما زال يفكّر في طريقة ليُـعيدها إليه دون الإساءة إلى نفسه أو المساس بِـــكبريائه، و هو ينظر مِن عَـــلٍ من ذات الزّاوية… تُـخالجه الكلمات، يَرغبُ بالبوح و الاعتذار، و لكن!… يخونه ما لا يَـمْلكه… ينسجُ لها حديثاً رقيقاً ناعماَ بينه و بين نفسه، حتّى إذا كاد يُــلْبِسُها إيّــاه، انسلّت خيوطه و تلاشتْ… يحمل الهاتف ثمّ يضعه، يهمّ بتشكيل رقمها ثمّ يتراجع، يكتب نصّ رسالة إليها ثم يحذفه، جبل من الكلمات العذبة تتدافع بينَ شفتيه، و لا يُـدْركُها منها ريح حرف واحد… بما أوتِـيَ من جُهد يجتهدُ لِيـهزم الـمارِد الذي عثا في أزهاره فسادا، و الغلبة للمارد… ثمّ ينام متوسّدا نيّة الاتّصال بها نهارا… و ليس الثّوب الذي تَـحيكُه له هي كلّ ليلة بأقلّ عذوبة، و رِقّة من الثّوب الذي يحيكه لها…
و سرعان ما انقضتِ المدّة و بانتْ منه البينونة الصّغرى، و لقيتْ ما حذّرها منه أهلها… اِلْــتَــقاها عند باب العمارة تَــقْصدُ الخيّاطة أو الحلاّقة، ولم تُـحدّد بعدُ أيّهما ستزور؛ كأنّ ليس في المدينة غير تلك الحلاّقة أو الخيّاطة جارَتُـهُ… و الحقيقة أنَّـها قصدتْ ذات العمارة و قد تحيّنتْ وقتَ خروجه إلى العمل تَـتَحجّج، تُـراودُ فُرصةً بعد طول تَردّدٍ: قَـد.. ربّما.. عسى.. لعلّ ألتقيه صاعدا أو خارجا منها، فيحنّ إليّ إن هو رآني، فيعود إليّ خاطباَ !… و هما يمرّان بجوار بعضهما تكاد تتلامس أطراف ثوبيهما، أدركا عطر بعضهما، نادى عليها صوتٌ رخيم يتوسّلها: هيّا! ابتسمي لهَ! ألْــقِي عليه التّحيّة! اسأليه كيف حاله!… مرّتْ تخفضُ رأسها تُبطئ الخُطى على بُعد نَظرة، أو شِقٌّ ابتسامة منهُ… و هو واقف يفتح محفظته يَـتفقّدُ وثائـقه كأن لم يلبسها بالأمس، أطالَ وُقوفَــهُ مَطْموسَ الوجع على مسيرة خطوة من خلفها؛ ليَــمُدَّ لها حِـــبَــال الأوْبَــة، لكنّها مضتْ تُـواري من الشّوق عظيم ألمها كأنّها لم تنتبه له… الرّغبة في الصّدر ثَـورة، و اللّسان به خَدر، و الأنفُ في خَـنَس… مَـضَــيَــا، و راية الرّحيل بينهما ترفرف، بلا وداع افترقا، و القلب منهما بصوت مَبحوح يصرخُ: لا للفــــــــــــراق! لا!…

السابق
وَعَادَتْ مَرْيَمُ إِلَى بَيْتِهَا
التالي
ما وقع لي في مطعم العصر

اترك تعليقاً