متوالية قصصية

الـضِّــدَّان

( 1 )
يقتلعني ، بغتة من جذوري ، لا أعرف من أين جاء اللحظة ، وأين كان ..؟!
لم أشعر بنفسي إلا وأنا فوق كتفه هشاً ، وعلى غير بعيد يدخلُ سكنةً ضيقة عتمة ينضحُ الملحُ من أرضيتها ، وجدرانها ، وسقفها الواطئ ، ولا أعرف كيف يصدرُ عن الملح رائحة روث البهائم .. ؟
طوحني بقوة ، وحش كاسر يملأه غضب ، يهدَّ عظامي ، في الحال تبعه عسكري أزرق ، مغبر ، هائج ، يقرضُ على أنيابه ، موجوعاً بكيتُ ، مرعوباً ، متحسراً أحترقُ .. !

( 2 )
فرحة ما تمت :
( جمع هائل ، يحتضني فيه أخي كأنه الحارس ، نحدقُ
في شيء على ما أعتقد ـ أنا ـ شاشة عرض ، تَسِدُّ واجهة عمارة هائلة ، تطلُ على وسعاية ، أقيمت فيها كوشة ، يُخالُ إليّ أنها كوشة فرح ، يتوافد وفود تفرحني ، تلهب مشاعري الحانية ، ننتظر عرض شيء طال غيابه ، نشتاق إليه جميعاً على أحر من الجمر ، ولم لا وقد بان لنا أن فيه خلاصنا بعد أن غُلتْ صدورنا ، وتقطعت أنفاسنا ، فأنهكت قوانا ، وثبطت عزائمنا في أمل الخلاص ) .
الآن يجيء : نعم ها هو يجيء ، أنا سعيد ، أنا منتشي ، أنا فرحان ، آه لو أن لي جناحين ، أطير ، أستقبل عبق هذا الخلاص القادم قوياً ، بالتأكيد أن كل هذه الناس تتمنى لو تطير هي أيضاً ، حتى وإن كانت تترقب ، وإن كانت لم تظهر بعد علامات الفرح ، لا أعرف لماذا هذا التحفظ .. ؟
مع ذلك أنا متأكد أنها سعيدة ، ذلك لأن إيماني أنه لا مكان هنا البتة لغير الفرح
ـ والكبير ـ ولا يصح أن يصيرَ هنا في هذه اللحظة غير الفرح ، تساءلت : لماذا الصمت إذاً ؟
لم أنتظر لا من أخي ، ولا من غيره رداً ، ذهبتُ وكنت الوحيد مستنكراً أزيح هذا الصمت الثقيل المميت ، فألقيتُ التهاني ، تلقيتُ بالإشارة التهاني ، ولا أعرف لماذا يمنعني أخي زائغ البصر :
ــ صَهٍ ، صَهٍ
ــ يا أخي إننا في فرح . !
ــ يقرصني أخي مرتاباً : صَهٍ ، صَهٍ
ــ يا أخي وأي جرم في هذا ، وكلنا في فرح .. ؟!
ــ لكزني أخي قلقاً : صَهٍ ، صَهٍ
ويسدُ فمي بيديه في إشفاق متخوفاً .. !

( 3 )
رفضتُ صهصهة أخي ، لعنتها بضجر ، رفضتُ أن ألعن أخي ، وجريتُ أحتضن ، أرحب ، أهني ، أُدْخِلُ أولاد عمومتي وآخرين الكوشة ، أقهقه ، أقفز ، أبتهج ، فأنا لن أنتظر خلاصي صامتاً .
يزدحمُ الوافدون ، تدقُ الطبول ، تختلطُ الأصوات ، معها يعلو صوتي ، معه يَدٌ تأتيني من خلفي على غير التوقع مني ، تطبق على فمي ، تكتمني باطشة ، تسوقني في لمح من بصر إلى مكان خفي .

( 4 )
وحيداً بقيتُ بين سوق طويلة لأجساد تتضخمُ على الأرض ، وشوشهم ترتعبُ لإطلالتها ، تيقنتُ أني في محنة ، تساءلتُ فزعاً ، مستغرباً في مسكنة :
ـ ماذا جنيتُ ..؟!
ـ عُدتُ مستنكراً : أن يُفكَ أسري .
ويقطع نواحي رنين هاتف صاخب ومزعج لم أكتشف له مكاناً ، وصرخ صوت خشن ، حاد ، قاطع ، صريح من خلاله :
” أجهز على حياته ، الموقف لا يتقبل وجوده “.


هامش : صَـهٍ صًـهٍ

السابق
خداع بصري
التالي
انتماء

اترك تعليقاً