القصة القصيرة جدا

الــورم

المساء حزين .. السماء بلا أضواء مبللة بعرق الخريف ، الرياح تعبث بأوراق الأشجار الساقطة في رحى الضياع والتيه ، الطريق تتسع وتضيق بلا معالم ، ودونما انتظام .. كانت أنوار الحانة باهتة ، صوت الشاب خالد يمتد إلى آخر المدى
اتسعت دائرة خطواتي ،في محاولة للتخلص من صوت سيارة الإسعاف الذي لم يتوقف ترويعه للسيارات الممتدة عبر الطرقات ، وهي تطاردني بلا كلل .. انطلقت أعدو بكل قوة وبلا اتجاه عبر شوارع وطرقات المدينة بلا توقف ، محاولا التخلص من هذا الصوت الذي يملأ رأسي ، يفجر أفكاري المفككة ، يحولها إلى أشلاء .. تنتصب صورتك من بين هذا الركام .. تنجلي وسط هذا الضباب .. أتأوه حسرة ، بينما يتمدد السؤال الذي ظل يملأني : – هل مازلت تحبني ؟ من حقك أن تحقد علي .. أن تلعنني ، أن تصنفني كيفما تشاء ، لكن في النهاية أعرف أنك ستسامحني، لأنك تعرف أنني كنت ضحية خداع ، ضحية أحلام زائفة حولت رأسي إلى خراب . منذ أيامنا الأولى في الدراسة ، أدركت الفارق بيننا ، لم تكن تشبهني في شيء ،أو هكذا كنت أرى ، كنت تفوقني في كل شيء ( يا له من اعتراف ساذج ) وجهك البشوش .. عيناك الصافيتان .. حركاتك الهادئة .. أناملك الرقيقة ، كم كانت تضحكني ، كنت أقول لمن حولي : أنظروا إليها وكأنها أنامل فتاة ، وتعلو قهقهاتي ، وكنت دوما تبتسم رغم تذمرك من طيشي ليزداد حجم حقدي الدفين عليك . كانت الفتيات مولعات بك ، كالفراشات يحمن حول كلماتك الملتهبة .. يتحدثن عنك عن عينيك .. شعرك .. قامتك .. وما أكثر ما يتحدثن عنه .. يتمنين أن يمتطين سيارتك ، لتبصر أعينهن عالما غير الذي ألفنه ، أو يتجولن في منزلكم الذي طالما تشاجرن عن عدد غرفه .. كان حقدي يزداد ، ألعنك ، ألعن سيارتك ، منزلك وحتى الطريق الذي تسير عليه و .. حتى هذا الوطن الذي منحك الابتسام ، وسلمني للفقر لكي يصنع مني مفرغة .. تتسارع أنفاسي .. يزداد وجيب قلبي ، فأحقد على العالم برمته وأتمنى زواله ، ليكن الطوفان مادام سيجرفك معي ، أنا الفقير ابن الفقير ، تاه أبي في شوارع باريس ، أبي الذي كان يمكن أن يطلق اسمه على مدرسة ، أو على شارع ، أو حتى على مدينة بكاملها ، لكنه وفي لحظة يأس صامتة قرر الرحيل ، وبعد طول انتظار اضطرت أمي أن تعمل في البيوت لتؤمن لنا ما نأكله ، كان حلمها أن تراني طبيبا ، كانت تقول لي حين تراني متذمرا :” كم أنت وسيم يا عيسى ، أنت فقط بحاجة إلى الأكل الجيد ليزداد وزنك قليلا ، وثيابا لائقة لكي تبرز جمالك وجاذبيتك ” حين أسمعها أحس أنني أملك كل شيء وحين أراك اهتز خجلا وأحس بأنني لا أملك شيئا ، وأنني ضحية اهتزاز عاطفة أمومة هائجة . شاخت أمي سريعا .. قاومت ، قاومت ، وأخيرا استسلمت لحنين الفراش ، وأنين المرض ، معتذرة بحطام نظرات على وجهي المبعثر المعالم .. توقفت عن الدراسة وتوجهت إلى سوق العمل ، وما أصعب أن تجد عملا في وطن يعج بالبطالين ، فاضطررت أن أعمل أي شيء .. حمالا في سوق الجملة .. اسكافيا على الأرصفة ، أسابق الشاحنات لكي أضمن مكانة لحظة تفريغ حمولتها .. والمهم أن أؤمن قوت أربعتنا والدواء لأمي . لم أنسك لحظة يا سعيد ، كنت أتابع أخبارك وأسأل عنك دوما كل من له علاقة بك ، عرفت أنك سافرت إلى فرنسا من أجل إتمام دراستك ، فازداد حقدي وغضبي ، فكرت في شيء يمكن أن يؤذيك .. في الذي يجعلك تنهار ، أن أحرمك ولو من شيء واحد تحبه وبجنون ، لم يطل تفكيري ، كانت الطريق تبدو معبدة أمامي لتحقيق مبتغاي ، وأن أدوس بقدمي أحد أحلامك الجميلة ، حملت القليل من الصور التي كنا نظهر فيها معا ، ورحت أحفر في ذاكرتها ، أرسم لها صورة ذلك الشاب الذي كان يدرس معها ذات يوم ، عاملتني بحذر .. ثم بلطف ، واطمأنت حين أطنبت في الحديث عنك .. آه ياسعيد أيها العاشق المحظوظ ، كم هي جميلة .. عيناها العسليتان الناعستان .. أهدابها الكثيفة التي تنتهي بانحناءة آسرة .. وجهها البلوري .. أنفها المستقيم .. شعرها الفاحم وكأنه قطعة من ليل حالك .. قامتها المتناسقة المتناغمة مع تلك الحركات المفعمة بالنعومة .. وذلك الصوت الذي يزداد سحرا وهي تتحدث عنك ، كم هي جميلة يا سعيد ، وفي لحظة كانت أنفاسها تحفر على وجهي آهات النشوة والرغبة في الاحتماء من قهر هذا الزمن ، اندفعت نحوها طوقتها بذراعي ، حاولت .. حاولت.. قاومتني .. صرخت في وجهي .. دفعتني عنها في جنون ، وقد تبعثر كل شيء فيها صفعتني بصقت في وجهي ، وانصرفت بخطى سريعة ، تاركة إياي أبحث عن طريق للخلاص مما وقعت فيه ، من هذه النظرات الساخطة علي . المساء حزين .. السماء بلا أضواء مبللة بعرق الخريف ، الرياح تعبث بأوراق الأشجار الساقطة في رحى الضياع والتيه ، الطريق تتسع وتضيق بلا معالم ، ودونما انتظام .. كانت أنوار الحانة باهتة ، صوت الشاب خالد يمتد إلى آخر المدى ( طريق الليسي يا دلالي وعقباتو عياتني ) طلبت زجاجة ستيلا، وجلست في زاوية شبه مظلمة أدخن وأشرب في صمت . كانت أفكاري تسبح في اللا قرار ، تسحبني نحو الجنون . لا تزال سيارة الإسعاف تطاردني ، تبعثر خطواتي في اللا اتجاه .. عندما سمعت أنك عدت للوطن، وتسلمت وظيفتك في مستشفى المدينة ، قررت أن أتخلص منك ،أن أفرغ حقدي عليك دفعة واحدة ، أن أضع حدا لحياتك !نعم هكذا قررت .. اختبأت خلف الجدار المطل على الشارع أين تركن سيارتك ،وما كدت أراك حتى اندفعت نحوك شاهرا خنجري في وجهك ، ابتسمت هززت رأسك كان الأسف باديا في تقاسيم وجهك ، فتحت باب السيارة ، أدرت المحرك وانطلقت ، كنت أقف في مكاني لا أبدي حراكا ، سقط الخنجر من يدي .. طأطأت رأسي وقد امتزجت في نفسي مشاعر الحسرة والندم ، هل ندمت على ما فعلت ، أم على ما لم أفعل ؟ لست أدري كنت أعيش لحظة اللاشعور . في هزيع الليل الأخير فاجأتني الشرطة ، وضعوا القيد في يدي ، وساقوني إلى مركزهم ، كنت أعتقد أنك السبب ، لكنني وما كدت أجلس أمام مفتش الشرطة حتى فهمت أنني متهم بالانتماء إلى جماعة أشرار وأنني أتاجر بالمسروقات وأنني مطالب بقضاء ثلاث سنوات في السجن . لا تزال سيارة الإسعاف تطاردني تنهش أذني بصوتها المفزع ، ما أزال أجري بلا اتجاه ، النظرات تطوقني ، الأفواه المبتسمة تهزأ بي ، الأيادي تشير إلي ، أحس بالوهن وبأن لا قدرة لي على الجري أو حتى السير ، هل حان وقت الاستسلام ؟ هل أتركهم يعبثون برأسي بعد أن هربت حفاظا عليه ، أنا لا أريد أن أستسلم. عندما زرت هذا الصباح المستشفى ، تفاجأت وأنا أراك .. حركت يدي في الهواء كمن يرسم حركة مسرحية .. ابتسمت بسماحة مددت يدك مصافحا ، ضغطت على يدي بحرارة ، وأشرت لي أن أتمدد على طاولة الفحص حاولت أن أشرح لك حالتي وقلت لك أن ا لأمر لا يعدو أن يكون مجرد صداع من هواء بارد استقبلني هذا الصباح وأنا أغادر المنزل في ساعة مبكرة ، وأنا بحاجة إلى الدواء للتخلص منه ، نظرت في عيني بتمعن أربكني وعوض أن تطلب مني فتح فمي- كما جرت العادة – مددت يدك تتفحص رقبتي ثم رأسي بدقة بالغة ، ثم هززت رأسك في صمت وغادرت الغرفة دون أن تقول شيئا ، لتعود بعد لحظات رفقة مجموعة من الأطباء بمآزر مختلفة الألوان ، يرتدون قفازات ، أمروني أن أتمدد على طاولة الفحص ،تناوبوا على رأسي ، يبدو أنه كان محور انشغالهم ، ثم أخذوا يتحدثون فيما بينهم غير عابئين بسؤالي عن حالتي ، وما لبثوا أن تركوا الغرفة ليتكسر بقايا السؤال على جدران هذه الغرفة الباهتة اللون .. صرخت في وجه الممرضة عندما أمرتني أن أتبعها لإجراء الصور بالأشعة ، لكنها قالت أن لا علم لها بالموضوع ، وأنها تنفذ ما يطلب منها فقط .. كنت طوال الوقت الذي سكنتني فيه هواجس شتى أطمئن نفسي بأن الأمر مجرد وساوس الأطباء وشكوكهم وافتراضاتهم الدائمة ما تلبث أن تزول و إن هي إلا لحظات حتى يتضح الأمر وأعود إلى المنزل .. مصافحتك .. ابتسامتك .. نظراتك ، كان كل شيء يوحي بأنني على وشك التخلص من هذا الكابوس الذي بدأ يهز أشيائي المتداخلة ، وضعت الممرضة الصور على الطاولة ثم انصرفت ، وما هي إلا لحظات حتى عاد الأطباء إلى الغرفة ، أخذوا يتفحصون الصور بدقة بالغة ، وهم يشيرون بأقلامهم إلى موضع معين ، هزوا رؤوسهم ..التفتوا إلي وراحوا يرشقون سهام نظراتهم في وجهي ، لا..لا تحديدا في جهة من رأسي ، تقدم مني سعيد ، وبعد تنهيدة قصيرة – يبدو أنها كانت عملية تحضيرية لما سيقول – أخبرني بصوت يبدو عليه الإجهاد ، أن شكوكهم كانت في محلها ، حيث أن الصور بالأشعة أظهرت ورما خبيثا في رأسي يجب استئصاله في أسرع وقت حتى لا ينتشر ويصبح من الصعب التحكم فيه ،وعندما حاولت بصوت واهن متقطع مرتعش طرح شكوكي واعتقادي بوجود خطأ ما في التشخيص ، هز رأسه بأسى ضغط على كتفي بيده ،ثم استدار عائدا إلى زملائه ليغادروا الغرفة تاركين الحيرة تنهشني ، والفكرة تزرع في داخلي خوفا غير محتمل . لا تزال سيارة الإسعاف تطاردني تنهش أذني بصوتها المفزع ، ما أزال أجري بلا اتجاه ، النظرات ..الأفواه المبتسمة..الأيادي تشير ..أحس بالوهن وبأن لا قدرة لي على الجري أو حتى السير ، هل حان وقت الاستسلام ؟ . ركبتاي ..كفاي على الأرض .. أنفاسي اللاهثة تستنشق الغبار المتصاعد ، هاهي سيارة الإسعاف تقترب مني أكثر فأكثر محافظة على سرعتها ، صوتها لا يحتمل إنها تقترب ، تقترب أحسست بيد تهزني من كتفي وبصوت يقول لي : ما بك يا أخي ؟ – نظرت إليه بذهول دون أن أستطيع أن أقول كلمة ، ثم تناهى إلى سمعي صوت أحدهم : – يجب نقله إلى المستشفى في أسرع وقت. هززت رأسي رافضا هذه الفكرة المشئومة .. انطلقت أعدو بكل قوتي وصراخي ملء حنجرتي ، ينبعث صوت الهاتف من داخل جيبي ، أتوقف مقطوع الأنفاس : – آ..ل..و.. م..ن؟ – أرجوك يا عيسى عد إلى المستشفى .

السابق
أرملة الحي
التالي
هديّتان

اترك تعليقاً