قصة الطفل

الفراشة الزرقاء

ركض الطفل خلف تلك الفراشة، عبثا يمسكها، ارتكزت فوق غصن منه قريب، همّ بمسكها ، فردت جناحيها المزدانين بدوائر زرقاء، وشّحها تزاحم الألوان، كلّ لون له مع ما يجاوره حدّ، إن رٱه جاهل لغة الألوان رأى تنافرا، ومن علمته الطبيعة لغتها رأى في التنافر اكتمالا، الطفل ما انتابه يأس من أمل صيد يراوده، والفراشة إن قصر عمرها في الحياة كبر حلمها في البقاء.
كفّها احتضن كفي، الأصابع تشابكتْ واختلطتْ، إبهامها ما انفك بحركته وتراقصه فوق أناملي يذكّرني بتاريخ احتضان كفّينا، صمتُنا وإن طال فثرثرة أجسامنا، وأنفاسنا، وعيوننا ما انقطعت، التصقتني، أسندتْ رأسها على كتفي، تدلتْ خصلة من شعرها على رقبتي تفلتَتْ من غطاء رأسها، ثوبها الأزرق النيلي داعبه الهوى، لامس زهرة أطلت من تحت كرسي الحديقة فتمايلتْ.
قالت: حبيبي. أدركتُ حين تقولها بهمس خالطه غنج أنوثتها السرمدية أنّها غرقتْ في حنين لما مضى، أو في شوق لحلم لم يتحقق في الحياة. ازدادت مني اقترابا، قالت: أودّ أن أكون كهذه الفراشة، حلمي أكبر من قصر حياتنا، وفرحتي لا يشوبها حزن، الحياة والجمال رداء ألبسه لا يعرّيني خوف الرحيل. قلت لها: وأنا أودّ أن أكون كهذا الطفل، صيدي الجمال وما حواه من سرّ الحياة، إن نلته حققتْ رحلتي مبتغاها، وإن خذلتني السنون ستقول: كان عاشقا للجمال والحياة. وقفا، الكفان ملتصقان، الأصابع متعانقة، ركضا فوق المرج بأقدام حافية، فكستهم نعومة النسمات حياة جديدة، وحلما يحاول بعد الفناء خلودا.

السابق
ندوب
التالي
تمرَد

اترك تعليقاً