القصة القصيرة

القبعة العجيبة

طلبتُ قهوة سوداء دون سكر. اشعلت سجارة، ولذتُ بكرسي في ركن قصي من المقهى، دون ان اشعر بالراحة، رغم اني بعيد عن الحي وحيث لايعرفني احد.! كنتُ مستعجلا مرور الوقت، لكن الدقائق كانت تمر علي بطيئة وتتفحصني مليا كعيون متعاقبة تشتبه في وجهي المتخفي وراء قبعة متدلية الحوافي ولحية كثة.! كنت استرق النظر الى الساعة المتباطئة في معصمي بين الفينة والاخرى، ومع كل نظرة يتسارع عقرب القلق في نفسي، وتتعالى تكتكة الشك في دماغي، واكاد اجزم انه سيخلف الموعد، فاوشك ان اعض اصابعي يأسا وحسرة.! كنت اظن اني سأتمكن اخيرا من حلق اللحية ورفع القبعة والمرور في الحي براس مرفوع، دون ان اضطر الى خفض رأسي وترصد أي موجة زحام لركوبها والتسلل في خضمها من غير ان استطيع رفع بصري والتطلع الى الوجوه مباشرة، فكنت اكتفي بجرجرة نظراتي المتوجسة بين الاقدام العابرة خشية ان تتعرف علي عين من احدى عيون بعض ساكنة الحي التي تسأل عني او يلحق بي احد من اصحاب الحوانيت الذين نفذ صبرهم علي.! لم اجد بدا من ذلك، بعد ان علقتُ بشع الديون كذبابة بائسة، ولم يجديني كل طنيني في تمزيق ولو خيط واحد من نسيجه، وصرت احسب كل صيحة علي دين بذمتي، وكل نظرة طلب بالسداد.! لهذا اعتبرته خلاصا نزل علي بردا وسلاما من السماء فجأة، ودون سابق معرفة، فلم اساومه على السعر الذي بدا باهضا، بل ضربت معه موعدا، واسرعتُ في البحث عن مصدر جديد لإستدانة المبلغ؛ وحين حصلتُ عليه، بعد ان تراكمت لدي خبرة مهمة في كيفية أكل الكتف كما يقال، هرولت الى المقهى لأحظى بالقبعة العجيبة اخيرا، واتنفس عبق التطلع الى الوجوه مباشرة دون خوف.! لكن فكرة مباغتة طفت على سطح دماغي، وملكتْ علي نفسي وانا انتظر قدومه الى المقهى، وبدتْ لي عمليةَ اصطيادٍ لعصفورين بحجر واحد : الاحتفاظ بسعر القبعة في الجيب، والحصول عليها في آن معا، إذ قررت ان اطلب منه تجريب القبعة قبل الدفع، كي اضعها على راسي واختفي عن عينه دون ان ادفع.! وهكذا لم انتبه لدخوله المقهى، إلا حين وضع يده على كتفي،والقبعة في يده الاخرى، ومن يستطيع ان يراه إذا دخل والقبعة على رأسه.!؟ طلبت له قهوة. اشعلت سجارة وناولته اخرى، دون ان تستقر نظراتي الخائفة من افتضاح نيتها المبيتة على شيء. لهذا لم استطع الصبر طويلا، وبادرت بلهفة الى طلب تجريب القبعة، لكنه ابعدها عن يدي، وقال بنبرة حازمة مصوبا إلي نظرة فيها وعيد مبطن:
– هات الثمن اولا.!
ومد إلي كفا عريضة.
– ألاتثق بي.!؟
قلتُ متصنعا الاستغراب والبلاهة.
– ألاتثق بي انت.!؟
رد بعصبية بادية.
– وانت ألاتثق بي.!؟
رددتُ ملتفا على الجواب، فرد بنفاذ صبر:
– أنا لاامزح.. ووقتي ثمين، لاأملك منه الكثير لأضيعه معك.! وهناك من يدفع ضعف هذا المبلغ لقاء هذه القبعة.!
قالها بطريقة اشبه ببصاق للكلمات في وجهي، وهَمَّ بالنهوض، لكني استمهلته بيد، فيما الاخرى اسرعت الى الجيب مخرجة المبلغ المتفق عليه. ناولته إياه، ومددتُ يدي الى القبعة العجيبة، لكنه خطفها مني ووضعها على رأسه، فاختفى عن نظري، وجمدتُ في مكاني فاغرا فمي.!!

السابق
فضيحة
التالي
غَفوَة

اترك تعليقاً