الخاطرة الطويلة

القبور الواقفة

فوق رأسك تنهد أسوار إرم، إرم ذات العماد، لم يخلق مثلها في البلاد، يعمها الفساد، فسادها في فساد، لا عماد، لا أوتاد، لا أولاد٠٠
إرم هباء، هود هباء، عاد هباء، ثمود هباء، هباء، هباء ٠٠٠
لا شيء أنت، قش هش في جبال قش تحترق، ذرة غبار تدروها الرياح٠
بين عمان واليمن كنت وكانت إرم، وبئس ما كنت، في غيك تعيث فسادا في صحراء العرب، عبث٠٠٠ أنت عبث٠٠٠ كلك عبث٠
صيحة عظيمة ترج الجبال، تزحزح القارات، منك تصم السمع، منك تخطف البصر، تمحو نقوش تيجانك٠٠٠ يخونك مالك، يتنكر لك بنوك، فيك من الموت رائحة٠
بزائغ نظراتك تمسح حصون وقلاع إرم والأبراج٠ تنزلق يدك من يد معشوقتك، تصد عنك دنياك، تنسى اسمك ٠٠جاهك، ولدك و قصورك، كنوزك هراء، يتساوى كل شيء وذرات الغبار،لا شيء في دنياك غير الغبار، غير الهراء٠
فمن تكون يا إرم الزمان؟
إرم بن هود، لكن من تكون في ملكوت الكون؟
كالطود تتهاوى، تنتف من جذورك كأقحوانة تعصف بها ريح صرصر٠ يتلقفك تراب غرفة باردة، كل ما تبقى لك من ذات العماد، تشم هواءها رطبا حزينا تفوح منه روائح خيانة أهل الدار، وعلى رأسك تقبع شمعة تحترق، تذرف دموعها ساخنة، وعلى مسامعك تنشد معزوفة الفناء والخلود:
أين الملوك ذوو التيجان من يمن// وأين منهم أكاليل وتيجان٠
أتى على الكل أمر لا مرد له // حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا٠
أين الملوك التي كانت مسلطنة// حتى سقاها بكأس الموت ساقيها ٠
وحدها تنوح، تبكيك، تبكي جاهك، كراسيك، تيجانك، ترثيك حاضرا/ غائبا، تعد أنفاسك، وتحصي ما تبقى من لحظات عمرك٠
من صدرك تنط نحنحاتك، همهماتك، نهنهاتك، تتقطع أنفاسك، تسعل، تكح، وتجر من أعماق صدرك حشرجات تؤلمك كأشواك زقوم ٠
أصوات مخيفة نشار تجتاح متاهات قفص صدرك، تخرج ممزوجة بسائل لزج من ربوع خيشومك، تمسحه رفيقة دربك بخرقة قطن بيضاء، وفي فاهك المفتوح عن الآخر تسكب قطرات ماء بارد، علها تنعش فيك ما تبقى من رمق الحياة٠
كمومياء محنطة، تشرد نظراتك، تلتصق بسقف غرفتك، تحصي عبر شقوق الزمن أيامك، وأنت ترى- بنظرات جامدة- إرم تنهار حجرة حجرة، وأنت ملفوف في قطعة قماش أبيض ناصع، لا تستطيع فعل شيء، وتنتشي بروائح الموت تعطر كل أركان إرم البئيسة٠
من هناك، من ركنك القصي البارد يفوح منك الموت، تدنو من تلك الحفرة، فتناديك :
– يا هذا، من تراب أنت ، تراب أنت، فعد إلى التراب٠
تختبر صبرك، وتجس نبضك، لكنك تتعلق بحياتك الفانية٠ مشلولا تمارس لعبة التخشب، وما أنت إلا خشبة، لعبة الرحيل بعد الميلاد:
تلك جدلية صراع الوجود والعدم، الحياة والموت٠
وقتها، يتصلب لسانك، تتورم أطرافك، فلا تشد إلا الفراغ، يتسع بؤبؤ عينيك، تستوي فيهما مساحات لا نهائية، وتتساوى فيهما كل الفراغات٠ تتشقق شفتاك، تصفر وجنتاك، وأنت تستعد لتغريبة روحك من جسدك، فتفقد إحساسك، شيئا فشيئا تخبو نارك:
قطرة عسل ٠٠٠قطرتان ٠٠٠ ثلاث قطرات٠ تندلق القطرات من شفتيك، ترتخي عضلاتك، تفقد السيطرة على مكابحك، تحوقل أمك وتحمدل، وتمسح دمعها وتغادر٠
تشعر بشجرة طلح تسحب بعنف من صدرك، و من حلقومك تجرجرا، وبدون لسان تتأوه، وبدون إحساس تتألم، لا أحد يسمعك، لا أحد يهتم بك، لا أحد يهمه أمرك، كلهم منشغلون عنك: يحضرون ما بعدك، وحدك تعيش وحشة الروح وغربة الجسد ٠
فهذا خادمك يجس نبضك، يتحسس حركة وريدك، يتعجل رؤية موتك٠ تسكنه رغبة جامحة في ممارسة السيادة بعدك، فينسى عشرتك الطويلة:
– ارحل، فأنت راحل، راحل، فأنا الحي أولى منك أنت الميت بالسيادة:
وينشد منتشيا معزوفة مصيرك ومصيره المحتوم آجلا أو عاجلا:
– كل ابن أنثى وإن طالت سلامته// يوما على آلة حدباء محمول٠
حينها، يلبسون الجلابيب والعمائم، فتصدح الحناجر بالإفتاء فيك:
– إكرام الميت التعجيل بدفنه٠
كلهم يتعجلون قطع أنفاسك تحت التراب٠ يتفتق أصحاب الحسنات كالنباتات الفطرية، تكثر الآراء، فينهشون كالكلاب لحمك، وأنت لم تسلم الروح بعد إلى باريها، لكنك لم تمت بعد، أنت وحدك تعرف ذلك، أنت وحدك تشعر بنبض قلبك، وبجسدك ما يزال ساخنا، ودمك فائرا، وجثتك لم تبرد بعد، وأنت مشلول الحركة، ثقيل اللسان، عبثا تتمسك بالحياة، فتصرخ:
– أنا ٠٠٠أنا ٠٠٠ أنا حي ٠٠٠أنا ح ٠٠٠ح٠٠٠ ح !
يحتك لسانك بخواء سقف حنكك، تترهل أعضاؤك: تلغو ٠٠٠ تثغو ٠٠٠ تصيح ٠٠٠تصرخ ٠٠٠ تستغيث، لا يبرح صراخك مسافة بلعومك الواهن، ويتلاشى في فراغ رهيب، كل الكائنات تسمعك إلا الأهل والولد٠
فأنت ميت، ميت اليوم أو غذا، حياتك بلا جدوى، فخير لك الرحيل:
وقال كل خليل كنت آمله // لا ألفينك أني عنك مشغول٠
بغيبوبتك تنتشي قلوب٠٠٠تحزن قلوب٠٠٠ تنفطر قلوب ٠٠٠وأنت ترغب في البكاء، لكنك متقطع النفس واهن النفس٠
في بركة ماء متجمد تنغمس إلى أخمص القدمين، جسدك ملفوف بالصقيع، ودموعك زجاج بلوري، كل شئ فيك فاقد الحركة إلا رموشك٠
– احملوا الجثة يا ناس، التعجيل بدفنها حكمة وحكم الشرع ٠
لا قواعد يحقون معرفتها إلا قاعدة دفنك ٠
– الخشبة لم تبرد بعد يا سادة.
بؤبؤ العين مفتوح كعين هرأو بومة علامة رحيل بلاعودة٠
كالمجانين يرفعونك على الأكتاف من ركنك الحزين، وأنت تحس وتشعر، لكنك عاجز عن حماية نفسك منهم، فهم متلهفون لطمرك إلى الأبد٠
على متن آلة حدباء ترقص فوق أكتافهم رقصتك الأخيرة :
رقصة الوداع الأبدي، رقصة الرحيل، فما لك من الرحيل بد٠
تسيل بسيولهم الأرض، ينقلونك من هنا إلى هناك، وبين الوجود والعدم ستائر من أكوام أتربة وصخور صلبة متراصة، يحكمون هندسة بنائها، يسدون كل الثقوب، يخافون عليك من نسيم الليل، أوأن تصاب بنزلة برد٠
بك يهرولون إلى أمك الهاوية، إلى بيت في جنة عدن، أوإلى سعير جهنم:
ريح وريحان، أو أشواك زقوم٠
فأنت ثقيل عليهم حيا موجودا، خفيف عليهم ميتا ممدودا٠
– تك٠٠ ترك٠٠ تك٠٠٠ ترك٠٠ تك٠٠ ترك:
إيقاع موحش: فرقعة أحذية أسيادك، طقطقة نعال أهلك، تكتكة أقدام رعاتك ورعاعك ورعاياك الحافية٠
يتقنون الهرولة، يحترمون طقوس الانتشار في الأرض، يستعجلون دفنك، و برودة الموت لم تطرد بعد الحرارة من جسدك٠ لكن لا تحزن، فكل مشيعيك مجرد مشاريع قبور، فكل ابن أنثى قبر واقف، حفرة متحركة إلى حين، مهما تطول سلامته٠
نحيب أهلك، عويل أرملتك، نواح أمك، زفرات معارفك، فوضى أصواتهم تخترق ترنيمة الرحمة، وتضيع في طلب المغفرة :
*مولانا نسعوا رضاك على بابك واقفين ٠
*لا من يرحمنا سواك يا أرحم الراحمين ٠
وتمتزج بروائح نقع خانق، يتزاحم المنافقون ، يتدافعون نحو رأس موكبك السلطاني، فأنت عريس الآخرة، يلتمسون إطراء أو مديحا أو أجرا عظيما٠
يتهادى نعشك، يتمايل، يترنح، يعانق الفراغ، تتلاعب به أكتاف حامليك، تسلم نفسك، لم تعد أنت منك، وتغيب في غيبوبة العدم:
لسانك بلا حروف، حلقك بلا ريق، جسدك بلا حركة ولا بريق، وقلبك بلا نبضات٠
يسلمونك لحفرتك الموحشة الباردة، تستسلم، فتسلم خدك للتراب وبرودة الجدار، تلفك ظلمة غير ظلمة دنياك٠ عبر مسام الأرض تصيخ السمع، آخر نعل يقرع و يغادر، تجد نفسك وحدك يا ابن أمي وأبي، إلا يدك، إلا قلبك، تنتظر مجيء الأزرقين:
ضربة مطرقة حديدية بين أذنينك ترجك، فتتبين أنه مثواك الأبدي٠
قبل أن تجف تربتك، تمطر النيازك الحارقة سقوف الأفواه الجوعى المفتوحة، تنهمر دموع الاحتراق، لا دموع الحرقة، فلا حرقة بعدك٠ قهقهات عالية تشق أجواء مأتمك، فهم الأحياء أولى منكم أنتم الأموات٠ تزول صورتك من القلوب، تمحى تماما، فتحكى حكاية حياتك القصيرة٠

السابق
بساطة
التالي
أركان وسنن وواجبات

اترك تعليقاً