القصة القصيرة

القداحة الحمراء

(1)

نعم يا((عاصف)) هذا هو طريق النضال فهو ليس معبد بالورود وهذه هي طبيعة الصراع الطبقي لطليعة البرولتاريا وأنت (طبعا ) من هذه الطليعة في صراعها ضد البرجوازية والبرجوازية الصغيرة حتى وان كانت حليفة بقيادة حزب البعث فالتحالف ليس إلغاء الصراع وهذا ما تقوله أدبيات الحزب والكراريس الحمراء .
كان يردد هذا مع نفسه وهو في السيارة التي تقله الى المحطة الأخيرة لتنقلاته من زاخو أقصى الشمال الى الفهود أقصى الجنوب عبر طريق ترابي متعرج تحف به المياه واكمات القصب من كلا جانبيه.
زادت هذه التنقلات من عزمه وفرحه إذ رمته وسط جمع أحبائه العمال عمال المصب العام في المغيشي وجمع من عمال البناء في الفهود لبناء معمل جديد للطا بوق هناك.
في ناحية((الفهود)) شارع يمتد إلى ناحية الحمار ثم إلى مركز قضاء الچبايش هذا الطريق ابتداء من قبة ( سيد نجف ) – آمل أن لا نستغرب من كثرة قباب وأضرحة السادة ومقامات الأولياء في هذه المناطق، عدد الأضرحة والقباب يتناسب طرديا مع حجم المآسي والآلام والبؤس الذي يعاني منه سكان الاهوار مما يدفعهم إلى أن يتمسكوا بأكثر من حبل للنجاة والشكوى فهمومهم لا يستوعبها ضريح واحد مثل سيد دخيل وفواده أم هاشم وسيد محمد وسيد بخور وسيد يوشع الذي يتمتع بقدسية كبيرة في الفهود وما حولها..و..و- غالبا ما تحيطه المياه من كل جانب مما يضطر المسافر أن يستأجر زورقا حتى الحمار وخصوصا أيام ارتفاع مناسيب مياه دجلة والفرات حيث تلتقي مياه النهرين هناك ويبدو واضحا الفاصل بينهما على امتداد الهور لاختلاف كثافة ماء دجلة عن كثافة ماء نهر الفرات فيبدو الفاصل خيطا رفيعا يفصل بينهما كحبيبين يحتضن احدهما الأخر حتى يلتقيا تماما ليذوب احدهما في الآخر في شط العرب انه وليدهما الأكبر . تظهر الفهود والحمار والجبايش عبارة عن چباشات كبيرة تحيط بها عدد من الچباشات الصغيرة تعتليها بيوت سكنة الاهوار المتناثرة على طول وعرض الهور يتم التنقل من احده إلى الآخر بواسطة البلم.
يوجد في الفهود مطعم واحد هو مطعم أبي جاسم المبني من الطين والمسقف بالبواري والذي لا يتوفر إلا على ألتمن واليابسة ( مرق الفاصوليا ) والسمك المقلي نظرا لوفرته في المنطقة
هناك قهوة أبو راجي وكاظم ( الوسخ ) كما يسمونه أهل الناحية وهناك بعض الدكاكين للبقالة والقصابة ومحل للصابئة الذين يتميزون بصناعة أدوات الزراعة البدائية ( المنجل والمسحاة والمذراة والكرك وأعوادها ) وهم يفضلون السكن على ضفاف الأنهار وحافات الاهوار ليكونوا قرب الماء الجاري المقدس لديهم والذي تجري بعض طقوسهم فيه كما هو معروف.
اغلب كادر المركز الصحي كان من خارج المحافظة من البصرة والنجف والسماوة وبغداد .
كان (عاصف ) يقضي بعض الوقت في مقهى أبي راجي نظرا لأريحيته ونظافته وحسن معاملته ومعرفته الواسعة بالمنطقة وتاريخها وسكانها.
لفت نظر ه في القهوة تردد رجل تجاوز الخمسين من عمره يعتمر ( جراوية ) بغدادية ودشداشة عربية ( وكَيوه ) يتكلم عربيه ( مكسرة ) ويتنكب مكنسته على طوال النهار يدعى(( كاكه حسن)).
خلال تكرار تواجدهم معا في المقهى عرف ( كاكه حسن ) إن عاصف موظف جديد في الناحية وعرف عاصف إن كاكه حسن يعمل ( كناسا ) في بلدية الفهود !! وهو من الأكراد المهجرين من كردستان بعد انهيار الثورة الكردية ضد نظام البعث عام 1975 على اثر اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران بواسطة المرحوم بومدين الرئيس الجزائري السابق .
على طول فترة مكوث عاصف في الفهود غالبا ما كان يشاهد عناق حميمي عنيف بين الكرد حيث يحتضن احدهما الأخر حتى يسقطا أرضا . وعندما استفسر من ( كاكه حسن ) عن هذه الظاهرة قال بألم ظاهر : –
كاكه هؤلاء الكرد من عائلة واحدة فرقتهم الإحداث ولا يعلم احدهم مصير الأخر عندما سفرتهم السلطة ووزعتهم على المناطق الجنوبية ووضعتهم في صرائف من القصب والبردي أعدت لهذا الغرض . وحينما يستقر احدهم في مكان يظل يسأل عن أهله وذويه وعندما يحصل على خبر وجودهم في احد المحافظات يقصده وهو غير مصدق انه سيجده حيا !!!
يسحب كاكه حسن كيسه المعلق في حزامه ليلف سيكاره من تبغه ( الممتاز ) الذي يعرف نوعياته جيدا ثم يلقمها ( سبيل ) غير مألوف الطول ليدخن سيكارته . شارحا إن هذا التبغ من النوع ( أبو الريحة ) هذا تتن مال كردستان العراق (( زور باشه )) ممتاز كما يصفه لصديقه عاصف ، شاكرا ما يقدمه له من هذه السكائر اللف لأنه كان يدخن أحيانا سكارة ( الباكيت)
سأل (( كاكه حسن))
هل أنت وحدك هنا ؟ أجاب بنعم دون أن يضيف المزيد ؟ وعن سكنه قال إني أبيت في مولدة الكهرباء ( وهي ماكنة سحب ماء محورة لتكون مولدة كهربائية تابعة لبلدية الناحية يتم تزويدها بالكاز والدهن من قبل الدولة ويشرف على تشغيلها وصيانتها عمال تابعون للبلدية )
والله كاكه إني ينام بصعوبة في الليل بسبب صوت (مكينة ) المزعج وقد حاولت إن احصل على سريفة((صريفة)) لأسكنها فلم يعطني مدير الناحية صريفة لأني لست ضمن عائلة ، ثم قطب جبينه نافثا دفعه كثيفة من دخان سيكارته وممسكا بقوة بساق مكنسته وقال متسائلا ؟ – الم يكن مدير الناحية خادم الشعب ؟ وانأ واحد من الشعب ؟
– (بوچيه) لماذا ما يعطيني سريفة إني لازم يخليه يعطيني سريفة ؟
يوما بعد أخر تعمقت علاقات عاصف مع ((كاكه حسن)) ويبدو انه أدرك بفطنته وذكائه وبتجربته انه لا يختلف عنه فهو منفي مثله وليس من أزلام السلطة .
من الملاحظ على كاكه حسن انه لا يلقي ( المكنسة ) من يده فهو لا يعرف معنى لساعات الدوام الرسمي كجندي في حالة إنذار دائم ضد عدو متربص كان عدوا لدودا للنفايات والأوساخ حيثما وجدت وفي أي وقت على طول وعرض الشارع ،الشارع الوحيد المعبد في الناحية ونظافته من مسؤوليته باعتباره الكناس الوحيد في بلدية الفهود
وذات يوم قال بعد أن سأله((عاصف)) عن المكنسة :-
هي بدايات توزيع وتقسيم العمل بين الرجل والمرأة هذه المكنسة من صناعة المرأة عندما اختصت برعاية الأطفال والحيوانات الأليفة في الدار مما تطلب الأمر منها إيجاد وسيلة تنظف بها الدار !!؟؟ وان المرأة لا تحصل على حريتها إلا عندما تتخلص من هذه المكنسة ، وها إنا امسكها في الشارع وهي في البيت فانا امرأة الشارع وهي امرأة البيت وكلانا تابع لمستعبد واحد ؟؟!!!
كثيرا ما تعتريه الدهشة حينما يصغي لكلام ( كاكه حسن ) كأنه فيلسوف يتكلم وليس ( كناس بلدية ) بائس !! وعندما استفسر منه عن الكتاب الذي قرأ فيه هذه المعلومة عن المكنسة ؟؟
– كاكه آني لا يقره ولا يكتب ؟!! لكن هذا ما يقوله العكل واشر بإصبعه على صدغه.. بابا هذا كلام يجي من هنا من هنا .. أي من العقل .
لا يصدق((عاصف)) ما يقوله ((كاكه حسن)) وهو يظن انه لا بد أن يكون مثقفا و منتميا إلى حزب يساري في فترة من فترات حياته فكل ما يقوله يدل على ذلك .
ثم يسترسل عاصف واصفا تفاصيل يومه وجولاته مع ((كاكه حسن)):-
كان( كاكه حسن) يرافقه في جولاته عصرا وسط ارتياب أزلام السلطة وحتى استغراب أهالي الناحية من هذه العلاقة الحميمة بينهما ،فعاصف موظف ( معتبر ) و(كاكه حسن)كناس بائس فما لذي يجمعهم ، كانا يذهبان مساءا صوب ( الروف ) عبر الشارع الترابي العتيق الذي يربط الناحية بمركز محافظة ذي قار .
يجلسان على الروف المطل على مسطح مائي على مد البصر .. ليرقبا حركة الأسماك وتراقصها قرب حافات الهور. يراقبان ويتمتعان بمراقبة طيور الماء وهي تسبح أسرابا غاطسه قافزة ناثرة المياه بأجنحتها في رقصة مسائية صاخبة مطلقة أصوات وزعيق كأنها حفلة عرس بهيج حيث يصفوا لها الجو في أحضان الهور بعد انسحاب الصيادين والرعاة إلى بيوتهم ولم يكن في حسبانها إن الإنسان ينصب شباكه وبترصدها مختفيا بطريقة ماكرة مخيفا عليها حتى رائحته حيث يقنص لها في مخبأ يسميه ( نوچه ) موقعها يكون عكس اتجاه الريح . فالصياد يعرف تماما من خلال تجربته إن الطيور الحرة لا تنزل مكانا تشم منه رائحة إنسان ويقولون إن الطير( يريّح) فيكون جلوسه واختباءه بحيث إن الريح تحمل رائحته بعيدا عن مكان تجمع الطيور فوق شباكه المموهة جيدا وهو يجلس منذ المساء لساعات طوال دون إن تنم عنه أية حركة أو صوت وإلا فقد كل شيء لو أحست بوجوده وضاع جهده هباء، وهو بمكره يرمي لها حبوبا شبه مطبوخة في منطقة معينه بقدر محيط شباكه المنصوبة في الماء لأيام عدة تسمى (الدوشه) ويتركها لتأمن للمكان وتتجمع أسرابا تزداد يوم بعد يوم لالتهام الطعم الغزير في هذه المنطقة المفخخة دون سواها وفي أوج كثافة تواجدها الذي يجزره الصياد من أصوات زعيقها ويميز أنواعها- الحذاف، البربش، ابو بسيله، ابو دريغ، الغويصي، دجاح الماي،البط، الزروكَي…الخ- وحتى عددها التقريبي في الشباك، عندها يضرب الصياد ضربته لتطبق شباكه عليها على حين غرة وبعد إن يوثق رباط شباكه يبدأ الإمساك بها وكسر أجنحتها((يشچلها)) ورميها في زورقه المعد لهذا الغرض وسط زعيقها ومحاولتها اللامجدية للخلاص والهرب هذا مار واه لعاصف (أبو راجي) حول طريقة صيد الطيور في الاهوار وهناك طرق أخرى كاستخدام الزهر أو الصيد ب((الشوزن )) وغيرها من حيل وابتكارات الإنسان لتامين طعامه.
يغط الصديقان في صمت طويل كمسحورين وهم يراقبان مغيب الشمس عند الغروب ،يبدأ باقتراب قرص الشمس من سطح الماء رويدا رويدا وكلما اقترب ازداد حمرة تبدو في أوجها عند تماسه مع سطح الماء في لحظة عناق كالقبلة الأولى لعذراء قروية تخوض تجربة الحب لأول مرة فتحتقن خدودها حمرة خجلا وهي وسط فرجة كل كائنات الأرض ممزقة أردية الخوف والوجل بفعل دافع الحب وتأجج نيران العشق فيتحول كل وجهها إلى قرص احمر لترمي برأسها بين ذراعي حبيبها مجللة رأسه بشعرها الذهبي فيصطبغ سطح ماء الهور بأحمر شفايف الشمس العاشقة النازلة من علياء كبرياءها في كبد السماء لتغوص في أحضان عشيقها يرافقها عزف سيمفونية الغروب الساحرة لنقيق الضفادع وزعيق الطيور ورفيف أجنحتها وتمايل أعواد القصب والبردي مباركة هذا العرس الأزلي العظيم مصدر الحياة وسر استمرارها وتجددها .
لا يعودان من سكرتهما ولا يحسان بوجودهما إلا عندما تختفي الشمس ونورها الوهاج بعد إن استقرت في مخدعها المجهول المحمل بكل الغاز وعجائب وإسرار الطبيعة لتبد أ نجوم السماء وقمرها الفضي الأخاذ نوبة حراسة مخدع الحبيبين وعرسهما المتجدد منذ الأزل .لا تغمض عيونهن إلا بعد أن تتثاءب العروسة ناشره نورها الذهبي عند الفجر، مقبلة وصيفتها نجمة الصباح الوضاءة شاكرة لها حسن حراستها ورعايتها لتصطبح بوجوه العمال والفلاحين والصيادين شهود يقظتها كل صباح مباركة لهم سعيهم من اجل جمال وكمال واستمرار الحياة على سطح الأرض أمهم المعطاء .
ما إن يسترد ((عاصف)) وعيه بعد هذا الخدر المبهج الخلاب حتى يدخل في عالم أساطير وحكايات( كاكه حسن) وهو يقص حكايات كاوه الحداد والملك الضحاك مرددا بعضا من أقوال وحكم كردية قلما افهم ما يقول و هو يحاول أن يفهمه مضمونها مثل (( إذا لم تكن وردا لا تكن شوكا ) و( قال غراب لغراب أنت اسود )) .
وذات مرة سأل كاكه حسن – ما الذي شغل جلجامش عن إكسير الحياة بعد إن حصل عليه فسرقته منه الأفعى وبذلك ذهب جهده وطموحه وأمله في الخلود هباء ثم ضحك متهكما مذكره بمثل عربي مشهور ( رب ضارة نافعة ) .. نعم فلربما كان قدري بالنفي إلى موطن ((كَلكَامش)) أن استرد أكسير الحياة من جوف الحية السارقة فهي بالتأكيد لم تزل تعيش في وسط هذه الاهوار وبذلك أعيد للبشرية حلمها العظيم وجنة عدن المفقودة حيث أن هذه الأرض هي موقعها كما يذكر أهل التاريخ؟؟نعم ويعيد الجنة والسلم والمحبة للناس جميعا كردي منفي مراقب لا يملك شبرا من ارض وطنه ولا مسكنا يؤويه ، لا لذنب اقترفه سوى انه يحلم في أن يكون لامته الكردية المقطعة أوصالها بين الأمم وطن مثل كل أمم وشعوب العالم صغيرها وكبيرها .. لا لذنب اقترفته ولكن لأنها الأمة الوحيدة التي لم تغزِ أحدا ولم تغتصب ولم تضطهد أي شعب من شعوب العالم لا في التاريخ القديم ولا الحديث وإنها لم تصطف مع الإمبراطوريات والقوى الكبرى لتكون مطية لها ضد الشعوب الأخرى لذلك كان قدرها الضياع والظلم والتجزئة حتى في عصرنا الراهن عصر الحرية والديمقراطية كما يدعون !!
ثم يستل كيس تبغه ويبرم على عجل سكارة يلقمها غليونه ويولعها بقداحته الحمراء فريدة الشكل والنوعية التي لم يَر مثلها ((عاصف)) سابقا ولا يعلم من أين جلبها ((كاكه حسن)) الذي يقول أنها الإرث الوحيد الذي تركه له والده الذي ورثها عن جده وجده عن جده وإنها لم تشتعل في أيدي غير أيديهما إلا بأمر منهم وقد حاولت أن أجربها ظنا مني انه كان يسخر مني ولكنها فعلا لم تشتعل رغم محاولاتي العديدة، فأخذها من يدي ضاحكا وتمتم عليها بما لا اعرفه ثم أعادها إلي قائلا:-
الآن أشعل بها ما تريد فقد أصبحت أنت مثلي تأمرها فتستجيب كأنك احد أفراد العائلة التي تملك وحدها سر إشعالها فقداحتي هذه لا تستجيب إلا لمن كان من السائرين على خط جدنا الأول كاوه الثائر وهي تقدح شررا يحرق وجوه المتخاذلين ومناصري الظالمين والمستبدين حينما يحاول قدحها فزيتها من دماء شهداء العدل والحرية !!!.
يستمع((عاصف)) بانبهار ومزيدا من الشك فيمن يكون هذا الكناس أو هذا المنظر والفيلسوف الكبير المسحور في لباس كناس بائس ؟؟!!
يكتم تساؤلاته /يعودا أدراجهما ككل يوم دون أن يشعرا بتعب سائرين وسط ثغاء قطيع الأغنام والماعز وقفزات الجراء الصغيرة الفتية المعافاة وهي تستعرض حركاتها البهلوانية أمام سيدها راعي الأغنام عسى أن يكافئها بمزيد من أرغفة الخبز وفضلة من عظام الطيور والأسماك الأكل المعتاد لسكان الاهوار الذي يمتهن اغلبهم مهنة الصيد ورعاية وتربية الجاموس .
يودع كاكه حسن ليتناول طعام العشاء في مطعم ( أبي جاسم ) ثم مقهى أبي راجي فدار العمال كان هذا الأمر قبل أن انهمك في العمل ( الحزبي ) الذي يكاد محضورا آنذاك في ناحية الفهود رغم وجود التحالف الجبهوي بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي .
كثيرا ما كان يتسلل من المدينة متخفيا بزي عربي صوب احد ( الرفاق ) في(العمايرة ) أو احد الأكواخ المعزولة وسط الهور فيتم نقله إلى هناك بواسطة زورق يكون بانتظاره في مكان محدد على حافة الهور . ليدخل هنا في عالم أشبه بعالم الكهوف أو عالم سومر القديمة وسط اهوار الحمار جالسا وسط عدد من الفلاحين والصيادين وخليط من طيور الخضيري والبط المدجنة وأحيانا يشاركه جلستهم دون حرج واحد أو أكثر من الخراف و ينبطح مبحلقا في باب الكوخ أكثر من كلب يتدفأ من نار الموقد الذي يجتمع الرفاق حولها في الشتاء . بعد التحية والله بالخير يبدء يشرح لهم النظرية الماركسية وفائض القيمة وحتمية انتصار الاشتراكية ونظرية التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية عن طريق توثيق عرى الجبهة الوطنية التي كانت سائدة في مواضيعهم الثقافية آنذاك .. يسهب أحيانا في شرح ذلك لفلاحين أمّين ،لا يزيدون على هز رؤوسهم بنعم رفيق … صحيح رفيق… صار رفيق !!؟؟ كان العديد منهم يتغيب أو يختلق الأعذار لعدم الحضور كيلا يتعرض للإحراج عندما يسأل عن عدد أصدقائه أو من استطاع أن يرشحهم للحزب ؟ أو عند موعد جمع الاشتراكات والتبرعات الشهرية من الرفاق والأصدقاء؟؟؟ .
حينما يلتقي ((كاكه حسن)) في اليوم التالي لا يسأله أين كان ولماذا لم يكن في مقهى(( أبي راجي)) عند ألعصر ولم يرافقه كالعادة إلى الروف وكأنه يحدس من حيث لا يدري انه يمارس عملا شبه سري ولم يدور في خلد بعضهم أن يسال الأخر عن انتماءه السياسي أو مذهبه ولأي حزب ينتمي.
في يوم 21-3-1976 افتقد كاكه حسن حيث لم يجده في مقهى ((أبي راجي )) وقد انتابه القلق بعد أن سأم الانتظار إذ قارب المساء أن يحل دون أن يأتي إلى المقهى . وبعد إن سأل أبا راجي إن كان قد شاهد ((كاكه حسن)) اليوم ؟
فأجابه بأنه لم يجلس اليوم في المقهى بل مر متنكبا مكنسته وهو يرتدي شوالا جديدا وتوجه صوب الروف ؟؟؟ مستدركا فقد يكون ذاهبا لزيارة احد معارفه أو أقاربه من القرد في الرائف المتناثرة في الناحية وربما لعرس فلأول مرة أراه يلبس شروال.
سلك((عاصف)) دربه المعتاد عليه كل يوم وكلما اقترب ترآى له ( (كاكه حسن)) وهو يدور فوق الروف ولما أدركه متسائلا ومستغربا فعله . توقف لحظة وهو يأمره – كاكه (( عاصف ))اجمع أعواد القصب والبردي اليابس بسرعة بسرعة وكومها هنا هنا بسرعة فقد حل علينا الظلام ؟؟
وفي حالة ارتباك واستغراب فعل مااراد وسأله ماذا يريد بهذه العيدان ؟؟
أشعل بيها نار.. أشعل نارا ، ناوله قداحته الغريبة الحمراء وبعد إن أشعلت النار بهذه القداحة الغريبة الشكل والاستعمال والتي اشتعلت هذه المرة من القدحة الأولى !!!

امسك بيده وبدء يضرب الأرض برجليه ويهز كتفيه فشاركه الدبكة الكردية الرائعة بعد إن عرف انه يحتفل بعيد ((نوروز)) العظيم . رقصا ورقصا حول نار نوروز الملتهبة وأحسسنا إن كل الطيور والخضيري والبط واسماك الهور شاركتهم فرحتهم وان ذؤابات القصب وعرانيص الخريط الصفراء وزنابق الماء الحمراء تتمايل وتهتز طربا وكأنها تشارك السنديان والجوز وفرحة قبج كردستان بهذا اليوم الجميل الذي يدعو فيه ((كاكه حسن)) الى وجوب أن يكون هنا ((كاوه )) مال اهوار وقد ومضت في ذهن((عاصف)) فورا صورة (( خالد احمد زكي)) كاوه وجيفارا الاهوار.

(2)

بعد عدة أيام من رقصة عيد نوروز النارية الجميلة . هبت ريح صرصر عاتية وأمطار غزيرة مع رعد وبرق بشكل مفاجئ مساء يوما آذاري كالعادة في مثل هذه الأيام من شهر آذار (شهر الهزاهز والإمطار) كما يقول أهلنا وقد أعلمني بعض الرفاق الصيادين بأنهم يتوقفون عن النزول إلى عمق الهور في مثل هذه الأيام خوفا من الضياع والغرق فقد ابتلعت الاهوار الهائجة العديد من الصيادين مع زوارقهم وعدد صيدهم وكأنهم قرابين يقدمها الهور إلى آلهة الماء والنماء لشد عزيمتها في صراعها مع آلهة الريح والسماء حيث أنين الريح العاصف كعواء ذئاب مجروحة وسيل إمطار غزيرة وأصوات الرعد كصوت طبل بسعة وحجم السماء تضرب عليه بعصي عملاقة عفاريت وشياطين غاضبة لإرهاب بني الإنسان وسط تطاير شرر البرق من عيون آلهة النار والدماء متوعدا باحراقق الأخضر واليابس ويجفف الأنهار الاهوار تحديا لآلهة الأرض الإنسان الذي يسعى ليكون ألها .
لم يستطع إن يرى(( كاكه حسن)) طبعا في ذلك اليوم الممطر العاصف ولكنه أحس بقلق شديد عليه ربما كان مصدره تصوراته لحال الاهوار في منامه وكوابيسه حيث رأى (كاكه حسن) وهو يصارع الأمواج والأفاعي العملاقة في جوف الهور الهائج مما دفعه للخروج في اليوم التالي وكان يوما ربيعيا مشمسا كأنه ينبئك بان الهور بطيوره وأسماكه وقصبه وبرديه مبتسما يسخر من طيش وحماقة آلهة الريح والبرق والمطر في تحديها للآلهة الماء والنماء فقد قهرت وعادت بالخيبة والخسران بينما ازدادت الاهوار والأنهار امتلاءا واتساعا وازداد القصب والبردي سحرا وجمالا بعد أن استحمت في مياه الإمطار الغزيرة فاغتسلت وتخلصت من كل غبار وعوالق الخريف والشتاء كأنها أفواج أطفال تطفح وجوههم بالبشر والصحة والسعادة فرحين بملابس عيد الربيع الجديد.
لا يوصف في مثل هذه الأيام منظر ارتعاش ذؤابات القصب وعرانيص (الخريط) وهي تهتز فرحا حينما تمس سيقانها الملساء البيضاء الناعمة الطرية شفاه الأسماك الحمراء لتطبع عليها قبلات الحب والألفة والمودة وهم يعيشون معاً منذ الأزل في رحم هذا الهور الواسع كحضن أم عطوف وهي تتواصل مع أبناءها كل إحياء الأرض من إنسان وحيوان. وكيف إن الريح تعصف في الخريف لهز جذوع الأشجار وهي تنحني مودة وإجلالا لها حيث انتخت لتخليص أغصان الشجر من أوراقها الصفراء التي أصبحت تثقلها دون فائدة ثم تغتسل بماء المطر طيلة الشتاء لتحتضن براعم خضراء وزهور الربيع القادم.
قصد الماكينة فلم عثر عليه في مقهى أبي راجي قائلا مع نفسه:-.
ربما لم يزل الوقت مبكرا على تواجده في المقهى …ولكني صدمت حينما عرفت من عمال المولدة إن كاكه حسن لم يبيت ليلته في مبنى الماكينة لأول مرة منذ أن أتى للفهود وإنهم في حيرة من أمرهم هل يخبرون الجهات الأمنية التي إمرتهم بمراقبته أم ينتظرون مجيئه؟؟؟ فمن الصعوبة التستر عليه فربما هرب عائدا إلى الشمال من يدري؟؟؟
ازداد قلقه ودارت في رأسه أفكار خطيرة ومثيرة وأخذت يستعرض مشاهد وصور كوابيس ليلة أمس….. سال عنه كل من صادفته على امتداد الشارع الذي ينتهي عند ((بنكَلة )) السمك عند حافة الهور من الجهة الغربية للمدينة دون جدوى . ولكن عند وصوله البنكَلة أجابه على استفساره احد الصيادين قائلا:-
انه استغرب كثيرا لوجود كاكه حسن على حافة الهور في مثل هذا الوقت ولكني كما يقول الصياد انشغلت عنه بجمع شباكي وربط البلم تحت وابل من المطر ولفح الريح العاتية ولم اعرف سبب وجوده ولا ما حصل له بعد ذلك؟؟؟
هرع مصطحبا معه الصياد داعيا الجميع إلى مرافقته كمن يجمع الناس ل((فزعة)) إلى المكان الموصوف عله يستطيع أن يساعد (كاكه حسن) في صراعه مع الأفاعي في بطن الهور لاسترداد عشبة الخلود وكأنه يعيش كوابيس الأمس في الواقع وليس في الحلم ؟؟؟
لم يعثروا على ((كاكه حسن))ولا على الزورق بل أستقبلهم الهور بوجوم وسكون وصمت غريب كأنه مع كائناته يقف لحظة حزن عميق !!!!
عثروا على مكنسة ((كاكه حسن)) مربوطة بسلسلة البلم وقداحته الحمراء ،التي لم تزل عند((عاصف)) بالحفظ والصون حرصه عليها لم يدانيه حرص على أي شيء آخر، وهو لا يعلم لمن يسلمها لأنه لم يتعرف على احد من عائلة ((كاكه حسن)) رغم بحثه المضني عنهم؟؟؟!!!.

السابق
وحيد
التالي
مدينة الراحلين

اترك تعليقاً