مقالات

القصة القصيرة جدا الحداثوية

تتعدد أشكال الكتابة في القصة القصيرة جدا بتعدد أدوات كتابها، وقدراتهم الفنية، وما يمتلكه القاص من مهارات وتقنيات تمثل بصمته الخطابية في هذا النوع القصصي. وليس خافيا على أحد ما وصلت إليه القصة القصيرة جدا من تكامل في بنائها الفني، واتضاح لمعالمها التي ترتكز على عناصرها الرئيسة منها والثانوية ، والتي تمثل أبرز مكونات القصة القصيرة جدا.
ومن الجدير ذكره أن هذا النوع القصصي ليس سهلا كما يتصوره البعض نتيجة صغر مساحته الكتابية، بل يكاد يكون الأصعب في فنون السرد القصصي، مما يجعلنا أن نقول بأن القصة القصيرة جدا ” قصة نخبوية “، فالنصوص المميزة التي تلم بتقنيات هذا الفن، وتنفتح على تأويلات متعددة ترسم في مضمونها مساحة واسعة بين ذهن المتلقي وظاهر النص، فالنص الحداثوي مبني على بعدين ( خارجي – داخلي )، ( ظاهري – باطني ) معتمدا بذلك على أقصى درجات التكثيف التي من خلالها انفردت اصطلاحا ب ” جدا “، واعتمادا على الشعرية الغالبة على مضمون النص، فالقاص الحداثوي يبتعد كثيرا عن السرد المباشر، والسرد التقريري، والاخباري، ويرتكز على الرمزية التي تفتح أفق التأويل الذي يستشعر القارئ من خلاله ارتباطه بالنص من خلال مايراه من معنى يختلف من متلقِ إلى آخر، كل حسب ما تذهب به رؤيته لفك تلك الرمزية.
لذا فإن النص الحداثوي غير ال ” مطلسم ” يصنع مفاتيح الولوج إليه من خلال ما يتمتع به القاص من مهارات، وبما يمتلك من مقومات التلاعب بالمفردات وتسخيرها في جملها اللازمة لبناء الحدث، وربط أجزاء النص بدءا من العنونة وصولا للدهشة والمباغتة في الخاتمة.
فالنص الحداثوي نخبوي بامتياز ( عمودي – عمودي ) بمعنى أن هذ الشكل الكتابي لا يجيده سوى النخبة من القصاصين، ولا يجرؤ على الإبحار في تفكيكه سوى النخبة من النقاد، ولايستلذ في قراءته سوى النخبة من القراء.
أخيرا.. يكتسب النوع القصصي بقاءه من خلال الاستمرارية واتساع رقعته، والتهافت عليه، وهذا ما لمسناه بوضوح جلي من خلال كم الإصدارات التي شهدتها الألفية الثالثة والتي انتقلت بالقصة القصيرة جدا إلى أوجها بعد مراحل متعددة من التجريب و التجديد، ولن يغيب عنا أن نذكر – في هذه الجزئية – أن الكم المشار إليه آنفا قد لحقه قليل من الاسفاف ممن اعتقد سهولة كتابة ال ق ق ج فانبرى لإصدار خواطره وقفشاته الصغيرة جدا أو قصصه الطويلة تحت هذا المصطلح.

السابق
ما بعد العصف
التالي
حُمق

اترك تعليقاً