القصة القصيرة جدا

القضبان العارية..

رقعة شبه مربعة ,يحيط بها خمسة و ستون قضيبا من الفولاذ,أرضية مخضبة بالدماء بعضها جف و اسود تاركا آثار حكايات مضت و أخرى مازالت تنوح و تصرخ، و الإسمنت يبتلعها في صمت..في مكان ما، هناك قلب ينبض ببطء و أنفاس تتردد متقطعة ,متأوهة …السجين رقم مئة و ستة و ستون ذاك هو اسمه له جرم مشهود، ضبط متلبسا ..لم يقتل..لم يسرق و ما نهب..حمل قلما .لم يقل فليسقط النظام..لم يقل فليسقط العرب…قال حرية..حرية.. ستون يوما بين تعذيب و تجويع و تنكيل مازال السجين صامدا يردد”حسبي الله و نعم الوكيل”. الوقت يمر متثاقلا كسجان يخنقه بكفين غليظتين, و أنين قطرات الماء من بعيد يضغط على أعصابه ومن حين لآخر يضج المكان بنباح كلب أو صراخ أسير.وحده في زنزانته يطوقه صمت المكان, يتجرع ألمه حتى الثمالة,ظلمة رهيبة ترسم أمام ناظريه أشباح يخالها من خوفه جلاديه، فيجن..يجري نحو القضبان الصامتة صارخا : أخرجوني من هنا…أخرجوني..” يتردد صدى صوته في الأرجاء و يعود إليه خائبا حسيرا ..لا حياة لمن تنادي,,لا قلب لمن تنادي… من بعيد ترامى إليه وقع أقدام ثقيلة وصرير الأبواب الفولاذية تفتح ثم تغلق, تململ في مكانه يعد الخطوات التي تقترب منه, تملكه الخوف، فهرب إلى إحدى الزوايا الفولاذية و انكمش على نفسه يستمع لنبضات قلبه المتسارعة، تراها آلة التعذيب عادت من جديد.. بدأ النور يكتسح المكان شيئا فشيئا حتى احتله,فظهر عند الباب أربعة جنود ألف وجوههم في جلسات الاستنطاق القهري، فتح أحدهم الباب فدخلوا متتابعين فاصطف إثنان منهما على اليمين و الآخران على اليسار، ليظهر من بعدهم وجه جديد لا يعرفه. لباسه مغاير، على كتفه أربع نجمات ذهبية , ينطق من بذلته المكتنزة بحجمه غرور زائد عن حده .تقدم أحد العساكر ناصبا وسط الزنزانة كرسيا خشبيا, بخطى ثابتة تقدم صاحب النجمات الذهبية وئيدا حتى تربع عليه في خيلاء رفع قدمه اليمنى ليضعها على ركبته اليسرى في هدوء, أخذ نفسا عميقا و هو يرسم ابتسامة فاترة على ثغره, تفحص المكان بعينين باردتين ثم أشار بسبابته إلى أحدهم فاندفع نحو السجين لف قبضته حول ذراعه, وهزه هزا عنيفا و بقوة انتزعه من الأرضية التي ألصقته بها رهبة الموقف و أركعه تحت قدماي الرجل و هو ينهره “اجلس يا كلب” , بإشارة أخرى كف الجندي عنه وابل الشتائم و تراجع بضع خطوات إلى الخلف في خضوع تام. رفع السجين عينيه نحو الوافد الجديد في تحد، في انتظار أن يصرخ في وجهه :
لحساب أي جهة عميلة تعمل؟ هل أنت شيوعي؟.. هل أنت إخواني؟ هل أنت سلفي؟ هل أنت من أتباع القاعدة..؟…
لأجابه كما أجاب من سبقوه : “ما أنا بسني و لا شيعي و لا سلفي، أنا إنسان يريد الحرية..”لم يسأله, تأمله كثيرا ثم أخرج من جيب سترته ورقة و قلما..تعجب السجين و طافت به الهواجس تلتهم ما بقي من أعصابه المتلفة من الإنتظار المضني. ناوله الورقة و القلم و الإبتسامة الفاترة مازالت ملتصقة بوجهه متبجحة, خنق انفعاله بصعوبة و تناول الورقة في هدوء مصطنع، قرأ ما عليها, تبسم ضاحكا وهو يحملق في وجوههم بوقاحة ثم مزقها ورمى أشلاءها في وجهه قائلا بثبات:
-ما أنا بخائن.. فافعلوا ما تؤمرون… !

السابق
تملك
التالي
ثورة

اترك تعليقاً