القصة القصيرة جدا

القطار

ابتعت صحيفة ” لوموند ” , ومجلة رخيصة واسعة الانتشار مخصصة لاستطلاع الأبراج والنجوم واستشراف المستقبل , استخدمها للتعارف إذا صدف وجلست بجواري فتاة فرنسية يانعة وتعاني من وطأة الضغوط النفسية التي يخلفها العيش في المدن الكبرى ” كباريس ” مثلاً .
وجدت أن لدي نصف ساعة على قدوم قطاري , فقررت التجوال والتفرج على أصناف البشر الذين تعج بهم محطة ” قاردي ليون ” .
اكتظت المحطة بالمسافرين والمودعين والمستقبلين ؛ كان المودعون باكين والمستقبلون ضاحكين ولكنهم جميعاً يحملون باقات الزهور .
متحف حي من البشر : أفارقة متفرنسون ، إيطاليون بأصواتهم المرتفعة .. أمريكيون ” بالجينز ” وشطائر ” الهامبرجر ” ..اسيويون بقاماتهم القصيرة وردود فعلهم البطيئة وعيونهم الضيقة التي تكاد تختفي حين يبتسمون .
قرأت بلوحة الإعلانات ” الالكترونية ” رقم الرصيف الذي سيحط به قطاري فاتجهت نحوه ووقفت في المكان المخصص لركاب الدرجة الثانية , وقفت بجانبي عجوز أنيقة وبيدها باقة زهر.
سألتنى : لقد تأخر القطار عن موعده , أليس كذلك ؟.
أجبتها : يبدو أن ثمة خطبا ما .. هل تنتظرين أحداً ؟.
قالت : إنني بانتظار ابني .
– هل هو قادم من ” بيزانسون ” ؟
– كلا .. من الجبهة .
استفسرت : أية جبهة ؟
قالت : من ألمانيا .
– ولكن هذا الرصيف مخصص للرحلات الداخلية .
قالت : اعتدت أن استقبله هنا .. سيأتي إلى هنا .. إنني متأكدة .
أردت تزجية الوقت فاسترسلت معها بالكلام .
– ولكن .. ولدك .. أعني ماذا يفعل في ألمانيا ؟
قالت : أنه مجند بالجيش , ومعسكره بــ ” ستراسبورج ” , ذهب لإسقاط الحكم النازي .
سألتها : أي حكم ؟
– إنه يحارب لإسقاط ” هتلر ” .
قلت لها موضحاً : ولكن ” هتلر ” هذا انتهى حكمه منذ نصف قرن .
أجابت : كلا ، ابني يشارك في الحرب وسيعود .. إنني متأكدة سيعود .. ولذا أنا هنا ، طاب يومك.
تركتني حين سمعت هدير القطار القادم .

السابق
ربيع العرب
التالي
فنان تشكيلي..

اترك تعليقاً