القصة القصيرة

القلم

في بيت المباديء الاخلاقية السامية ، الذي كان موكر المعارضة التي ماانفكت تطالب بالتغيير واصلاح المجتمع تربى قلم مبدع حاذق وشجاع ، تلقى علومه بين احضان استاذه الضمير الانساني الحي الذي كان معجب به كثيراً لدرجة انه عقد عليه الامل المنشود في تبني قضية الانسان من خلال تجسيد المباديء الاخلاقية السامية التي قد تفقد قيمتها ان لم تجسد على ارض الواقع
القلم وبسبب الظروف الاجتماعية والبيئية التي ترعرع فيها اكتسب فكراً تنموياً وتطورياً مميزاً واتجاهاً خاصاً منطلقاً من تلك المباديء السامية والضمير الحي ، فهو لايقدم على اي عمل الا واستعان بأحدى نصائح الضمير التي صارت المصباح الذي ينير له طريقه .
مرت السنون ، واشتد عوده ، فتسلح بالعلم والارادة ، وعندما اطل اطلالته الاولى من خلال بيت المباديء الى المجتمع هاله ماشاهده ، لانه لم يكن يتصور حجم الدمار والفساد الذي اعترى المجتمع رغم سماعه الكثير عن اخباره السيئة ، ومازاد استغرابه اكثر وذهوله الاعداد الهائلة من الاقلام التي انتشرت في كل مكان والتي تعالى منها الضجيج والضوضاء وهي تتقارب وتتباعد وكل منها يدعي بأنه مصلح وانه جاء لانقاذ المجتمع ، احوالهم وكثرتهم تجعل الناظر يلتفت اليهم متناسياً حالة المجتمع الذي يستغيث تحتهم وهم مشغولون بكل شيء الا به ، يعملون بحماس كبير وثرثرة اكبر ويهيئون ارض المجتمع ويغرسون مبادئهم وافكارهم بجدية ، لكن القلم لايرى امامه الا ارضا قاحلة متصخرة ، وقد نشف ماؤها ، لكنها وكما تبدو اصبحت صالحة لنمو الاشواك والشجيرات السامة التي انتشرت في كل مكان وخاصةً تلك التي لها جذور تاريخية عميقة ، تساعد على نموها بسرعة هائلة . ولكن مايثير الاستغراب اكثر والاستذكار ايضاً ، انهم ورغم ذلك كله كانت وجوههم تنبعث منها نشوة الاحساس بالنجاح على هيئة فخر واعتزاز وثقة بالنفس تجعلهم يرفعون اعناقهم الى السماء التي امتلاءت بعواصف هائلة من التصفيق ، منشغلين بهذا الصخب الى درجة لايستطيعون ان يديروا ابصارهم الى ارض الواقع ولو للحظة ويفتشوا عن فشلهم ، بيد عندما كان القلم ينظر الى وجوههم المعلقة فوق اعناقهم ، اكتشف انها كانت تشبه الى حد بعيد وجه الاسكندري والسروجي ، لذلك راح يبحث بينهم عن عيسى والحارث فلم يجد احداً منهم ، يبدو ان كثرة اشباه الحرباء اخفت قلتهم ان كانوا موجودين اصلاً .
احس القلم بالغربة والضعف لحضات ، لكنه سرعان ماتذكر المفاهيم التي تلقاها وهو بين احضان الضمير الانساني الحي والتي كونت شخصيته
– ان صوت الحق سوف يعلو وان تعالت اصوات الاباطيل وكثرت ، والنتائج دائماً على قدر سمو الاهداف
ازيح القلق الذي راوده واستمر يجيل بصره في ارجاء المجتمع ، رفع رأسه بأتجاه عواصف التصفيق الهائلة فوجدها متجمهره وملتفة حول وجه خرافي ، ظنه بالبداية قطعة من الشمس ، كون من الرقة والفتنه واللذة ، طلت من وسط العاصفة والصخب بوجهها الذي يأسر القلوب ، بيد انه وكما يبدو لايأسر كل العقول ، فقد ادار القلم بصره عنها وهو يتذكر استاذه الضمير الذي اخبره عنها وحذره منها ،
– انها الشهرة ، تلك الفاتنه المغرية ، لاتلتفت اليها ولاتجعلها الهدف حتى اذا احسست ان حبها ينمو في قلبك وكأنه جزء من تكوينك ، وهذا مايحصل غالباً .

القلم – ومن خلال اطلالته الاولى – شعر بأن مهمته صعبة وكبيرة وتتطلب منه الجهد الكبير والشجاعة والاصالة ايضاً ، يجب ان لايكتفي بأن يكون بارعاً ماهراً ، بل يجب ان يكون المعياً عبقريا .
خرج الى المجتمع ، وبدأ بالعمل الجدي وطبع فيه وبزمن قصير بصمات كثيرة الفتت انظار الاخرين نحوه حتى انتبه أنه لفت انظار الشهرة ايضاً ، لكنه اخفى انتباهه او اهتمامه ، فعندما سمعها ذات مرة تناديه بصوتها الذي تتدفق منه جزء كبير من فتنتها ، لم يلتفت اليها لانه كان مشغولا بصوت استغاثة المجتمع كما ادعى وهو يشرح لاستاذه الضمير تفاصيل عمله .

ذات ليله ، عندما عاد من عمله الى بيته – بيت المبادي – تفاجأ بالشهره وهي تستقبله هناك ، حاول ان يخفي سروره وسعادته والنشوة التي احس بها عند رؤيتها بسؤالها عن سبب وجودها في بيته ، فأجابته بأنها جاءت لتكون له ، لانه اثبت جدارته بأنه يستحقها ويستحق ان تأتي بنفسها لتكون بين يديه ، اسرع القلم الى استاذه الضمير لكي يسأله عن موقفه العملي تجاهها ، لكنه كان يتكلم معه وكأنه يتوسل اليه ان يسمح لها بالمكوث عنده ، فأجابه بأن مجرد وجودها عنده قد يفيده ولايضره ولكن يجب عليه ان لايلتفت لها او يجعلها احد اهدافه ، احس القلم براحة كبيرة وسعادة لان الضمير لم يمانع وجودها معه ، وعاهده وعاهد نفسه ان لايجعلها احد اهدافه ولن يلتفت اليها ، لكنه سيكون في سعادة كبيرة عندما تكون له ، لانه بالحقيقة احبها كثيراً .
منذ مجيء الشهرة الى بيت المبادئ لتعيش بجوار القلم ، احس بأن مرحلة جديدة من مراحل حياته العملية قد بدأت ، حيث اصبح اسماً لامعاً في المجتمع ولكلمته وقع مميز وتأثير واضح ، ولذلك عظمت انجازاته وظهرت ثمارها ، وكان يشعر بأن الفضل كله يعود الى وجود الشهرة بجواره ، ويشعر ايضاً بأن حبها زرع في كيانه رغبة ونشوة اثناء العمل تزيل التعب والملل ، بالاضافة الى كونها سبب نجاحاته المتوالية ، حيث كانت تقدم له الاطباق المتنوعة من العزيمة والنشاط والاصرار والجد والمثابرة عندما يعتريه الكسل ، لقد اعانته الشهرة اية اعانة الى درجة انه بدأ يراجع تحذيرات استاذه الضمير واهتمامه بعدم الالتفات اليها ، لقد اكتشف بأن الالتفات لها من ضروريات النجاح نظراً لمساعدتها له في الوصول الى المكانة التي يعجز ان يصل لها بدونها ، لقد حقق اهدافه ، والان هو مستمر في اصلاح المجتمع بسهوله ويسر ، لقد اكتشف ايضاً بأنه مدين لها كثيراً .
ذات يوم عاد القلم العبقري والمصلح النهضوي الى بيته فلم يجد حبيبته الفاتنة ، بحث عنها في زوايا البيت فلم يجدها ، جن جنونه واحس بانه يفقد سبب نجاحه وتوفيقاته ، استعان بالضمير فلم يخبره سوى انه يجب ان لايلتفت اليها ، فتش عنها خارج بيت المبادئ واكتشف اخيرا انها انتقلت الى بيت اخر غير بعيد ، عندما سئلها عن سبب انتقالها اجابته بانها مغرمه على ذلك ، لان امكنة تواجدها تحدد حسب الظروف المجتمعية ، وقد تغيرت تلك الظروف مما حتم عليها ان تنتقل الى مكانها الجديد ، وان كان يحبها فعلا ويرغب ان تكون له وحده يجب عليه ان ينتقل من بيته الى مكانها الجديد ، والا سيسبقه غيره ، ولكن الامر المهم الذي استوقفه ، قولها ان هذا البيت الجديد لايسع لجميع المبادئ ، يجب ان يستغني عن احدها .
حددت له احد المبادئ الاخلاقية السامية الذي يحرم عليه الدخول ، ظل حائرا لايدري ماذا يفعل ، هل يستغني عن ذلك المبدا الذي هو ركن من اركان عمله وبه يحقق الاصلاح ، ولكنه ايضا لايستطيع ان يبتعد عن الشهرة التي وان استطاع ان يتجاهل حبه لها لايستطيع ان يتجاهل انها سبب نجاحاته وسنده وساعده في تحقيق اهدافه ، حاول الاستعانة بالضمير لكنه استدرك لانه متاكد ان الضمير سوف يامره بعدم الالتفات لها متجاهلا كل مواقفها الايجابية ، اخيرا عاد يشكوا لها لعله يسمع منها شيئا يخرجه من حيرته ، فاخبرته بان هناك نجاحات كثيرة بانتظارهم لاتتحقق الا بعد التضحية بذلك المبدأ وسوف تتخذ مبادئ جديدة ربما تكون مناسبة اكثر لضروف المجتمع الراهنة . حزم افكاره وباقي امتعته بسرعة وكانه كان يريد ان يتشبث باي شئ يقنع به نفسه لتتقبل انتقاله وتركه لاحد مبادئه ، ذلك كله لانه بعد ان تذوق طعم الشهرة واحس بلذتها عشقها ومن دون ان يشعر اصبح لايستطيع الاستغناء عنها ، وهو لايجد ضيرا في ذلك لانه لم يرى من قربها وحبها الا التقدم والنجاح – كما يظن – بالاضافة الى المتعة واللذة والسعادة .
ترك بيت المبادئ وانتقل الى البيت الجديد بعد ان تخلى عن احدها ، تبعته باقي المبادئ غير راضية ، حزينة ، تشعر بان صلة الارتباط بينها وبين القلم اصبحت واهية ضعيفة ، لكنه لم يشعر بذلك لانه كان مشغولا بارضاء الشهرة ، ويقنع نفسة بانه يريد ارضائها فقط من اجل هدفه الكبير -اصلاح المجتمع- .

عاش القلم في بيت الشهرة الجديد ، وفي وقت قصير عاد له تألقه وقوة كلمته في المجتمع والتفتت له الانظار من جديد وعظمت نجاحاته وانجازاته الى درجه شغلته عن كل شئ ، عن المبادئ الاخلاقية التي تعيش معه ، وعن الضمير ونصائحه ، فعندما انتقل مع الشهرة الى بيت ثالث بسبب تغير الظروف من جديد لم يلتفت الى معرفة اي من المبادئ يجب الاستغناء عنه هذه المرة ، حتى ان بقية المبادئ التي سمح لها بيت الشهرة التالي بالدخول ، اواها القلم – فقط – لاستخدامها كتحف قديمة ، لانه شرع في تجسيد مبادئ اخرى لا يجب ان تكون اخلاقية او سامية ، تفرضها الظروف والمكان الجديد . وعندما انتقل مرة ثالثة ، الى بيت يحرم دخول اي من المبادئ السامية فيه ، عاش القلم مع الشهرة متخليا عنها جميعا وناسيا بصورة مطلقة استاذه الضمير الانساني الحي ، لكنه في هذه المرحلة بالذات استطاعت الشهرة ان ترفعه الى القمة ، لقد وصل الى اعلى مراحل النجاح واسكت كل الاقلام حتى اصبح سيدهم ، انه المصلح الكبير الذي يشيد به القريب والبعيد ، حتى ان عواصف التصفيق التي ملأت الهواء اصبحت له وحدة ، لم يكن يتصور انه سوف يصل الى هذا المجد في يوم من الايام ، بل وصل الى قمة المجد ، لذلك قرر المجتمع وجميع المصلحين الاحتفاء بسيدهم وحددوا الموعد ، اعتلى القلم المنصة وبجانبه عشيقته الجميلة مبتهجة ، ضج المكان بالهتافات والتصفيق ، ورود التهنئة تتقاذف عليهم وحولهم ، كان ينظر الى الحشود الهائلة امامة وهي تتزاحم مبتهجة ، غالبته رغبة ان يرى انجازاته الكبيرة ، وعندما سلل بصره بين اجسادهم عله يلمح المجتمع المخفي ورائهم لم ير له اي انجاز عظيم ، استغرب كثيرا ، بيد ان هتافاتهم التي ارتفعت فجأة قطعت تفكيره بذلك ، اصغى الى الهتافات ، عجيب ، انهم يهتفون لراعي تلك المبادئ الاخلاقية السامية ، تلك التي تخلى عنها منذ زمن ولا يعرف لها طريق الان ، انهم يحتفون بالضمير الانساني الحي الذي يظنون ان القلم مازال يعيش بين احضانه ، قال في نفسه لكني ليس من يظنون ، ولامبادئي المستحدثة ، انا لست هو ، انا شئ اخر ، لقد اخطئوا ، استفسر من حبيبته التي تقف جنبه ، اجابته بعجلة لانها كانت مشغولة عنه بهتافات المهنئين والمحتفلين ،
– لاتقلق ، لقد اوهمتهم بانك مازلت هو ، ومااستحدثنا من مبادئ هي السامية ، كذبت عليهم ، استمتع بالنجاح ياحبيبي لااحد يعلم بانك كذبة .

فجأةً اتحدت كلماتها مع الهتافات والتصفيق والتصفير وكونت صاعقة كبيرة ، تسلطت عليه فارتعد متقلصا متضائلا الى حجم فأر صغير ، حاول ان يتوارى عن الانظار ، نزل السلالم لكي يصل الى مكانه الحقيقي ، واستمر ينزل مئاة السلالم ، ولم يصل الى الان .

السابق
حكاية رحلة
التالي
ليلة انقراض الرجل الأخير

اترك تعليقاً