القصة القصيرة

القمقم

..لاأدري كم مكثتُ في القمقم، ولا كم قطع بي من أميال، تسلمه موجة الى موجة تالية.وكل ما أدركتُه أني كنت ذبابة محبوسة داخله، وأقصى ماكانت تستطيعه أجنحتها الصغيرة أن ترفرف وتطير من قاع القمقم الى مشارف غلاقته أو تدور في طواف لاينتهي داخل طوقه دون أن تستطيع الى الخارج نفاذا.وكنتُ مطمئنا إطمئنان ذبابة الى كونها بمنأى عن شع العنكبوت الذي ينغلق القمقم دونه كحصن منيع. وماعدتُ أتطلع الى ماوراء الغلاقة، بل صار القمقم دنياي الواسعة، فالضيق في القلب قبل المكان، مادامت أجنحتي الصغيرة تستطيع التحليق ولو في مساحة ضيقة لكن آمنة.! ونسيتُ كل شيء عني، بعد أن صارت الذاكرة أشبه بزائدة دودية لاوظيفة لها داخل القمقم، كما صار النهار والليل زائدتين دوديتين في بطن زمن توقف عن الجريان وتجمد في بركة مستقرة يمكن للقمقم أن يسترخي على سطحها الهادئ ماشاء.! لكن يدا ما وجدت القمقم في متناولها، عند صدفة لعينة، فأمسكت به وامتدت الى غلاقته لفتحها من باب الفضول ربما، ورسمتْ قدرَ الخروجِ في سمائي، فخرجتُ كما خرجتُ أول مرة من بطن أمي، ودخلتُ في هيئتي الآدمية السابقة على وجودي كذبابة، ثم سمعتُ صرخة من ذاكرتي التي عادت للتو كصرختي الأولى، وتذكرتُ أنه في زمن مضى أمتدت يدي الى القمقم كما امتدت اليد التي فتحتْ أمامي قدر الخروج منه، وفتحتُ غلاقته كما فعلتْ تلك اليد، لكن الذي خرج لي من القمقم كان ماردا جبارا مخيفا أمسكني بأصابعه الطويلة كالمذراة ونفخ ذبالتي البشرية فصرتُ ذبابة دخلتْ من تلقاء ذاتها الى القمقم فأحكم إغلاقه وانصرف كمن ليس أمامه أي ثانية ليضيعها، عكس الذي خرج من القمقم حيث كنتُ ذبابة وجعل ذاك الشخص الذي مد يده الى غلاقته يطلق صرخة هلع غير مصدق عينيه، إذ لم يتجسد أمامه مارد جبار كما تجسد أمامي، بل تجسدتُ أنا أمامه في هيئتي الآدمية الرثة السابقة لوجودي كذبابة في القمقم. لكن المسكين ظن أني عفريت متنكر في هيئة بشر، ولم يمنحه الهلع فرصة أن يمنحني بضع ثوان لأشرح له الأمر فأسرع هاربا لايلوي حتى على موطإ قدمه، وتركني مصدوما لا أستطيع إغماض عيني أمام ضوء كالغبار، وأمام سؤال حاد عن إسم المكان الذي كنت أقف على أديمه، ولا عن حقيقة ساطعة تجلتْ في لحيتي التي طالت وأكدت بلونها الأبيض أني صرت عجوزا، لهذا لم أستطع الركض وراءه، فخرت ركبتاي على رمال شاطئ مهجور، ولم أجد عفريتا يعيدني الى قمقمي الدافئ ذبابة آمنة.!

السابق
حِرفة
التالي
تشبُّث

اترك تعليقاً