القصة القصيرة

الكابوس

..انسلتْ من السرير، واشعلتِ الضوء. توقفتْ لبرهة تنظر الى رأسه الاشيب، وقد اسلم جفنه، بعد ان ادار لها ظهره، لنوم يتعالى منه شخير بايقاع كايقاع صوت سيارة صغيرة على مسلك محفر. خمنتْ انه يحلم بالمرحومة، التي صارت اسطوانة حزينة، موجعة، تدور كل ليلة تقريبا على لسانه، وتجعل ليلها الثقيل البارد العاري عسيرا على الاحتمال، لهذا نفذ صبرها، وقالت له بنبرة محتدة فيما الدموع تسابق الحروف:
– ارحمني انا، اما هي فترقد الآن في قبرها بسلام.!
– اذكروا موتاكم بخير، ياامراءة.!
– لم اذكر سوءا، لكن اقدر حزنك واحس بمرارة الفقد في جوارحك، بينما لاتقدر انت، يارجل، حزني، ولاتحس بي.؟
– أي حزن ياامراءة..أجننتِ.!؟
– اقدر انك دفنت زوجتك الاولى بعد ان ماتت،لكنك تدفنني حية في ذكراها كل ليلة، يارجل.!
– أدفنكِ حية.! ياللجنون..! كنت سادفنكِ حية لو تركتكِ مطروحة على قارعة العنوسة، بينما كان بامكاني ان اتزوج فتاة دون العشرين حتى.؟
– كفى، كفى..!
صرختْ كما لم تفعل من قبل..لم يضف كلمة.انقلب على جنبه وادار لها ظهره، فيما تحولت هي الى مجرد عينين جاحظتين في الظلام والدمع مذرار ولانشيج كسيل من حزن يسري على رسله في مجرى مستوي..لهذا احستْ بجفاف في حلقها وكل جسمها، بعد ان نضب الدمع من عينها، فتناولتْ كأس ماء بارد، افرغته بلهفة في جوفها لتخمد نارا سوداء تستعر في روحها المحطمة، وعادتْ واندست في السرير، بعد ان اطفأت الضوء. تركتْ مسافة بينها وظهره البارد المقوس، كما لتنام فيه المرحومة. اسدلتْ رموشها المنهكة وراحتْ في دهاليز ذاكرة تبحث عن صورة فتاة تلوح بظفيرة من احلام كانتها ذات ربيع، ونامت..
( رأتْ نفسها في حقل مطرز بالازهار، على منبسط اخضر يمتد الى ان يلتقي بزرقة السماء، حيث لاجبل ولامنحدر. امامها نبع رقراق على صفائه البلوري ينعكس وجهها الصبوح الذي من خديه تتفتق زهرة شقائق النعمان. مدتْ اصبعها الى جبين صورتها على مرآة الماء، لمسته، فصارتْ فراشة جميلة. راحتْ تسبح باجنحتها الزاهية والهشة كغشاء بكارة بين الالوان والعبير والزقزقات في مويجات ربيع تحركه ريح خفيفة كما لتهدهده. حلقتْ بحركة راقصة في اتجاه الافق، حيث تحمحم جياد الاحلام وعلى سروجها فرسان وجوههم كأنها من عجين لم يتشكل بعد في ملمحه النهائي. راحتْ تحوم حولهم، تحط بجناحها الصغير الطري كبرعم نهد على رأس احدهم ثم تطير ضاحكة الى آخر، مستمتعة بالملامح الخاصة التي تتشكل من الوجه العجيني لاي واحد تلمسه منهم، الى ان رأتْ ملامح أحد الوجوه تبدو بشعر يتخلله الشيب، فنظرتْ الى الشمس التي كانت قد هبطت الى منحدر درب الغروب، والى الارض حولها حيث صارت الازهار هشيما والربيع صيفا.! نظرتْ الى جناحها ، وقد بدا بلون الشيب.صرختْ. فوجدتْ نفسها تصير عروسا بكامل فستان العرس، لكن في خلاء وسط ارض غريبة، بينما الزغاريد التي تنتهي الى ولولة كاوية تنبعث من كل مكان، فيما اولئك الفرسان ينسلون واحدا واحدا، ويختفون، ومع كل واحد يختفي تنطفأ زغرودة في رماد ولولة، وتندفع شهقة اخرى من صدرها المرتعد. أحستْ ان روحها ستطلع مع آخر فارس يختفي. لكنه لم يفعل، بل ادار جواده صوبها واقبل. تعالت زغرودة من قلبها واندفعت مع الدم في عروقها، وقبل ان تنطلق من لسانها الى الفضاء، رأته، لما دنا منها اكثر، يركب حمارا وليس جوادا، فلم تغلق فمها، لكن الولولة المخيفة المنبعثة من خلاء معتم، جعلتها تتمنى ان يتقدم إليها ولاينقلب عنها ويختفي كاولئك الفرسان، ولو كان يركب حمارا.! راحتْ تنتظر وصوله في لهفة، ويداها مضمومتان على تاج العروسة كأنها تتوقع ان تخطفه منها يد لامرئية..اما حين صار على بعد خطوات منها فلم يعد هناك حمار، بل راجل فقط يتكأ على عكاز ويحمل كيسا من سنين عديدة على ظهره. فركتْ عينيها ذهولا، وكتمتْ صرخة مسننة في احشائها، بينما رمقها هو بنظرة كأنها تقول : هذا شأنكِ، ها انتِ هنا إن شئتِ.! ثم تجاوزها، وواصل بخطوات بطيئة وواثقة.نظرتْ إلى الخلاء الدامس حولها في هلع، واندفعتْ وراءه متوسلة:
– انتظرني، ارجوك..!
– اتبعيني..!
قالها بلامبالاة، دون ان يلتفت إليها، فمشتْ غصبا متعلقة في ذيل عكازه، مستسلمة لصمت من رصاص. الى ان توقف فجأة واشار، بعكازه، الى جذع شجرة موغلة في الزمن، وقال بامر لايرد:
– انتظريني قليلا هنا.!
لملمتْ ذيل فستانها، حضنتْ تاجها، اسندتْ ظهرها الى الجذع الضخم، وانتظرتْ في استسلام الى ان كادت تغفو..شعرتْ بالقلق يتصاعد في صدرها بعد ان تأخر، والتفتتْ حولها، وإذا بالجذع الذي اسندت ظهرها إليه وقد تحول قبرا، فاطلقتْ صرخة كأن جميع شرايين جسمها انفجرت دفعة واحدة.!)
رفعتْ رأسها عن الوسادة مفزوعة. أدركتْ انها كانت تحلم. تحسستِ المسافة بينها وزوجها النائم، كانت المرحومة هناك. أحستْ ان الصباح لن يطلع ابدا وأن نهار عمرها قد مر وماتبقى سوى فصول من ليل طويل، فرفعت رأسها الى السماء، لكن السقف كان هناك.!

السابق
قرصنة
التالي
قصة لا تنتهي

اترك تعليقاً