القصة القصيرة

الكابوس

مرّة أخرى ، يدفعه ” دوش ” الماء البارد إلى حافة الرعب .
هل داهمه ذلك الكابوس الذي ظلّ يحاصره منذ سنوات ، والذي حاول ـ عبثاً ـ دفنه بين طيّات الذاكرة ؟ أم أنه خاضع فعلاً لعملية إستعادة للوعي ؟
قبل أن يصل إلى إجابة ، وقبل أن يهمَّ بفتح جفنيه ، تراءت له ذرات وامضة ملونة ومبعثرة .. استجمع حواسه المخدّرة كي يستجلي الوضع من حوله .
تركزت كل قواه على حاسّة السمع ، فاستطاع ـ وهو مغمض العينين ـ التقاط صيحات قريبة ، تلتها ضربات أمواج منتظمة ، فثرثرة بعيدة ، تتخلّلها موسيقى مختلفة الإيقاع ، ثم أطبقت على أنفه رائحة طعام ..
ببطءٍ وحذرٍ فتح عينيه ، ثمة طائرة ورقية تسبح في السماء بذيل ملون ومشدودة بخيط ـ لم يره ـ إلى الأرض .
سكنه الاطمئنان قليلاً ، فاستطاع أن يلملم بقية المعالم ليكتشف أنها ” هي ” التي كانت تسكب فوقه الماء البارد .
غرق في الغبطة ، إلا أنه تظاهر بالغضب ، يزداد في داخله كل يوم إفتتاناً بالمداعبات الطفلية التي يعنّ لا ـ من حين لآخر ـ أن تشاكسه بها ، استهواه ذلك التباين في الشقاوة المشاكسة وحضورها الأنثوي .
أطلّ وجهها فوقه عذباً وبريئاً ، وبرز نهداها عبر المشد الصدري ، سكنت عينيها وداعة ومكر ونداء خفي .
ظلت واقفة تسكب الماء البارد بانتظار ردّ فعله .
حاول أن يحرر نفسه أولاً من الغطاء الرملي الذي يغمره حتى العنق ، كانت تعلم أنه اعتاد ، كلّما ذهبا سوياً إلى البحر ، أن يدفن جسده في الرمل الساخن لإمتصاص بقايا الرطوبة المزمنة من عظامه ، شعر أن يديه قد تحررتا فبدأ بتحريك باقي أعضاء جسمه لتنزاح عنه كتل الرمل ، فيما ظلّت بإصرار وعناد تسكب الماء كطفل مدلّل يمعن في مشاكسة والديه .. خفّ غطاء الرمل الذي يغمره فقام بحركة سريعة لإمساكها ، انطلقت تعدو نحو البحر تسبقها ضحكات ساخرة ، لم يستطع اللحاق بها ، إلا أن المسافة بينهما أخذت بالتقلص ، إلى أن دخلت البحر وتوغلت فيه إلى الحدّ الذي تدرك أنه سيحجم عن الوصول إليه … توقف حين غمره الماء حتى صدره .. أعلن استسلامه طالباً منها الخروج خوفاً من غدر البحر ، قال لها : البحر كالمرأة لا أمان له .. والإفراط في الاطمئنان له قد يحوّل اللهو إلى مأساة ..
أجابته : السبّاح الماهر لا يغرق بسهولة .
خرج من الماء ليضع حداً لتعنّتها .
أخفى بحركة مدرّبة الأوراق والقلم تحت الفراش ذي النتؤات والتي تجعل النوم فوقه عذاباً .. أمسك بآنية الطعام بحركة غريزية .. هبّ واقفاً وانطلق مهرولاً فور فتح الباب إلى عربة الطعام وقفل مهرولاً كأنه في سباق المئة متر .
جلس على كرسي ، فيما تابعت السباحة مستعرضة مهارتها في العوم على ظهرها ، نشر الأوراق على الطاولة وسكب لنفسه كوباً من الشاي .
نهض فور انصراف العربة .. لم تكن لديه شهية للأكل فترك آنية الطعام في مكانها بجوار الباب .
أعاد قراءة النص الذي بدأ صياغته له منذ يوم الأربعاء ، قرأ بصوت عالٍ : ” مرّة أخرى يدفعه ” دوش ” الماء البارد إلى حافة الرعب .. ” إلى أن وصل إلى الفترة التي وقف عندها ” قفل مهرولاً كأنه في سباق المئة متر .. ” .
لم يعجبه ما كتب ، بدت له بعض الكلمات غير دقيقة ، كان يكتب القصة في المرة الأولى كاملة ، ثم يعود فيقرأها كلمة كلمة بصوت مرتفع في محاولة لضبط إيقاع الجمل وتجانس الكلمات .
يحاول دائماً أن بشكل صحيح ، مسترشداً بالحكمة القائلة ” ليس مهماً أن تكون واضحاً ، المهم أن تكون دقيقاً ” .
قرر إعادة صياغة القصة بشكل أدق حتى تصل إلى الشكل الذي يرضيه .
سقط ظل على الأوراق .
ــ ماذا تكتب ؟
ــ مشروع قصة .
ــ اقرأها لي .
ــ لم تكتمل بعد .
ــ اسمعني ما كتبت .
ــ لا أميل إلى إطلاع أحد على مسودات العمل قبل إكتماله .
انصرفت عنه .
بحث عن عقب سيجارة تحت فراشه وأشعله ، تمشّى بضع خطوات في الغرفة ثم جلس واحتسى بقايا الشاي البارد المتبقي منذ البارحة وفكّر في كيفية إنهاء الفقرة السابقة .. هل يجعلها تغضب ؟ أم تتقبل الأمر على أساس أن لكل كاتب طقوساً قد تبدو للآخرين ـ بمن فيهم من نحب ـ أمراً غير طبيعي ؟
كان يودّ لو تنتهي وقائع القصة كما حدثت له فعلاً في تلك الأيام الطيبة ، إلا أن كتابة الوقائع كما حدثت قد تجعل النص يتحول إلى سيرة ذاتية .
في السنوات الأولى عاش على رصيده من الذكريات .. يجتر التفاصيل الدقيقة فينفض الغبار عن الحوادث المنسية : طفولته الشقية ، مقالب التلاميذ للمدرِّسين ، المشاجرات التي دخلها في فترة الاستراحة وتستكمل في نهاية اليوم الدراسي ، حب المراهقة الأول ، وأول رسالة حب بعثها أو تلقـَّاها ، حبه المؤود لجارته التي تكبره بعشر سنوات ، رحلات صيد العصافير في الغابة التي تقع على أطراف المدينة ، تجاربه الأولى في التدخين السِّري ، جرائمه المشينة في مطارده جراء القطط والكلاب وبيعها في سوق الجمعة ، أيام الامتحانات التي تمنعه من الذهاب إلى البحر … كانت كل الندوب والمسَّرات الصغيرة تبدو له حين يتذكرها طازجة وحارّة وكأنها تتحدث للتوّ .
إلا أنه وفي السنوات الأخيرة أخذت تهاجمه أحلام اليقظة بحدَّة ، وكان يلمَّ به إحساس غريب بأن حياته الماضية كلها ما هي إلا حلم عبر ، وأن الذين عرفهم وأحبهم مجرد أطياف أو أجساد يتخللّها الهواء .. وحتى الوجوه يحاول لملمة تفاصيلها عبثاً .. ماعت في ذاكرته الأسماء واختلطت الوجوه .. ولا يبدو حقيقياً سوى الغرفة وآنية الطعام والوقت الرتيب .. ترى هل سيذهب مع حبيبته إلى البحر يوماً ما ؟ هل ستطهّره الطبيعة والهواء النقي والشمس من أحزانه التي تتراكم كل لحظة ؟
كل شيء حوله يخاطبه بلغة صامتة ومرعبة بأنه سيصبح ذات يوم إنساناً معطوباً ، وبأنه سيذوي ببطء وسيجف بداخله رحيق الحياة ولن يتبق منه سوى كومة من العظام ، وسيتنكر له العالم الذي أحبه .. كان الوقت .. ذلك المصارع الشرس والذي لا يرى .. يؤكد له في كل لحظة أنه لن يتركه إلا إذا تأكد أنه لم يبق في داخله ما يضيء ولن يكفَّ عن مهاجمته إلا بعد أن ينطفئ من تلقاء ذاته ويصير هباءًا كأنه لم يكن .
جمع الأوراق وركنها جانباً وانطلق نحوها في محاولة لاسترضائها ، سابحاً في البحر ، مهملاً نصائحه السابقة ، متناسياً حقيقة أنه لا يجيد السباحة ، مطمئناً إلى وجودها قربه وأنها ستنجده إذا ما تعرض للغرق .

السابق
فقير
التالي
تلف

اترك تعليقاً