القصة القصيرة

الكباب

..اللعنة،لماذا لاتحدث الأمور، غالبا، في المكان المناسب وبعد فوات الأوان.!؟ لماذا لم أعد الى البيت في الوقت المناسب.!؟ كيف استغرقتني لعبة الورق الى مابعد آذان العشاء، رغم أني لم أنو البقاء حتى هذا الوقت.!؟.
إذ لم أحمل معي المصباح اليدوي والعكاز، خوفا من الذئاب التي لاينقطع عواؤها أثناء الليل، لأضعهما داخل الكنتوار عند صاحب المقهى بانتظار طريق العودة الى داري في صدر الجبل، كما اعتدتُ.لأني خرجت منذ الصباح، قاصدا السوق على نية العودة الى الدار عند منتصف النهار، قبل الرجوع مجددا الى المقهى مع حلول المساء ومعي المصباح والعكاز.! لكني، لما عدت من السوق، تصادفتُ مع جار تمر طريقه على داري، وحملتُ على بغله حاجياتي، وبعثتُ بها معه، وبقيت في المقهى، بعد أن تغذيت في السوق، وتناولتُ الكباب الذي لاأشبع منه كلما إتسعتِ الشهية المالية في جيبي لثمنه الغالي بالنسبة لأمثالي وهذا لايحدث إلا نادرا.! وهكذا وجدتُ نفسي أجلس الى طاولة اللعب، كما دون وعي، حالما اكتمل النصاب القانوني لبدإ اللعبة، كما اعتدتُ كل مساء ومع نفس الوجوه تقريبا. فلانلتقي إلا لنلعب الورق ونخوض معركة كلامية تبلغ ذروتها في لغط نثيره زوبعةً من أصوات متلاطمة تفيض من المقهى كل مساء، بحيث يمكن للذي لايعرفنا أن يظن أننا على أعتاب اشتباك بالأيدي والكراسي.! وهكذا صرنا ما إن نلتقي حتى ننغمر فورا في اللعب كأننا نصفي كل يوم ثأرا من أمس.! لهذا غرقتُ في اللعب بالورق والكلام مستغلا قوة صوتي، الذي يطغى على ماعداه من أصوات، مستمتعا بالضحكات السخية التي تنفجر من أفواه المتحلقين حولنا دوما، وملوحا برأسي كطاووس منتشي، وإن كنت أستغرب أحيانا ضحكهم لكلمات أقولها ولامعنى لها، فقط أقولها من فرط حماستي وإظهار عظمتي في لعبة الورق.! ولم أفطن لنفسي إلا حين سمعت أحدا يقول أن العشاء قد أذن، فنهضتُ لأذهب الى داري دون أن أجد مرافقا او مصباحا ينير لي عتمات الخوف في نفسي.! وياليت الأمر توقف عند الخوف من الذئاب، الذي يسكن ذاكرتي منذ سنوات الرعي الأولى، الى حد أني أرى وجهها المكشر كلما سمعت كلمة ذئب، إذ لازالت صورته منطبعة في خيالي منذ اليوم الذي أخذ فيه مني كبشا وأنا أنظر إليه بعين طفل صغير لايستطيع إلا الصراخ.! فإلى هذا الخوف المتغذي من رعب طفولة الذاكرة، انضاف مشكل آخر، بعد أن اجتزت جنانا من أشجار الزيتون وسرت في أرض شبه مستوية تخصص للحرث وبها بضع شجيرات متباعدة كثيرا، إذ وفجأة بدأت كرشي تغرغر بشكل لافت، وشعرتُ بشتات من وجع تحرك في كل انحاء أحشائي، ثم تجمع في ألم حاد تركز أسفل كرشي، واندفع خارجا لايلوي على شيء.!
كان علي الإسراع بفك الحزام قبل أن أقضيها في سروالي، كما لم يكن بمستطاعي أن أقرفص في الظلام وسط الخلاء حيث يمكن أن يقفز ذئب غدار الى رقبتي في أي لحظة. لهذا أسرعتُ الى أقرب شجرة وتسلقتها، ثم تركت مصاريني تفرغ مابها من شبه سائل مستعجل، وأنا معلق ومع شعور بأمان أكثر.! لكن، ولسوء حظي، لم تمهلني نوبة إسهال ثانية حتى أقترب من شجرة ثانية ضمن الأشجار المتباعدة، على طريق أحفظه عن ظهر قلب من كثرة مانزلت وصعدت عبره، بل داهمني فور ابتعادي قليلا عن الشجرة الأولى، وأجبرني على العودة إليها مرة أخرى وبأقصى سرعة.! لهذا، وبعد أن استبقت النوبة الثانية من الإسهال، بقيتُ لابدا بين الأغصان،وبي خشية شديدة من أن تداهمني نوبة ثالثة في مكان عراء ولاأجد شجرة قريبة تستر رعبي، فأقضيها لامحالة في سروالي، وأصبعي على زناد الأذن بانتظار أن ينبثق في أحشاء الظلام الجاثم كحصار أسود عواء رهيب وفي أي لحظة. فحتى النجوم كانت تبدو لي كعين ذئب تقدح شررا، بينما كنت أتمنى في أعماقي أن يكون اللحم المفروم الذي تناولته كبابا لحم نعجة هرمة لم يعد أي سن في فمها، ولايكون لحم حمار أو حتى كلب، فجميع اللحوم تباع، بمافيها لحم البشر.!
– نعم، بما فيها لحم البشر.!
أكدتُ لنفسي بهزة بلهاء من رأسي في الظلام المرتجف، ولبدت أنتظر النوبة الثالثة.!

السابق
أنا وزوجتي تفيدة (6)
التالي
شاهد

اترك تعليقاً