القصة القصيرة

اللاعنف

حين اعتلى المنصة شعر ان جميع احلامه تحققت ، القاعة الكبيرة التي اكتضت بزملائه واقرانه الذين يحملون هموم الامة كانت تهتز بالتصفيق وضجيج التهاني الممزوج بالغبطة والحسد ، لم يكن يتصور وهو يؤلف كتابه الاخير – اللاعنف – انه سوف ينال به جائزة الامة الكبرى ، تلك الجائزة التي يحلم بها جميع زملائه الذين كرسوا مواهبهم وقدراتهم الفكرية للدفاع عن الحريات ونبذ العنف . لقد اعتلى هذه المنصة كثيرا قبل هذه المرة ، لالقاء خطب عن الحرية او محاضرات تنمي افكار نبذ العنف في المجتمع او لنيل الجوائز والشهادات التقديرية ، لكن هذه المرة تختلف كثيرا ، انه النجاح الكبير الذي يغبطه عليه حتى المفكرون الكبار الذين يعتبرهم اساتذته . اعتلى المنصة وهو يحضن الجائزة الكبرى في نفس القاعة المغلقة التي شهدت نجاحاته الكثيرة ونجاحات زملائه والسابقين لهم ، الابواب موصدة ، لم يفكر احد يوما بفتحها ، وربما لم يلتفت احد ان لهذه القاعة ابواب اصلا ، وسبب ذلك هو انكبابهم على العلم والمعرفة بجدية ومثابرة لتقديم الافكار والحلول الرصينة بصورة ابداعية رائعة تستحق التقدير والاحترام ، والاشادة والشهادات والجوائز ايضا .
النوافذ مختبئة خلف ستائر سميكة ، صممت لكي تفضي على القاعة منظرا راقيا جميلا فقط ، حيث ليس لها علاقة بالاضاءة او التهوية او حتى بمعرفة الليل من النهار ، مصابيح دائمة التوهج تخفي ظلمة الانغلاق ، افواه حرة تتدفق الكلمات منها متى تشاء حيث لاوجود لجنود الصمت ، الهواء معطر بذرات الثقافة والعلم والفن والابداع والرقي ، القاعة مكتضة بالناجحين والنجاحات والابداعات والحرية واللاعنف ، كل شئ يوحي بالنجاح والتفوق .
عندما بدأ ببيان موضوع كتابه الجديد ارتفع التصفيق وهز الجدران . حتى ايدي الحاسدين تصفق بحرارة ، لا احد يستكثر عليه نجاحه الكبير لان الكل يعلم انه اكثر ابداعا واكثر اخلاصا لقضايا المجتمع ، والدليل على ذلك – حسب التصنيف الوطني – هو كثرة الاصدارات والمؤلفات التي اغنى بها مكتبة القاعة المغلقة ، وكذلك الخطب الرنانة التي كان يلقيها ببراعة فائقة ليمتلك بها مشاعر السامعين وربما عقولهم ، ومحاضراته التي يحرص على حضورها اكبر المبدعين والمفكرين في الامة وربما نال بها حضوة المسؤولين ايضا .
يرتفع ضجيج التصفيق كلما قرأ شيئا جديدا من صفحات الكتاب الناجح الى ان اصبح الضجيج كالرعد المجلجل لكي يتناسب والكلمات القيمة الرصينة الممتلئة بالابداع والفطنة والمعرفة . لم يلتفتوا حين تمزقت الجدران شيئا فشيئا من شدة التصفيق الا بعد ان تحطم جدار القاعة المقابل للمنصة ، عمّت القاعة فوضى كبيرة وصراخ وضجة مرعبة وتزاحم واضطراب ، كل منهم مشغول بنفسه ، يتحرك ويزاحم ويصرخ ويناشد لوحده ، لايدري ماعليه ان يفعل .
ولكن في لحظة واحدة ، هرع الجميع ، مسرعين نحو الجدار المهدم ليعيدوا بنائه خائفين مذعورين ، وذلك لما انتبهوا الى ان ذرات الابداع بدأت تتسرب الى الخارج مبتعدةً عن المنصة مع ذرات الهواء التي اختلطت مع الهواء الخارجي الملوث بالجهل والتخلف ، ومع الاضواء المختنقة التي هربت لتختفي بين الظلام بينما التصقت بشحوب باقي الاضواء التي مازالت تعصرها المصابيح الخاصة على الجدران والاثاث والكتب . هرعوا مسرعين وعيونهم وجلة تنظر الى الخارج ، ليل بهيم ، ووجوه شاحبة مرهقة ، افواه تحولت الى معتقلات موصدة تعتقل فيها جنود الصمت الكلماتَ ، بسبب الخوف والرعب الذي امتلأ به قلب الواقع المرير الذي تكور مرعوبا يرتجف خلف جدار القاعة ، كان يصرخ منذ سنين ، يتوسل ان تفتح له الابواب ولم يكن احد يسمعه ، لان صراخه اختفى بين ضجيج التصفيق الى ان ارهق وتلاشت قواه وصوته .
هرعوا مسرعين ليعيدوا بناء الجدار ويمنعون الواقع من ان تطأ قدماه ارض القاعة فيلوثها بجراحاته العميقة ، فدخوله يمثل لهم مشكلة حقيقة ، لانهم بذلك سوف يصبحون ويمسون على نوحه وبكائه بدل صدى التصفيق الذي يستشعرون بسماعه لذة عميقة وكذلك ربما يلتهون عن المنصة بمعالجته ومداواته .
في تلك اللحظات بدا مذهولا وهو يقف على المنصة كالتمثال ، يحضن جائزة الامة ، ينظر في الظلام الى الواقع الذليل وهو يتوسل ويتذرع بالمبدعين الذين يسرعون في اعادة بناء الجدار غير ابهين به .
اكملوا الجدار وتنفسوا الصعداء ، التفتوا الى المنصة ليستأنفوا الاحتفال بالنجاح لكنهم لم يشاهدوا امامهم غير الجائزة الكبرى ، لقد تركها لهم على المنصة ، وفتح احد الابواب الموصدة بوجه الواقع ، وخرج يلملم فشلهم بين الزوايا الخائفة في الظلام .

السابق
جنة عاشق
التالي
وزنه بين إخمته

اترك تعليقاً