القصة السلسة

اللماضة كنز لايفنى – حكايات من الغربة (2)

أبو بكر على خليل
كان يعمل في الأساس مدرس إبتدائى في مدرسة صغيرة بإحدى قرى محافظة الجيزة . لهجته مخلطة بين مدنية بسيطة وبدوية على ريفية .. هو نوعية جديدة من البشر انضم لقافلة الحياة التى نسير فيها جميعا إلى لاشئ .
حاول مرارا وتكرارا .. يسعى جاهدا بكل السبل لتحسين وضعه المادي بما فيها ممارسة آفة الدروس الخصوصية كما كان يطلق عليها وذلك قبل أن (يطفش) من البلد كلها ويسافر بطريقة ما إلى السعودية .. لاتسألوني عن هذه الطريقة .. فما يفهم من بين السطور يعرفه كل من كان يعمل بالتدريس في هذه الفترة من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ويحاول السفر إلى الخارج .
ليس أمامه إلا طابور طويل من الإنتظار في الدور للسفر عن طريق الإبتعاث فيما كان يعرف بنظام الإعارة من وزارة التربية والتعليم المصرية إلى نظرائها في الدول العربية .
طال به الإنتظار وكبر عمره حتى زاد على الخامسة والعشرين .. شابا كله حيوية مدرس إبتدائي قضى خمس سنوات متواصلة في التدريس لأنه لم يدخل الجيش لضعف نظره .
العمر يجري والحصيلة صفر .. وما لديه من مال جمعه على مدار خمس سنوات من التدريس لايكفي ثمن دبلتين فقط .. ما العمل وهو يريد الزواج ومساعدة نفسه وأسرته على إكمال الرسالة وبناء أسرة جديدة كما يطمح كل أبناء جيله ..
حأول الإستمرار بالتدريس ويعطي الدروس الخصوصية لزيادة دخله ولم يكن ممتازا بالتدريس .. ليس له طاقة على تكرار نفس الجمل والكلمات يوميا على طلبته .. في النهاية مل التدريس وحاول جاهدا الإفلات من دائرته .. ولكن هيهات له الإفلات .
لم يكن لديه ما يخسره لابد من مواجهة الحياة بكل شراسة .. إذن هو السفر و لديه بعض المال يكفي تكاليفه .. قرر السفر .. أن يهرب من كل الإخفاقات التى يعاني منها هو وأبناء جيله بل والأجيال التى سبقته والتي لحقته .. عرض الفكرة على والده والذي قبلها على مضض لأكثر من سبب أحدها أن السفر صعب ومكلف .. وطمأنه على ذلك بأن الله سوف يسهلها إن شاء الله .
دله أولاد الحلال على الجنتل – عبده الجنتل – مزور محترف (ضرب) له شهادة ومجموعة من الأوراق ساعدته على السفر لليمن ومنها إلى السعودية في عمرة .. ثم بدأت رحلته مع السفر وآلامه وأحلامه .
وما حداه لذلك إلا قلة ذات اليد .. لم يكن يحب التدريس ولا الدروس الخصوصية .. مجبر هو عليه أدخله والده مدرسة المعلمين حينما كان صبيا لم يتعد الخامسة عشرة . لعبيا لايحب المذاكرة ولديه مجموع للثانوى العام .. ولكن ليس لديه الرغبة أو الطموح في مواصلة التعليم كباقى إخوته ..
كان له رأى في ذلك .. أن يختصر رحلة التعليم لكى يزيل عن كاهل والده عناء التعليم لولد خامس من مجموع إخوة ثمانية لأ ب يعمل مدرس بالتعليم الإبتدائى .. قارب على الخمسين وليس لديه القدرة الكافية لرعاية هذا العدد من الأبناء .. مدارس وأكل وشرب ولبس وطب ودواء .. (هم مايتلم كما كان يقول دائما ) .
وهناك أمر آخر كان يراه وقد لايكون مقنعا لإحد غيره .. هى عموما وجهة نظر قد تكون ضيقة كما قالها لى .
إخوته الأكبرمنه ومن في مثل سنهم وظروفهم .. تعلموا حتى الجامعة و تخرجوامنها لم يستطع كثير منهم الإفلات بنفسه أو بأهله من دائرة المعيشة الصعبة التى يعانوها .. سواء بعدم الحصول على عمل .. أو العمل في وظائف دخلها قليل .. وبسبب قلة الدخل وزيادة الأعباء ولا من معين على الحياة إلا الله .. لم يعد أمام الجميع إلا الصبر سواء الأب والأم والأبناء أو حتى الأبناء والأصحاب .. وممارسة فعل الحياة اليومي بكل ما فيها من معاناة وشظف عيش بطريقة تجنبهم كثير من المصروفات .. وكذلك تأجيل التفكير في المستقبل لدرجة تصل لقتل بعض الطموح أو حتى كله لديهم .. كانت هذه هي أفكاره العبيطة آنذاك كما كان يحلو له أن يسميها حينما تجود قريحته ببعض الحكايات عن أيامه الأولى في الصبا والشباب .. و للعلم فهوحكاء ممتازوصاحب قاموس فريد من الألفاظ العجيبة .. كنت أسمعها للمرة الأولى .. وحفظت عنه وله بعض الحكايات سأرويها لكم في حينه .
لازلت اذكر ساعة أن دخل علينا المكتب أول مرة .. وعرًفنا عليه من أتى به إلى الشركة ليعمل بها مندوب مبيعات .. حيوا معى أخيكم أبو بكر خليل مندوب المبيعات الجديد.. وهوقادم من المنطقة الشرقية وكانت أول مرة ألتقي أحدا من المصريين يأتي من المنطقة الشرقية للمنطقة الغربية ليعمل بها .. كانت فكرتنا أن من يعمل ويعيش بالشرقية لايفكر في تركها .. فهي مليئة بالأمريكان و منظمة جدا وشوارعها نظيفة واسعة .. وكثير من هذه المعلومات التى غالبا ما يكون أكثرها سماعي نقلا عن .. وفي النهاية تكون نسبة مصداقيتها قليلة جدا .
بعد التعارف أنطلق أبو بكر يحكي عن نفسه وعن المنطقة الشرقية ومغامراته وحكاياته هناك .. ولم يستوقفه إلا سؤال مني ولماذا تركتها إذن ؟
ولا اذكر الإجابة حينها .. كل ما اذكره أنني لم اقتنع ولم أداري عدم إقتناعي .. ومن هنا نشأت طريقة تعاملي معه والتي افسدت علي كثير من متعة الحكايات التي كان يحب أن يرويها بإستمرار .. واحس بالندم لإنها أفقدتنى حصيلة كبيرة من حكاياته الخيالية التي أعتقد أنها ممتعة جدا .
انتهت جلسة التعارف والتقطت منها بعض المعلومات عنه .. ولم تكن واضحة ولكن أعطتني إنطباع أولي عن شخصيته .. إنسأن طيب و(غلبان) كمعظم المصريين . مغترب لمدة عشرة اعوام ولا تبدو عليه علامات السفر المريح .. وإنما كلها معاناة يشهد عليها شكله الخارجى . ليس لدية سيارة خاصة حتى .. غير متزوج مع أنه بلغ الخامسة والثلاثين أوأقل قليلا . أهم ما يميزه حديثه المتواصل .. والذي يعطيك إنطباع أنه محدث لبق .. ولكنني لمحت بعض الأخطاء في المعلومات والتفسيرات لأشياء قالها .. أعطتني فكرة جيدة عن نوعية الثقافة السماعي التي يتميز بها ويعاني منها معظمنا ..
ذهب لحال سبيله وأوصله زميل لنا إلي محل إقامته المؤقت .. على أن يداوم في الصباح .. ويحضر أغراضه للإقامة بسكن الشركة .. وإنتهت الجلسة وذهبنا إلى السكن .. وكانت الجلسة عن إنطباعاتنا عنه كزميل جديد وتراوحت الآراء ما بين كويس جدا إلى إنسان طيب إلى عادي إلى كويس بس ولكن ..
في اليوم التالى جاء مبكرا للشركة .. وبدأ في التعاطي مع العمل كمندوب بيع .. آخذا بالإنضمام لفريق العمل والذي يضم فلبينيين ومصريين وسعودي وغيرهم .. كانت العقبة هي اللغة الأنجليزية و لها قصة حكاها لي .. وسأقصها عليكم في حينه .. وطريقة تعاطيه مع اللغة أفرزت كثيرا من القصص .
كانت أولى حوادثه معنا بفترة الراحة بعد الواحدة ظهرا .. أراد إحضار أغراضه والإنضمام لقافلة السكن لدينا ..
(إستلف) سيارة من زميلنا محمد علي .. أَمنه عليها وقال له أنه سيبيعها غدا لشراء سيارة اخرى ..
– حافظ عليها لو سمحت المشتري ينتظر أن يستلمها غدا.
– من عينيا متخافش عليها .
في الرابعة عصرا أيقظنا محمد علي .. لنبحث عن ونش لجر السيارة .. التى وقعت بحفرة في شارع جأنبي من شوارع جده .. لم ينتبه أبو بكر لحفرة عميقة عليها علامة طريق .. نظره ضعيف ونظارته سميكة جدا ومع ذلك لايرى بها جيدا .. الشمس صعبت المهمة عليه .. لم ير العلامة أو الحفرة ..
وكان ماكان وخسر صاحبنا سيارته ولم يبعها .. وتحمل أبو بكر ثمن إصلاحها قبل أن يقبض ولو ريال واحد من شركتنا .. وتلك كانت بداية الحكايات التي أتحفنا بها أبو بكر .
وهذه هى البداية .. والحقيقة أنها كانت بداية معرفتى بحكاوي أبو بكر.. تكن أول الحوادث التى تعرض لها ولا الأخيرة بأى حال من الأحوال .. إختلفت الحوادث ما بين حادث سيارة و بين أحداث طريفة وغير طريفة .
وبدايته كانت مع طريقة السفر .. لجأ كما سلف لعبده الجنتل . بمعنى أنه بدأ بالتزوير فكيف تستقيم له الأمور بطريقة طبيعية .. وصل إلى اليمن وقضى بها مدة ستة أشهر شقاء وتعب .. إنتهت بهروبه عبر الجبال من اليمن إلى المنطقة الجنوبية .. ومنها وجد من يساعده في عمل تأشيرة عمل له كمندوب بيع في شركة من الشركات ..
وعاد إلى مصر بعد سنة من الغياب خالي الوفاض .. بعدما قضى العام يبحث عن وضع جيد وإقامة نظامية .. فزاد الأنفاق ولقلة الدخل تراكمت بعض الديون عليه ..
عاد خفيفا إلا من بعض الهدايا التي إشتراها ذرا للرماد في العيون .. ولإقناع نفسه وأهله أنه سفره كان ناجحا .. وبالرغم من أنه أحس الإخفاق في بعض الأحيأن إلا أنه دائما كان متفائلا أنه سيوفق إلى مايريد .
عاش شهرين في مصر بين الجوازات والسفارة .. جهز أوراقه بأمل العودة للسعودية ثانية لتعويض مافاته .. وقد زاد عليه عام زاده سنا وعبأ كبيرا لكي يعيش كما يتمنى .
أخيرا عاد لعمله الجديد في الجنوب .. وإبتسم له الحظ وتوفق فيه .. وبدأ في كسب المال لتعويض مافاته .. وأصبح لديه هدف وهو سداد ما تخلف عليه من ديون العام المنصرم ..
إعتاد الحياة في الجنوب وذلك لحبه للسفر الطويل هناك .. و كانت أيامه عبارة عن سفر متواصل وإستمتاع بالحياة هناك .. بين أكل وشرب ولبس وفسحة وسفر .. كانه سائح ولكن واه من لكن هذه .. يأتي الألم بعدها مباشرة .. إستمر به الحال في الجنوب قرابة الخمس سنوات أو يزيد كانت أجمل ما عاش في غربته .
فكر أول ما فكر بعد عامين أويزيد من سفره أن ينزل في إجازة لكي يخطب ويكمل نصف دينه .. وكان أن طلب إجازة .. واستعد بالهدايا والقلب المفتوح .. ليسافر لمسقط رأسه ويبحث عن بنت الحلال التي تقبله وتعيش معه باقي عمره .. ويحلم ببيت جميل وأطفال كثيرين يعلمهم ويربيهم بأفضل مما تربى هو .
وأخذه البحث عن بنت الحلال بعض الوقت .. حتى ناداه أبوه ليلفت نظره لمقدار ما ينفق من أموال .. وهو مقبل على الزواج ويحتاج لمصروفات كثيرة .. وأكثر ما يحتاجه هو بناء بيت منفصل أو أن يبني شقة ببيت أبيه في الدور الرابع .. وإختار الحل الثاني لأنه لايريد الإنفصال عن بيت أبيه والذى حمل ذكريات طفولته وصباه .
وبدأ في البناء حتى قارب الإكتمال وقاربت نقوده على النفاذ .. ومرت أيام إجازته سريعا .. فلم يتثنى له أن يجد بنت الحلال التى يرتبط بها .. وعاد إلى السعودية بأمل الرجوع العام القادم لينهى هذه المسأله .
ومر حوإلى العشرون شهرا .. بين عمل وسفر وإرسال كل قرش .. لإكمال البناء وتحويش مبلغ للخطوبة والمهر. وعاد في إجازة قصيرة ليخطب ويشرف على إكتمال البناء وتم له كل شئ وكانت أيامه مفرحة له ولأهله .. خطب بنت ناس طيبين فرحوا به وتمنوا إتمام الزواج .. وإتفقوا جميعا أن ينتظروا للعام القادم حتى تنهى العروس دراستها ويتم الزواج .
ومرة اخرى ها هو ذا يعود لعمله .. ويجد ويجتهد به حتى يجمع ما تبقى له من مصروفات الزواج ويؤثث شقة هنا بالسعودية لإستقبال زوجته بها .
مع أبو بكر وتأتى الرياح دائما بما لا تشتهي السفن .. إضطر لتأجيل إتمام الزواج .. تعرض لحادث أليم بالطريق لإحدى القرى الصغيرة بالجنوب .. والتى ترتفع كثيرا عن سطح البحر .. إنحرفت السيارة لهوة عميقة نجا منها بأعجوبة .. ولكن راحت فيها السيارة التى كان يركبها .. وأصيب هو بإصابات بليغة إستدعت وجوده بالمستشفي لأكثر من شهرين حتى عولج من إصاباته الكثيرة والتي أثرت على قدرته على تحمل متاعب الطريق الطويلة .
المهم قدرت الشركة ظروفه .. ووافقت على نقله للمنطقة الشرقية للعمل هناك .. بناء على طلبه تفاديا لهذه الطرق الوعرة والمرتفعات والجبال التي كان مستمتعا بها لأقصى درجة .. وإنقلبت متعته لرعب حقيقي من أي حادث فالنتيجة المؤكدة هى الموت .. وإن كان قد نجا هذه المرة بعناية الهية وعمر مازال فيه بقية فهل يضمن ما يحدث المرة القادمة .
وهناك بالمنطقة الشرقية بدأت متاعبه .. فالسفر لم يكن متواصلا لفترات طويلة .. وإنما المسافات قصيرة بين مدن هذه المنطقة .. مما جعله يحس بالملل من كثرة التوقف في داخل المدن وزحمة المرور.
وبدرت في الافق نذر وخيمة .. بعد دخول قوات صدام حسين للكويت صيف عام 1990 وتهديده للمناطق القريبة منها بالسعودية .. ونزوح اعداد كبيرة من أهلها ناحية الغرب والجنوب .. مما إستدعى تقلص حجم العمل بكثير من الشركات .. أدى ذلك لتدني المبيعات عن فترة المنطقة الجنوبية .. ولذا تدنى مستوى دخله وأحس بالضيق .. ثم بدأت مشاكله مع الإدارة مما زاد توتره وعصبية .. وتفاقمت حدة الخلافات مع مشرفه المباشر .
ومع إستمرار الحال لأكثر من شهرين على هذا المنوال .. لم يكن هناك أمل في انفراج الأزمة قريبا .. فكرت شركته في تقليص العمالة لديها لحين تحسن الاحوال .. وكان نصيبه أن يمنح فترة إجازة بلا راتب لمدة ستة أشهر.. وكان عليه تدبير أموره بطريقته .
وبدأت المعاناة من جديد .. وواجه المشكلة بالبحث عن عمل حتى حفيت قدماه .. وأخيرا استقر به العمل كسائق تاكسي بالمنطقة الشرقية .. وهذا العمل له مساوئه كأي عمل وما لاقاه فيه كان كثير ..
من زبائن ما يعلم بيهم الا ربنا .. من سيدات وبنات تركبن معه ولاتدفعن له الأجرة مرة بإغراءه بالحرام ومرات بتبجح كبير ولايستطيع أن ينطق بحرف .. لأنه يخاف أن ترمي بلاءها عليه .. عانى أيضا من رجال وأنصاف رجال .. ومنها أيضا تعطل السيارة وإلتزامه بتوريد مبلغ يومي .. كان يلتهم كل الدخل ولايتبقى له إلا قروش قليلة بعد البنزين وخدمة السيارة لاتكاد تفي بإلتزامته .
اصابته تلك الاحوال بشبه اكتئاب .. ويقول هو عن هذه الفترة :
– لا أريد أن اتذكر هذه الفترة .. وأحاول إسقاطها من حياتى .. فبالرغم من قصرها نسبيا إلا أننى لاأحبها اطلاقا .. أحمد الله أنني سددت كامل ديوني .. لم أعد ملتزما إلا أمام نفسى بمصروفات الحياة اليومية لمواصلة العيش .. حاولت دائما الافلات من مشاكل التاكسى .. فقد رأيت ما كنت لاأصدقه من سلوكيات لو حكاها لي أحد ما صدقته ..
والحقيقة أنه كادت تتكون لديه عقيدة .. أنه غير محظوظ إطلاقا فيما يقابل من بلايا ورزايا .. وأحيانا كان حانقا على حاله وأحيانا يحملها لنفسه .. كان عليه أن يواصل تعليمه حتى النهاية ليحصل على فرصة أفضل ثم ينظر لحاله قبل الحادث ليقول في نفسه .. أنه وبهذه المعطيات كما هي كان يحصل على دخل ومزايا جيدين جدا .. وأنه ليس مسئولا عن دخول صدام للكويت وتبدل الأحوال بالمنطقة الشرقية .. كما أن هناك سبب آخر كان يصارح به نفسه كثيرا وقد أقر بها أمامي .. أنه لم يكن يحب التعليم كثيرا ولم يتكون لديه أى طموح من ناحية التعليم .. ولذا فقد كان متعجلا أن تنتهي رحلته مع التعليم بأقصى سرعة .. وأن جاءت معكوسة حيث ربطه أبيه بالتعليم إلى نهاية عمره .. ويحمد الله كثيرا أنه أفلت من هذه الدائرة الضيقة التى كان مخنوقا داخلها ..
حأول كثيراالعمل بمهن أخرى خلاف قيادة التاكسي لم يوفق .. وأخيرا عزم الرحيل من المنطقة الشرقية للغربية .. هربا من شبح الحرب الذى اصبح يلوح في الأفق .. ولذلك جمع كل ما لديه من مال وأغراض وذهب للعمرة .. ومن هناك تعارف على زميلنا الذى جاء به إلى شركتنا .
إنتهى به المطاف بالمنطقة الغربية .. هربا من التاكسى وأشياء اخرى .. وبحثا عن مكان جيد للعمل والعيش فيه وهنا بدأت حكايته معنا وفيها بعض المواقف التي لاتنسى .
الحكايات بدأت مبكرا من بداية عمله .. ولأنه لايتحدث الأنجليزية وما تعلمه من كلمات على مدار ثمان سنوات بالغربة لم تكن لتسعفه في التعامل مع طاقم إدارة المبيعات .. والذى كان أغلبه فلبينيين ومدى معرفتهم بالعربية غير كاف للتفاهم بينهما .. وقد قمت بدور المترجم بينهم في مرات كثيرة مللت من تكرارها .
واخيرا سألته ماذا بينك وبين الأنجليزية ؟ .. لماذا لاتحأول التقاط كلمات أولا بأول تساعدك في التعامل اليومي فأجابني أنني بيني وبين الإنجليزي عداء مزمن .. حيث تسبب لي في مشاكل مع ابي كانت تنتهي بأن يضربني علقة ساخنة مع كل اختبار إنجليزي اخفق فيه .
ويستطرد متذكرا أيام الصبا .. ويشعر بلذة التذكر والحكي ..
– مرات كان أصحابي يسألوني بعد كل إختبار عن إجاباتي .. وكان ردي الوحيد هى علقة وتفوت ولا حد يموت .. ومرة أبي سمعني وأنا اقول ذلك متهكما على خيبة امله في .. وما كان منه الا أن ضربني وجلس يوبخني فترة طويلة .. وفي الأخير جلس واجما لمدة ساعة ولم ينطق بحرف وكانت كأنها دهر أحسست بأنه يكاد يغمى عليه .. فبكيت طويلا حتى هدأني وأنتهى الموقف .. ولم يعد يسألني عن الأنجليزي ولم يعد يضربني إلى أن إنتهيت من المرحلة الإعدادية ونجحت في الأنجليزي بالدرجات الصغرى ولا اعرف كيف نجحت فيه حتى الآن .
كانت بداية عمله معنا هي الفترة السابقة على بداية حرب تحرير الكويت بحوإلي شهرين أو اكثر .. وأنا لاأنسى إطلاقا هذه الفترة .. فقد كانت مميزة جدا لأنها أعطتني أنطباعا مهما بأن الإفتاء طبع أصيل في المصريين سواء كانوا عالمين بموضوع الفتوى أو حتى غير عالمين به .. لايهم .. ما يهم هو أن يدلي كل بدلوه وقليلا ما سمعت أحدهم يقول لاأعلم .. وتختلط التفسيرات بالحقائق والأوهام بالأخبار .. ويتحدث كل واحد فينا كانه يعيش وسط الأحداث ويعتبر نفسه أحد صأنعيها .
في هذه الفترة بدأت الأهمية النسبية ( للراديو) .. كأحد أهم أدوات الحصول على الأخبار والتحليلات .. حيث هناك مصدر وحيد للاحداث .. وهو الإدارة الأمريكية التي أعطت قناة واحدة إحتكارا للمعلومات .. ولذا زادت كمية التكهنات .. وكذلك كان هناك مفارقة كبيرة أننا سوف نرى الحرب مباشرة على التلفاز .. وكانت هى المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك .
كل هذه الحواشي كانت مهمة .. لبيان سلوك أبو بكر خلال هذه الفترة .. التي نمت فيها موهبة اللماضة لديه .. وكانت سابقا بالنسبة لنا كبرعم صغير ينمو ببطء .. والأن اصبحت شجرة كبيرة سامقة .. ضاربة جذورها في الارض .. واصبح نجم أي تجمع من اكثر من شخصين .. تجده واضعا راديو صغير إشتراه خصيصا ليظل معلقا في كتفة أينما ذهب .. يسمع منه وينقل ما يسمع بتصرف دائما من عندياته .. وأحيانا لايعجبه المتحدث بالراديو فيغير كل ما يقول مائة وثمانين درجة .. متهما إياه بالجهل أو التحيز لفئة دون فئة .
وقد أثرت هذه الحرب علينا جميعا .. حيث كرست الإنقسام بيننا كالعادة .. ما بين مؤيد ومعارض لما فعله صدام حسين .. وكذلك تباينت مواقفنا تجاه ما تخطط له أمريكا في حربها ضده .. وتجميعها لدول كثيرة لتقف بجانبها في حربها مع صدام حسين .. ولم يكن في رأيه أن أمريكا تحتاج لكل ذلك وأنما هى تريد من يدفع ثمن مغامرتها في الكويت سواء من ناحية التمويل .. أو من يتم التضحية به من أبناء كل الدول المشاركة معها في هذه الحرب الغير مقدسة ..
وقد بدا ما قاله منطقيا .. إلا أننا وفي هذه الفترة سمعنا منه أغرب التعليقات وأطرفها .. وكانت كلها تعتمد على مايسمعه من الراديو المعلق دائما في كتفه .. حتى أننا كنا متعارفين على تسميته أبو راديو .. وكان يستمع لمداعباتنا بضحكة بسيطة رايقة ويتندر علينا بأننا نجهل أهمية متابعة الاحداث .
وبرغم إنشغاله بالعمل .. ومحاولة النجاح وجمع بعض المال لإكمال زواجه .. الا أنه لم ينس خطيبته وتجده ينزوي يقرأ خطاباتها له في غرفته .. وبعدها تجد أحلى تعبيرات الحب في قسمات وجهه وتبرق عيناه وتلمعان بشكل يشعرك أنك أمام قيس بن الملوح كما كنت أداعبه فيضحك بملء فيه ويقول :
– بكره لما تخطب ستغرق في الحب حتى أذنيك .
وأشير لأذنيه واقول له :
– أذناك كبيرتان بما يكفي الا تغرق سواء في الحب أو حتى مياه البحر .
ويضحك بملء فيه و نستمر في الدعابات السمجة هذه حتى تنقضى ليلة اخرى من ليالي الغربة ..
وليالي الغربة في أيامه الأولى معنا كانت تبدأ وتنهتي بالحديث عن حرب الكويت .. ويتخللها عشرتين كوتشينة أو طاولة .. وله فيها باع كبير .. وإن إنتهى به الحال يوميا أن يشيل الليلة كلها .. بسبب خسارته أمامنا في الطاولة أو الكوتشينة .. والتي أحيانا ما تكون بفعل فاعل ..
إستمتعنا بكل الأحداث بالخليج لمدة أربعة أشهر ونصف .. حتى تم تحرير الكويت وأعرف أن هذا غريب جدا .. وأقول إستمتعنا لأنها كانت بمثابة منتدى يومي .. نعقده من العاشرة مساءا حتى الثانية صباحا .. نتناقش ونتناحر فيه حتى أحيانا نغضب من بعضنا البعض .. ومادة الإستمتاع كانت هى مرور الوقت سريعا .. لأن الغربة أيامها ثقيلة رتيبة تمر بصعوبة .. حينما تكون خاوية من الاحداث الكبيرة المهمة في حياة المغترب .. وتحتاج لأحداث كثيرة متلاحقة حتى تمر ايامها بسرعة .
جرت الايام على منوالها السابق .. وكان أبو بكر ينتظر مرور الوقت وبسرعة شديدة .. لكي يتم زواجه لأنه كما كان يقول تأخر اكثر من عام فوق المدة المتفق عليها .. بسبب الظروف التي حدثت له .. وكان دائما يتحدث بأسى شديد .. ويعقد مقارنة مستمرة بين ايامه الأولى في المنطقة الجنوبية وبين ما حدث بعدها .. واحيانا ألحظ حزن دفين في حديثه وحزن أعمق في عينيه بسبب كل هذه الاحداث .
يستمر في المقارنة بينه وبين من استمر في الشركة القديمة .. ويشعر بالاسى ويتحسر على حاله ويكون تعبيره دائما أن يقول في النهاية :
– لن نجد جميعا من الكلمات التى تعبر عن حالنا .. الا أنها الاقدار والتي لن ننجو مما كتب لنا فيها .
– وكل هذا خير من الله ولابد أن نتعلم من أخطائنا لكي نبني حياة أفضل .
لكن الغريب جدا أننا لانتعلم أبدا ونظل نخطئ في حياتنا حتى تنتهي ويبدو أن هذه سمة إنسانية بحتة .. أن نخطئ بإستمرار ولكن الجميل الذي في ذلك هو .. أننا لابد أن نستغفر الله ونطلب أن يتوب علينا لنشعر ببعض الراحة والقدرة على إستئناف الحياة .
أجد أحيانا في كلامه بعض المنطقية .. والبعض الآخر لماضة مصرية حقيقية .. لأنه دائما يخلط الجد بالهزل والسخرية وأسأله عن هذه الخلطة الغريبة .. وتكون الإجابة بإستمرار أنه يخلق لنفسه عالما ولغة يعيش بها وسط الناس .. كما لو كانت بصمته على سطح هذا الكوكب الغريب المليء بالناس الأغرب .
ولايقنعني هذا التفسير ونظل في نقاش طويل لايفضي إلى نتائج ملموسة .. ولكنه إستمرار للحياة نفسها .
في يوم من الأيام إشتد النقاش بيني وبينه حتى أطلقت عليه نكتة شديدة جدا ومن فرط الضحك منا جميعا وقف صائحا في المكتب قائلا لي :
– أنت بتتريق على ليه ؟ أنا مش عاجبك في إيه ؟ ده حتى أنا احلى منك جدا واسأل اللي قاعدين معانا هنا .
وكانت أول مرة أفكر في ذلك .. أننا نتحدى بعضنا فيمن هو أحلى أو أكثر وسامة .. وافقنا من الضحك ونحن ننظر لبعضنا البعض .. لنرى من هو الأحلى والأكثر وسامة بيننا نحن الجالسين بالغرفة خمسة أو ستة اشخاص .
ومن غرابة الفكرة وتدقيقنا في وجوهنا جميعا .. إستغرقنا في الضحك مرة أخرى .. حتى إنتهى الموقف بأنني إحتضنته وإعتذرت له عن النكتة البايخة التى أطلقتها عليه .
وبالرغم من أننى أكره الإعتذار جدا .. ولذا أحافظ على لسانى الا أخطئ في أحد الا أنها فلتت مني واستوجبت الإعتذار .. والذي قدمته له بكل صدق ولم أشعر الا أنني أصبحت اكثر قربا منه كإنسان ومتعاطف معه جدا.
ولم أفكر بعدها إطلاقا في المزاح الثقيل .. حتى لاأضطر للإعتذار مرة أخرى أمام الجميع .
وجاءت بداية الصيف لتشهد نزوله في إجازة للزواج .. وتم له ما أراد وإن كانت قلة الأموال في يديه لضعف حصيلة العمل بالنسبة له .. حيث لم يستطع أن يبيع ويحصل على عمولة الإ في عمليتين فقط وكانت الحصيلة ضعيفة .. ولكنه أرضى نفسه بها وحاول قدر المستطاع أن يقتصد في مصروفه.. وإن لم يبخل على عروسه بشراء كثيرمن الهدايا لها ولإهلها إستعدادا للزواج .. وكانت فلسفته أن البساطة أفضل شئ و(اقل موال بينزه صاحبه ) وأن القناعة كنز لايفنى .. وكثير من هذه الامثلة التي تشجعنا على تحمل صعوبات الحياة .. بالرغم من حجم المعاناة .. وارتفاع سقف الطموح بما لايتناسب مع الإمكانيات المتاحة .
وسافر في إجازة لمدة شهرين .. وأتم تجهيز شقته وشراء ما تبقى من مستلزمات المعيشة .. كما علمنا منه حادثناه تليفونيا في أسبوع وبعدها أقام حفل بسيط في قريته أمام منزله وكانت ليلة جميلة ..
أخيرا فرح فيها بعروسه .. وعاش شهر ونصف في عسل عوضه عن أيام صعبة عاشها في حياته .
وكما قال لى بعدها حينما عاد :
– أن فكرة الزواج نفسها فكرة جميلة .. وإن تأخرت كثيرا وأخذت كل المدخرات .
– الا أن الحياة بدون زواج لاتطاق ولابد أن يبحث كل شاب وفتاة عن شريك حياته .
إنتهى العسل وإنتهت معه ايام الاجازة .. وعاد للعمل وما اقسى لحظات العودة من الاجازة على المغترب حيث لحظات الوداع والاحساس الرهيب بإنتزاع الإنسأن من جذوره .. وكذلك الإحساس المر بعد عودته لأكثر من شهر يظل يتذكر ويقارن بين الحياة بمصر والإجازة .. وخصوصا إذا كانت إجازة شهر عسل ممتعة.. والأقسى هو الإعتياد على الونيس والأليف .. يعود فلا يجد حوله الا هذه الأشباه تشعره بأنه في ثكنة عسكرية سواء بالعمل أوالسكن .. غير مسموح للجنس الآخر بالتواجد .. وقد اعتاد الجنس الناعم ونعومة الحياة في شهر عسله .
وجد بإنتظار نقلة لمعرض الشركة بعيدا عن الادارة .. في عمل مختلف ومجال مختلف لم يتوائم معه .. ولا مع مديرة هناك .. خصوصا بعد شعوره بالاشتياق لزوجته.. وصعوبة حضورها قبل عدة أشهر لتدبير زيارة لها وتأثيث شقة بعدما تآكلت كل ارصدته .. وأصبح مدينا ببعض الأموال لتكملة زواجه .
بعد ثلاثة اسابيع من وصوله جاءته أنباء جيدة من مصر .. زوجته حامل في بداية حملها .. شعر بسعادة كبيرة جدا وحلم بيوم يرى فيه زوجته وابنه أوابنته .. كان مطمئنا جدا من حيث نوعه فلافرق لدية بين ولد وبنت .. المهم أنه يكون بصحة جيدة .. ويربيه افضل مما رباه أبوه كماكان يقول دوما ..
سألته مرة عن المولود .. كيف يفكر فيه وهل إختار له إسم .. قال أنه يحلم أن يسمي عبد الرحمن أو اسماء .. حسب النوع ..وإستطرد بدون توقف أن اباه سماهم هو وإخوته بإسم الرسول عليه الصلاة والسلام واسماء الخلفاء الراشدين ..ويحب اسمه ويحب أن يكون يسمي أبناءه بأسماء أبناء أبو بكرسواء كانوا بنينا أم بناتا ..
مر الوقت بين نقله وإنتظار مولوده الأول وتعجله إستقدام أسرته.. إنتظر مضطرا حتى تتم الولادة .. فزادت عصبيته وكثرت مشاكله .. لم يجد متنفسا له الا جلسات سمرنا الليلية عند صديقنا طارق سلطأن .
ضحك وتسلية وكوتشينة وطرب وتدخين شيشة وجراك حتى الثالثة صباحا ثلاث أو أربع مرات بالأسبوع .
وزادت لماضته عن ذي قبل .. الغربة والاشتياق لزوجته وهمومه المادية ومشاغباته بالعمل جعلت منه فيلسوفا شعبيا .. يطلق حكمته أو ما يعتقد أنها الحكمة للجميع وفي كل المناسبات .. سواء كان مايقوله حكمة فعلا .. أو مجرد حديث لايرقى لمرتبة الفلسفة .
وحسما لمسألة خلافاته المستمرة مع مديره الجديد .. وتدخله في عمله واتهامه له أنه لايفهم في العمل .. تقرر نقلة لفرع الشركة في مكه .. ليحل محل سكرتير الفرع المسافرباجازة لمصر . وكان لابد من حفلة وداع …..
وصلنا ديوانية طارق سلطان في العاشرة مساءا .. وبدأ إعداد الجلسة .. الشاى والعشاء والشيشة والجراك .. وأخذ عيسى خادم الديوانية يروح ويجيئ حاملا الأطباق والصوأنى وأدوات الشاى والإكل .
إستلم أبو بكر الشيشة وعليها الحجر مغطى بالقصدير .. وأخذ يضبطها يشد أنفاسا من الشيشة بلذة شديدة .. لاحظت أنه لايخرج أى دخان سواء من فمه أو منخاره .. وتعددت الأنفاس ولادخأن يخرجه بالمرة ..
سألته لماذا لايخرج دخان من فمك أو منخارك مع شدات الأنفاس من الشيشة ؟ .. فأشار للقصدير الذي يغطي الحجر .. وأردف يقول بثقة .. القصدير كالفلتر يجعل الدخان يختفي وتستمتع بالشيشة دونما أى ضرر عليك .. وأضاف أنها أحد فوائد تغطية الحجر بالقصدير .. ولأنني غير مدخن صدقته وسكت ..
لحظات قليلة ودخل عيسى مرة أخرى .. يحمل بيده (طاسة )بها فحم والع وجعل يضع منه قطع على الشيشة .. وأخذ حسن يشد من الشيشة وينفث الدخان من فمه ومنخاره ..
نظرت إلى أبو بكر والذى إمتقع لونه من المفاجأة .. ولعب بي شيطان النكتة واللسان السليط .. وسألته لماذا أخبرتني بكل القصة السابقة عن القصدير والشيشة ..
ولم يحر جوابا وإنفجرنا جميعا في الضحك .. استمرينا إلى الفجر نتندرعلى ذلك حتى إغرورقت عيوننا بالدموع من كثرة الضحك .. وعنه لاتسأل .. كان أبو بكر يشعر بالخجل .. يضحك بطريقة عبيطة بعض الشئ ..
جل ما كان يقلقه كثيرا هو أن هذا الحدث سيظل عالقا بالأذهان .. وسيعرف عنه الجميع غدا صباحا وستكون فضيحة ومسخرة السنين .. والحقيقة أننى كنت أنوى فعلا أن أفعل ذلك .
لكن الغريب أنني لم ابدأ الحكي .. إنما هو من بدأ الحكي للجميع .. وكانها مغامرة فاشلة يحلو له أن يحكيها .. او هي كأحد حكاياته التي يتندر بها أمام الجميع .
عاش في مكة أربعة أشهر كانت هدنة بالنسبة له .. بلا متاعب أومشاكل يجلس بالمكتب طوال النهار .. ويبيت بالشقة المجاورة كسكن للفرع .. وكانت فترة جيدة له حيث حاول الإقلاع عن التدخين .. وقلل مصروفه وجاء قربه من الحرم المكي كمنحة .. جعله أكثر هدوئا وراحة بال .. وإن بدأ إنتظاره للولادة ووجود أسرته معه أحد أكبر الضغوط التي تعرض لها في حياته .
وإنتهت فترة مكه وعاد إلى جدة .. ولكن في مركز الصيأنة والمستودع كمساعد إداري للتحصيل والمعاملات البنكية البسيطة.. واستعد لوجود أسرته بتأشيرة زيارة .. وكانت تجهيزات منزل للعيش فيه هي اهم المنغصات حيث لابدل سكن ولا مساعدة .. وهداه تفكيره وتوفيق الله .. لمنزل شعبي في أطراف المدينة .. حيث إيجاره في المستطاع وله حوش أمامي بباب مباشر على الشارع .
وجاءت أسرته بعد الولادة .. وكانت إبنته أسماء طفلة جميلة خفيفة الدم .. حاول أن يتعايش ويعيش على دخله.. ولكن النفقات كانت أكبر من مقدرته على التحمل .. وبما أن الحاجة أم الاختراع فقد فكر ونفذ وبسرعة .
فكرتة كانت في شراء بعض الكتاكيت والبط الصغير .. وتربيتهم في الحوش لتوفير طعام جيد من الدجاج والبط والحمام ايضا .. وكذلك لأن دخله بالكاد يفي بأغراض الحياة الأصلية .
إستمرت به الحياة لحوالي العام يعاني شظف العيش .. يقول مستغربا ما آل إليه .. أنا لاأصدق أنني أعيش بهذه الطريقة وفي السعودية .. وكل من يسمع عن السعودية يظن أن من يعيش فيها متمتع بكل متع الحياة ولديه من المال ما يجعله من الاثرياء .
جاءني يوما مهموما .. ومن كثرة ما رأيته مهموما لم اعد اسأله فقد اعتدت ذلك .. كنا جميعا في هذه الاثناء مهمومين .. لتأخر الرواتب وقلة ذات اليد مع الكثيرين منا .
مال علي هامسا اليس معك أي فائض من المال .. أنا في إحتياج شديد .. وسألته عن سبب الاحتياج الشديد .. فقال أنه لم يدفع الايجار منذ فترة .. و صاحب العقار حادثهكثيرا .. وبدأ ينقر كثيرا على موضوع الايجار .
سمعت أنا كلمة ينقر هذه وقلت له .. هذا على أساس أنه ديك وينقر .. وسمعني أشرف زميلنا وهاتك يا تريقة وتنكيت .. وهو من شدة غيظة وإحتياجه أخذ في الضحك وبشدة .. وانتهى الموقف بأن أعطيته المبلغ المطلوب مع كثيرمن الضحكات المتبادلة والتريقة للركب .
ولما طالت مدة العسرة المالية التي عاشتها الشركة .. وكذا كثير من شركات المقأولات في هذه الفترة .. زادت عصبيتنا جميعا .. حتى كان مساء أحد الأيام وبعد السابعة مساء .. رأيت أبو بكر يدخل الشركة متجهما .. ولديه من الزهق والملل والضيق واليأس ما يكفي عشرة رجال .. وسألته عن أحواله وليس لديه إجابة إلا أنه مخنوق .. ليس لديه ولو ريال واحد .. ولايوجد في بيته طعام لأسرته .. وإستمر النقاش بيني وبينه لمحاولة تهدئته .. ولكن لم تفلح محاولاتي فقد كان محبطا لأبعد درجات الإحباط ..
سمع صوت صاحب العمل .. دخل عليه مكتبه ليطالبه بالراتب المتأخر لأكثر من ثلاثة أشهر .. شرح له مشكلته .. لديه ديون مستحقة .. ولديه أسرة وإلتزامات وهكذا أمور .
تطورالنقاش بينهما ليرتفع صوتهما .. ولم نميز الكلمات وإن كانت كلها تصب في طلب المال من قبل أبو بكر .. وتعذر صاحب العمل بالأزمة المالية التي تضرب شركات المقاولات .. والتي هي العميل رقم واحد لشركتنا .
تطور الأمر لسباب وشتائم .. وسمعنا صوت صاحب العمل يصرخ .. إلحقوني وجرينا على مكتبه .. ووجدت أبو بكر وقد أمسكه من تلابيبه .. وحاول أن يضربه أو يلكمه فتفادى الضربة وإستغاث بنا .
خلصناه من يديه .. أخرجنا أبو بكر من غرفته .. وأطبقت يدي على الهاتف الذى أمسكه صاحب العمل ليطلب الشرطة لتأخذه من المكتب ..
وأنا أدرك أن الشرطة لو جاءت فلسوف يرحل دون أي مواربة .. وإرتجيته أن يهدأ ويعطينا فرصة لإصلاح ما حدث .. ولم يكن هناك إى إصلاح يرتجى فالعلاقة قد إنكسرت ولم يعد يجدي معها إستمراره في العمل .
كان موقفا جدليا وإنقسمنا كالعادة .. بين من يلتمس له العذر وبين من يدينه .. ولكن تركز تفكيرنا أن نخلصه من هذا المأزق بأقل خسائر ممكنة .. حتى لايؤثر عليه كمصري مغترب .. ولايؤثر أيضا في علاقتنا بصاحب العمل .. وإن كنت أعتقد أن كثيرا مما حدث لايد لأحد فيه .. هي أزمة عابرة ولابد أن تنقشع في يوم من الايام ..
إنتهى الموقف وإنتهت آماله في السفرولابد أن يعود لمصر .. وبضغوط قوية من المصريين العاملين بالشركة تم صرف مستحقاته بالكامل .. بل وأكثر من ذلك جمعنا له بعض المال ليعينه على بداية حياة جديدة في مصر .
سألته أثناء هذه الازمة ماذا ستفعل في مصر ؟ .. بعد رحلتك الطويلة خصوصا أن نتائجها ليست جيدة بما يكفي لحياة مريحة في مصر .
أجابني أنه لم يعتد الحياة المريحة .. اللهم إلا فترة العمل بالجنوب ..وسوف يبدأ في البحث عن عمل في مصر .. يحتاج لبعض الراحة والهدوءوالإستقرار .. وأنه رغم كل شئ كان يفكر بالعودة مضطرا للتدريس مرة أخرى ..
سمعت ولم أعلق وتمنيت له التوفيق .. ومن يومها لم أسمع عنه شيئا .. وظلت قصته عالقة بذاكرتي حتى الآن ..

السابق
مفارقة
التالي
كتوم

اترك تعليقاً