النقاش العام

اللّغة لدى عامة النّاس ليست أكثر من وسيلة تعبير

أما آن لنا أن نفكّر، كأكادميين وباحثين ومثقفين غيورين على حياتنا وترقيتها، نفكّر في طرح مشكلة الكتابة والتحكّم في أبجديات التعبير وشروط الصياغة كما فعل أجدادنا قديما من العلماء والأدباء واللّغوين والمبدعين، كانوا أكاديميين ومنهجيين بالفطرة لصدق حبّهم للعلم والمعرفة بالرغم من ظروف الحياة، كانوا جميعا على مستوى راق من الوعي بدور اللغة الريادي في الأمّة وأثرها في الأجيال وعلاقتها بكلّ منجز، حتى عجز الإنسان الحديث في الإتيان بإضافات مماثلة، فلهم فضل تأسيس قواعدها والترغيب فيها بطرق علمية متعالية الطرح بأساليب مدروسة ؟ لقد أدركوا سبب وجودها وضرورة الاعتناء بها باعتبارها مكسبا حضاريا ورثناه جميعا، أبا عن جدّ، نتداولها في يومياتنا، لكن بمستويات مختلفة وإحاطة متنوّعة حدّ التناقض، غير أنّ هذا الوعيّ لم يكتمل حديثا لدى فئات واسعة، لقد أصبحت اللّغة لدى عامة النّاس ليست أكثر من وسيلة تعبير جزافي لا يحتكم إلى شروط التعبير، واستخداموا قاموسها باعتباطية في ترجمة الأفكار والمعاني والمشاعر، والحقيقة أنّ الأمر يغيب عن كثير من المثقّفين والكتّاب وطلاب الجامعة إذ تُعتبر اللّغة في تصورهم مجرد حروف يمكن رصفها كيفا اتفق لهم وبعيدا عن مسألة النحت العلمي والصياغة الأدبية والتأسيس العلمي، بقصد أو بغير قصد، والرسم البياني الذي لم يعد له معنى حقيقيا في منظومة الحياة والطبيعة والثقافة والتربية والتطور والتنمية، ويكفي في نظرهم سكب الأفكار والمعاني في أوعية اللّغة بطرق مفتوحة حدّ الساذجة، نظرا للتساهل المعرفي والمنهجي في الأوساط العلمية والبحثية مما شجّع الرداءة وأفسد العملية على الكفاءة ولا يمكن أن يستشعر خطورة هذا الأمر إلاّ الباحثون الحقيقيون في المنظومة العلمية والرّاسخون في العلوم الإنسانية والواعون بأهمية المخابر وما يمكن أن تضيفه العملية التأمّلية الممنهجة في تأطير النتائج والمستخلصات التي يُتوصل إليها، ولا يمكن أن يدرك هذه الحقيقة إلاّ من امتلك ناصية اللّغة ولديه حسّ لغوي وقناعة عامة بمسؤولية الفرد والمجتمع بما يساهم به الجميع من خلال الموقع الذي يمارس فيه دوره الحضاري، ونظرا لغياب هذه القناعة، كان لابد من وقوع الكثير منّا في الخطأ الذي لا يتجاوز، خاصة إذا تعلّق الأمر بالبحث والإبداع الذي انتشر بشكل مذهل في الأوساط الطلابية وكلّ من هبّ ودبّ، حتى بات الأمر من السّهل على جميع فئات المجتمع أن تمارس صفة البحث بلا حسيب أو رقيب، واختلط الأمر على الباحثين والمجتهدين، ولم يعد هناك تصنيف حقيقي بين ما يقدم بحهد وبين ما يجتز من مراجع ومصادر لا تكلّف هؤلاء إلاّ تقنيتي النسخ واللّصق (Copy /paste) غاية الأمر فيه أحد أمرين : شهادة أو وظيفة، مما أبعد فكرة البحث عن أذهان الطلبة والاهتمام بالعلامة والتنافس فيها لا على الإضافة العلمية التي أصبحت لصيقة بعوارض الحياة وسطحية الظواهر، بعيدا عن المعنى الحقيقي لصفة الطالب والباحث والمجتهد .

السابق
مقارنة
التالي
وزير

اترك تعليقاً