القصة القصيرة

المحاجــــر

انفلق الإصباح جديدًا ..
و العيون فى محاجرها زائغة تركض خلف الجدران النائم أهلها فى أوهام ليالٍ باردة طويلة ..
تدور يمينًا و يسارًا تبحث عن أماكنها العالقة بذيول الليل البهيم ..
بالرغم أن الشمس تشرق فى مواقعها الثابته و تـنشر آشعتها فى كل الدنيا و كذلك (نزلة عبيد) بالصحراء الشرقية بمصر ، و هي بادية بالقرب من حضن {جبل الطير} مركز سمالوط محافظة المنيا منذ آلاف السنين .
الجبل الضاغط على الصدور .. تاركًا شريطًا ضيقًا ممتدًّا .. بمحاذاة شاطئ النهر ليتنفس أهل (النزلة) و القرى المجاورة ليقصوا الحكايا القديمة منذ مسرى العائلة المقدسة ، و كنيسة العذراء التى أمرت الملكة (هيلانة) أم الامبراطور قسطنطين بتشييدها عام 328 بعد الميلاد تخليدًا للبقعة التى احتوت و ضمت ركب العائلة المقدسة لثلاث ليال فى رحلة الفرار بالقرب من (نزلة عبيد) ، التى تقع على بعد أقل من 2 كيلو متر من (جبل الطير) من ناحية الجنوب .
الأيام تدور و (النزلة) تحت ظلال الجبل و أهلوها لا يدرون من يرصد الآخر و يحصيه ..
عادات بالية تلف العقول هناك ..
رغم أن الأشجار تستغنى عن أوراقها كل عام و كأنها
تشق عصا الطاعة على هذا الثبات العقيم ..
ها هى الأوراق الذابلة تفترش سطح الأرض و كأنها ريشة فى يد فنان ..
تعانق الطين .. تتوحد معه .. تمده بالطاقة المختزنة فيه لتكتمل حركة دوران الحياة ، و أعين أهل (النزلة) كنعاجه لا تعـتبر إلا بالقليل !!.

***

عندما تقصر ساعات الليل و تطول فترات سطوع الشمس يهجع الشباب قبل الرجال إلى ظل صفصافة عم (رضوان) وقت القيلولة للاحتماء به من نيران شمس الصيف و الصهد المتصاعد من (جبل الطير) ، غير أن النسيمات الطرية وقت العصارى دائمًا ما تهدأ لها النفوس الوجلة ..
كما أن أعواد (الحطب) المتكوم على رؤوس السكك و الدروب يمتص الأبخرة الناتجة عن نتح ماء النهر وقت فيضانه .
كما أن {العمامات} المضروبة على الرؤوس تمتص شلالات العرق الطافق من جبهات الآباء و الأمهات الكادحين بحثًا عن حفنة دقيق أسود أو (عيار) من حنطة تسد رمق الأطفال الجوعى و مقاومة الحكايا المعادة و المكررة عن (جبل الطير) و الأساطير التى لايشق لها
غبار ..
فالمدق الواصل بين ديار (النزلة) و مرسى البر الغربى ، و منها إلى مركز و مدينة (سمالوط) لم يرتده أحد من الغرباء منذ يوم حضور بعثة {المركز القومى للبحوث الجيولوجية} فى أوائل ستينات القرن الماضى ، و التى رحلت دون أن تقول كلمة واحدة عن (جبل الطير) ..
إلا أن عم (رضوان أبو زايد) لم يزل يقص و بإصرار منذ زمن بعيد أن هذا (الجبل) فيه مستقبل أولاد (النزلة) الحاليين و اللاحقين .
هذا اليوم ..
كان يوافق يوم رحيل الشاب (أحمد بن علام القوصى) ابن كبير (النزلة) فى رحلته الدراسية إلى جامعة القاهرة التى لم يسبقه إليها أحد من أهالى (النزلة) .

***

فى ليلة غبراء من بعد مرور سنين طويلة بعد رحيل ابن كبير (النزلة) غاب فيها القمر سريعًا و ترك سماء (النزلة) إلى نار (الراكـية) المضرمة بالـ (وسعاية) التى تتوسط ديار (النزلة) تبعث بصيصًا من الضوء يسمح بسرد بعض الحكايا المعادة و المكررة ، و تدخل بعض الدِّفء إلى بعض النفوس البردانة ، و الأبدان الخربة داخل الديار المغلقة على ساكنيها .
فى حين أن الأفواه الحاضرة من أهل (النزلة) حول (الراكـية) فاغرة مثل (شاروقة فرن أم إبراهيم) الرابض عند أول (المدق) الصاعد إلى قمة {جبل الطير} من ناحية (النزلة) الذى لم يصعد إليه أحد من قبل .. من أهلها ، بخلاف بعض الأفواج السياحية الأوروبية التى تأتى عن طريق ممهد بأعلى الجبال من الناحية الشرقية من القاهرة فى أوائل كل عام ميلادى ، و دون المرور على ديار (النزلة) المنتظر أهلُها ــ شبابًا و شيوخًا ــ الجديد فى حكايا العم (رضوان) .
إذ بالشيخ (عطوان) يسترق السمع مليًّا ..
يلقى بأذنه هناك .
بعيدًا ..
بعيدًا عن {طقطقة} خشـب (الراكـية) و كركعات (الجوزة) التى تدور على غالبية الحاضرين صوب المدق الواصل بين الوسعاية و بين الدرب المؤدى إلى مرسى (المعدية) من الناحية الغربية .
ينتبه له العم (رضوان) راوى الأساطير و التُرَّهات المعادة و المكررة قائلًا : ــ
ــ ماذا ترى يا شيخ (عطوان) ؟
يبتسم الشيخ الضرير بخبث !!
ــ أظن أن هناك شخص ما قادم نحونا !!
يبتسم الجالسون من قول الشيخ (عطوان) ، و يقهقه (أحمد جليلة) و يقول متهكمًا عليه : ــ
يا شيخ (عطوان) .. يا شيخ (عطوان) ..
(المعدية) التى تربطنا بالعالم الواسع من حولنا تنتهى ساعات عملها قبل المغرب ، و الوقت الآن قرب على منتصف الليل .
{مش ممكن واحد يقدر يعّدى و ينزل النزلة فى الساعة دى} .
ــ يطلق الجالسون ضحكة ترج المكان على (أحمد جليلة) لتصديقه لما رآه الشيخ ، و هو الضرير .
فى ذات اللحظة يسمع الجميع صوت {نحنحة} قادمة من بعيد .
يتعجب الجالسون من فطنة الشيخ الضرير …
من يا ترى القادم ؟!
الخطى وقعها ثابت كثباتهم !!
و وقع الأقدام يزداد اقترابًا !!
من يكون ؟!
الكلاب الرابضة حولنا لا تنبح عليه !!
يقول أحدهم : ــ
من المؤكد أنه من أهل (النزلة) …
أذن من يكون ؟!.
الخطوات تقترب أكثر فأكثر ، و الظلام الدامس يحول دون تبيان ملامح القادم و (الراكية) نارها قد خمدت .
انقطع حبل الحوار و أصغت الآذان و اتسعت دائرة استراقها لدبيب وقع الأقدام ..
فجأة ..
القادم يلقى السلام على الحاضرين بصوت خفيض ..
يرد الشيخ (عطوان) قبل الجميع ..
أهــلًا يـا أستاذ / ..
ــ لم يذكر اسمه ــ
و يكمل ..
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .
تتجمع العيون كلها صوب الشيخ (عطوان) و هى تـتعجب ! .
و لسان حالها يسأل
أستاذ مين يا راجل يا خرفان ..
هى (النزلة) تعرف الأستاذية ؟!.

قبل أن تحتار العقول المربوطة فى حبال أساطير جبل (الطير) و باقى حكايات عم (رضوان) .. يرد عليهم القادم :-
ــ أنا أحمد علام .. يا عم (رضوان) .
يصيح الجالسون صيحة واحدة و كأن المنتخب الوطنى لكرة القدم أحرز هدفًا فى كأس العالم ، و فاز على منتخب البرازيل !!
و الله زمان يا (أحمد) ..
الحمد لله على السلامة ..
{إدليت} من مصر إمتى ؟.
ينهض (غباشى النخيلى) من مكانه ليجلس الدكتور أحمد علام ابن كبير النزلة بجوارعم (رضوان) الذى أمر بدور شاى من جديد .

***

عندما تكتمل دورة الحياه و تَخْرُج النبتة من فلقتها يفرح الزراع و يسجدون لله شكرًا .. لخروج الحى من الميت ..
وخيرهم من يداوم على الرى و العناية حتى تأتى الثمرة بخيرها .
ــ هكذا واصل عم (رضوان) حديثه بعد قدوم (احمد علام) و قال له :-
الآن جاء دورك و نحن لك منصتون .
فى بادئ الأمر تعلثم (أحمد) و ساورته مشاعره ..
بأية لغة يبدأ الحديث ؟
ماهى إلا دقائق معدودة ، و تمكن (أحمد) من تجاوز اللحظة و استطاع امتلاك أطراف الحديث برزانته و وقاره المعهودين .
فهو لا ينسى ما حدث له فى أول زيارة قام بها إلى جامعة القاهرة بعد عودته من الخارج حاملًا درجة الدكتوراه {قسم التعدين} و الدراسات العديدة التى أجراها حول {جبل الطير} القريب من محل ميلاده ، و مدى التعصب غير المبرر الذى لاقاه من مجلس الجامعة و إصراره على أن دور الجامعة يتوقف عند حد التعليم الأكاديمى فقط .. و إن كان يحمل بحثًا دراسيًّا مشفوعًا بدراسات ذات جدوى و قيمة إنتاجية و ربحية عالية عليه التوجه بها إلى جهات ذات طابع إنتاجى أو استثمارى خارج أسوار الجامعة .
طال إنصات الحاضرين من أهل (النزلة) لسماع صوت الدكتور (احمد) لبدء القص ، و هو فى شروده الطويل يسترجع {التيمة} التى كان يبدأ بها العم (رضوان) القص و الحكايا عن (جبل الطير) كما رضعها من أفواه الكبار من أهل (النزلة) و الإصرار على كل ما كان يقصه بأنه الحقيقة المؤكدة .
و كيفية التغلب على نقاط الاختلاف مع من يخالفه الرأى أو يعارضه من الأخرين .
يرى (غباشى النخيلى) الدكتور أحمد علام و هو يمصمص شفتيه و يميل برأسه يمينًا و يسارًا كأنه يتعجب من الموقف ، فينطق و ينطلق دون استئذان من العم (رضوان) :-
{دكتور احمد إنت مكسوف مننا و لا خايف علينا ؟} .
ــ تتسع حدقات الأعين الصامتة و تزداد فتحات الأنوف و الأفواه شغفًا و كأن (أحمد) سوف يعزف مقطوعة موسيقية على أرغول (السيد بسطامى) و هو يرعى غنماته على شاطئ النهر ، و الشيخ (رضوان) يضرب كفًّا بكف .
.. يا الله ..
} مش معقول كل هذه الضوضاء .. أنصتوا للرجل {.

***

كلما غاص الجذر فى طين الأرض الخصبة أكثر .. كلما ارتفع الساق علوًّا و ازداد شموخًا ..
و كلما اهتم الصانع و دقق فى كل تفصيلة و لو كانت صغيرة فيما يصنع .. كلما كان رواج بضاعته فى الأسواق أوسع و أكثر طلبًا .
هكذا استرسل (أحمد) فى حديثه .. و الجالسون لم يفرغوا بعد من تناول (كبايات) الشاى التى تحول ما فيها إلى قطع من الثلج ــ أو كاد ــ و الشيخ (عطوان) يكتم أنفاسه فى صدره الضيق من كثرة شربه لسجائر (اللف) و يتململ فى جلسته و قد تورمت قدماه من كثرة التغيير و التبديل تحت مقعدته الضخمة .. حاجباه كأنهما مساحتان لسيارة لم تدخل الخدمة بعد ، و شفتاه تمتعضان و يكاد الدم يبك منهما من كثرة التأثر لما يسمع .
من غير استئذان قاطع (عطوان) الحديث ..
{هو ده كلام معقول يا دكتور احمد ؟
هو الجبل بيتكلم ؟
طيب احنا بنقول كدا و كدا .. فى الحكايات و الأساطير زي ما وصلتنا ، و بس ، علشان نتسلى و خلاص
ولا انت صدقت كلام الحاج (رضوان) ؟.
و حضرتك اتعلمت و اتنورت و تعرف اكتر منا و برضو بتقول زينا ؟
طيب ازاى ؟!! } .
يواصل (غباشى النخيلى) ضحكه الخبيث ، و على الفور يدس رأسه بين كفيه .
يرد أحمد بهدوئه المعتاد ..
نعم يا شيخ (عطوان) !!
لكل مخلوق على وجه هذه الأرض لغة يتحدث بها .. هذا ما أخبرنا به القرآن الكريم .
علمه إياها الخالق سبحانه و تعالى ..
صاح الجميع .. الله .. الله .. حقًّا و صدقًا .
و أنا يا جماعة الخير مكثت عشر سنوات أتعلم لغة الجبال و بالأخص لغة (جبل الطير) ، و ما يخفيه من خير فى بطنه .
اكتشفت أشياء كثيرة ..
ثم فرك (أحمد علام) يديه و أذنيه ، و تلك عادته عندما يكون جادًّا فيما يقول ، و مسح رأسه بحركة غير إرادية
فى حين كانت العيون و الآذان من حوله واجمة لا تتحرك عن شخصه قيد أنملة .. تنتظر المزيد الذى يكشف عنه ..
نعم
غدًا سوف يقول (جبل الطير) كلمته يا عم (رضوان) كما كنت دائمًا ما تقصه و تحكيه ، و لولا تصديقى لك لأخَّر (جبل الطير) موعد حديثه عليكم !.
أطلق الشيخ ضحكة عاليه على غير العادة .. اخترقت المكان و الزمان .. ربما سمعها الأطفال فى حجور أمهاتهم النيام فى (النزلة) و القرى المجاورة على امتداد المركز بأكمله .
لقد صدقت يا دكتور أحمد ..
ماذا قال الجبل يا دكتور ……. ؟.
غدًا يا عم (رضوان) سوف تأتى المعدات و الآلات لاستخراج الإسمنت و الرخام المرمرى المخبّأ فى جوف (جبل الطير) لتسعد (النزلة) و تسعد (سمالوط) و المراكز المجاورة فى الصعيد صانع الحضارات على مر العهود .
عندها صاحت الديكة فوق أسطح ديار (النزلة) لتعلن للجميع عن حلول عصر جديد من العدالة و الحرية و الكرامة الإنسانية .

***

السابق
اشاعة…
التالي
في الميدان

اترك تعليقاً