القصة القصيرة

المرباع

صار الامر اشبه بلعبة مسلية؛ إذ صرتُ كلما تراجعتُ خطوات الى الوراء، واستجمعتُ كل قواي الفتية في قروني المتحمسة، اقترب مني اكثر، محاولا تقليص المسافة بيننا كي يُفرِغ نطحتي من قوتها، ولايتراجع الى الوراء معتدا بقرونه المجربة كما كان يفعل في الجولات الاولى من المعركة. اصبح يريد ان ينهيها، بعد ان طالت وامتدت ابعد من نفَسه التناطحي الذي قطعته مطبات التعب.! استنزفت قوى قرونه الكبيرة، بعد ان نجحت في جر المعركة الى جولات اضافية، إذ منعته من اللحاق بالقطيع، واجبرته كل مرة ينطلق امامي راكضا ،بنطحاتي الخفيفة والرشيقة واللاهية، على التوقف ومواجهتي قرنا لقرن، لهذا صار يقترب مني كلما هممتُ بنطحه، ويبعبع في اذني بصوت لاهث ونبرة بين التوسل والوعيد:
– سأشكوك الى ” المرباع” ، لقد تجاوزت كل الحدود، وتطاولتَ على نعجاتي، وحسبتَ ان قرونك تطال السماء.!
– وماشأن ” المرباع” بالنعجات.!؟
بَعبَعتُ عليه في سخرية ومرح..
– ” المرباع” سيدكَ وسيدي، وعلى هدي خطواته المباركة، نسير الى ما لذّ ونضج من مراعي.!
– منذ ان فتحتُ عيني على القطيع والمراعي و” المرباع”، لم أره يوما يهتم لأي نعجة، ولايتشمم حتى تلك الرائحة اللذيذة المغرية مستمتعا بها تتمشى في خياشيمه بكل غنج ودلال.!
– إنه صالح طاهر تقي ورِع لاتغرنه الشهوات، نذر نفسه إماما للقطيع يحج به الى المراعي الصالحة.!
– ولِمَ لاتكون انت تقيا ورعا مثله، ولايغرنك فحيح النعجات.!؟
– انا لست ” مرباعا”.!
– ولِمَ لاتكون.!؟
– انا مجرد كبش لاستيلاد الخراف.!
– ..وللذبح.!!
– في هذا نتساوى كلينا.!
بعبعتُ عليه وانا اشعر بغصة كحد السكين:
– سمعتُ من يهمس ان ” المرباع” ليس فحلا، بل مجرد كبش ضخم مخصي نشأ مع الأتان.؟
– سأشكوك له حتما.! انت تجدف على سيدنا الصالح الذي نفض عن جسده الفاني ادران الشهوات، هو الطاهر التقي المبارك صوفه مقدس ومحرم على صدأ مقص الدز، وكل القطيع يسير على بركة آثار قوائمه الجليلة الى جنة من مراعي.! ساشكوك حتما، وانت تردد الشائعات وكلام السفهاء، وسترى ان نطحة واحدة من قرنه المهيب الذي شق بطن الذئب كما شقت عصا موسى البحر، تذري قرنك المعوج والمغرور هذا هباءا ككمشة غبار، وينقذف مخك الشيطاني من مؤخرتك النتنة، سترى..
بعبعها بغضب في وجهي، وانسل مندفعا امامي، دون ان يسمع جملتي الاخيرة:
– ذاك الصوف المحرم على المقص، سيتحول الى جهنم يحملها معه ويتلظى فيها حين يقبل الصيف.!
انطلقتُ وراءه بما اوتيت من خفة ورشاقة، ولأن القطيع كان قد اختفى عنا، تجاوزته واندفعتُ امامه وانا ارمقه بنظرة شامتة.! كان القطيع ملتفا على نفسه، كأن ذئبا خرج عليه فجاة. شعرت بالخوف، واندفعت باقصى طاقتي الى احضان القطيع، متوقعا ان يقتنص الذئب الكبش الذي يتبعني.! لم ار ذئبا، بل تفاجأت بالحمار طريحا يخبط بحركة واهنة احد قوائمه الخلفية مادّا رأسه فاتحا عينه في يأس تام، و” المرباع” واقفا في حيرة قاتلة يحمل على راسه قرونا ضخمة كأنها اغصان شجرة ضخمة يابسة، ويقلب عينيه التائهتين كأنه لايرى شيئا، بينما تتعالى وشوشات القطيع المتسائلة في خوف.. نظرتُ الى السماء، كان نصف قرص الشمس قد اختفى وراء الجبل، وموعد العودة بدأ يفوت عنا. لم اجد بدا من الانتظار مع القطيع المنتظر تحرك ” المرباع” . لكن الحمار لم ينهض، بل لم يعد يتحرك حتى، وهمد في مكانه تماما. تحرك ” المرباع” جيئة وذهابا حوله، ادار قرونه البلهاء كبوصلة معطلة في الارجاء، ثم عاد يهز بها الحمار كما ليوقظه. لم يهتز الحمار الهرم، جمد حيث هو منشورا على الارض، بينما الشمس غابت تماما. غلب اليأس ” المرباع” ،سار بضع خطوات مبتعدا، حتى اعتقدنا انه قرر العودة، لكنه تراجع، ودار دورة كاملة حول الحمار النافق، ثم طوى قوائمه ورقد الى جانبه في استسلام. تصاعد القلق وتعالى الثغاء الحائر وسط القطيع، فيما راح افراد منه يرقدون واحدا تلو الآخر في يأس، وبقيتُ حائرا اراقب سحاب الغروب يتحول حثيثا غيوم ليل داكنة، ولم ارقد.!

السابق
بالونةٌ
التالي
تسلسل

اترك تعليقاً