القصة القصيرة

المسكون

كنت أخاف منه منذ طفولتي .. أراقب مشيته .. فمه المفتوح نصف دائرة لعابه المتجمع حول فمه.. نظراته الزائغة .. أطلق عليه كبار السن اسم المسكون .. لم أكن أعرف ماذا تعني كلمة مسكون سوى ما يفسره خيالي بأنه غول بفم نصف دائري إذا فتحه سوف يلتهم الأطفال الذين لا ينامون باكراً .. أو الذين لا يشربون الحليب .. كان الحليب يتحول إلى فم كبير تسكنه صرخات الأطفال, كم مرة تقيأت الحليب وكدت أتقيأ أمعائي وأنا أشعر بأنني ألتهم رفاقي بالمدرسة .. أمي كانت تعزز هذه الرؤية حيث تطفئ الضوء وتقوم بتقليد صوته حينما يستعصي ملاك النوم على أجفاني فأرتعب وأخنق صرختي ثم أغرق في لزوجة حارة .. بعد ذلك عرفت أن المسكون هو الذي يسكنه جني الأطفال ويأمره بالتهامهم أو تعذيبهم .. في الليل يزورني .. ينزع ملابسي .. يقوم بتدريبات شاقة على إطفاء سجائره فوق لحمي الذي يقاوم الوجع بوسيس خافت .. أتعرق فيجفف عرقي بلسانه الطويل الذي يشبه ممسحة سيارة والدي .. يمسك يدي وينزلني إلى عالمه المظلم .. أخنق عبراتي ويده الكبيرة توجّه أصابعي المتعرقة وتنزلني الأدراج الضيقة التي تنيرها فوانيس خافتة .. يتحدث بلغة لا أفهما لكنني ألمح الدموع تنهمر فوق خده الذي تقسمه ضربات سكين بالطول والعرض .. من ضرب المسكون .. ولماذا لا يستطيع أن يدافع عن نفسه .. ولماذا يبكي .. أين أمه وأبوه ؟؟؟؟ قالوا بأن الزبال وجده ملفوفاً بخرقة تتلطخ باللون الأسود الغامق والأحمر الشاحب .. يومها اتهموا زينة الفتاة الصغيرة التي تمسح الأحذية قرب السوق الكبير بأنها ولدته ورمته في حيينا .. لا أدري كيف رسم لي خيالي امرأة تخرج المسكون من بطنها بعد أن أتعبها بصراخه وركلاته, وتلفه بقماش ملطخ بسواد أحذية الرجال والمراهقين ثم تضعه قرب مكب القمامة وتعود إلى كرسيِّها القش .. تمسح الأوساخ لتعود مساء إلى بيت والدها وخالتها وأخوتها الجياع …… لكن زينة اختفت فجأة ولم تعد إلى كرسيها القش الذي تناوبت عليه ركلات الأقدام وبالت عليه الكلاب الشاردة ……
أذكر أنني كنت شاهداً على معركة جرت بينه وبين مسكون آخر استخدم كل منهما أدوات حادة وغرز كل منهما مديته في مناطق مختلفة في جسد خصمه الضئيل… يومها لم أنم الليل … كان الدم يسيل بغزارة وملوحة ولزوجة من خد الكابوس الذي ما فارقني لحظة واحدة …….
خطفني من سيل حيرتي التي لم تجد الجواب الشافي على تساؤلاتي, ودخل صالة كبيرة تعج بالهمهمات …… لمحت عكاز جدي …… نعم هذا عكازه, يومها ضربني والدي ووالدتي لأنني سرقت العكاز كما طلب مني المسكون .. جدي تقوقع في زاويته وهو يلف سيكارة بأصابع مرتعشة وطلب مني أن أذهب إلى بيت المسكون الذي يقع في آخر الحارة .. بيت عبارة عن غرفة بلا نوافذ تسقفها ألواح من توتياء صدئة .. وباب خشبي يمتلئ بالثقوب .. يجلس المسكون أمام بيته .. يقول أشياء لا يفهمها سواه .. أحيانا ينزع ثيابه ويتبول .. ويبصق على المارة.. يدق على بابه الخشبي بشكل موتور ويقعي مثل كلب يحرس عظمة سوداء لا لحم فيها ولا ماء .. وكل من يقترب منه لا بد أن يغرس أنيابه في فخذه أو زنده .. ولا يمكن لأي امرأة أن تمر من أمام غرفته وإلا……..
أرعبتني الفكرة فكيف سأذهب إليه وهو ما هو عليه من وحشية سببها اضطهاد الناس ووحدته التي فرضتها حالته الاجتماعية والنفسية والبيولوجية ؟؟؟؟
فضلت أن أتلقى ضربات أبي وأمي وجدي وسخرية أخوتي على أن أقوم بتلك المهمة ….
سارعت إلى الجدار واختطفت عكاز جدي وقمت بكسره بقوة ألف رجل .
صرخت في وجه المسكون الذي حاول التهامي: ضربني أبي وأمي وجدي ….. لا أريد أن أتلقى المزيد من الضرب .. صرخت كثيرا فسارع أبواي إلى غرفتي .. جففوا عرقي ونمت هذه الليلة بأحضان أمي رغم أنف أبي ………
أصبح الحليب عدوي اللدود …. فهو بالنسبة لي مصحوب دائماً بغرفة مظلمة .. وأصوات مرعبة تصدرها أمي .. ومواء خلف النافذة يقترب ويبتعد في شارعنا الضيق ..وعواء المسكون الذي يخربش في صدري ويسيطر على عقلي……
تطور الأمر وبات اللون الأبيض هاجسي بل كابوسي …..
مات المسكون .. قالوا أنه تعارك مع فتية أشرار على مبلغ من المال أجبروه على سرقته من دكان العم حسان الذي كان يعطف عليه بالمال والثياب وحتى الطعام حيث كان يغرف له قبل أن يأكل هو وعائلته ….
مات المسكون ولا زال يسكن في صدري ..
يوم زفافي طلبت من عروسي ألا ترتدي ثوباً أبيض ولأنها طيبة وافقت أن تكون عروساً بثوب غير أبيض …
مات المسكون ولا زال الحليب مغارة تتجمع فيها صرخات طفولتي وأصواتاً مرعبة تصدرها أمي …فغادر الحليب بيتي لأن المسكون كان يزورني كلما شممت رائحة الحليب …….
من دفن المسكون في صدري ؟؟؟؟
من يخرجه بولادة قيصرية من وجداني ويأخذ عمري .

السابق
الرّيح ُ والمرْكب
التالي
حكاية رحلة

اترك تعليقاً