القصة القصيرة

المشوَّهون

شيئا فشيئا راح صوت هرج الحياة في الشّارع ينسحب من أذني، ووقْع نطّ العقرب إلى اليمين على الجدار يغفو رويدا، رويدا… تثاقلَ جسدي بعد غليان، واتّسع رأسي، وهدأ بعد مطارق كانت تقرعه، وصداع يشقّه، وشقيقة تنخره لدرجة أنّي كنت أتحسّس عيناي ما إذا كانتا ما زالتا في محجريهما، وأتلمَسُ رأسي ما إذا كان ما يزال محافظا على شكله الكرويّ… من بعيد جدّا التقطَ سمعي صياح طفل: إنّـــي أطيــــــــرْ! … فرأيتني ذا جناحين حقيقيّين قويّين أحببتهما، وما وقعتْ عيني على شيء إلاّ وبَدا منه الجمال السّاحر؛ تراقصت الأشياء تُغَــيّــر أماكنها ثمّ تعود… وقفتُ على حافّة نافذة غرفتي أستنشق الهواء بشكل مختلف… الشّارع خالي، السّماء ذات أنوار تتلألأ، ضحكتْ لِــي الشّمس وسمعتُ ضحكاتها… أفردتُّ جناحيّا للرّيح وطرتُ مبتعدا عن بيتنا سعيدا بهما؛ منحاني قوّةً؛ لو ضربت صخرا بناصيتي لَــــفَـلقـــتُـــه… حلّقتُ، وحلّقت، اخترقت جسد السّحب البيضاء وشَعرت بنعومتها يمرّ عليها جسدي… تتلهّف عيناي لتُحيط بالمناظر المذهلة على مدّ البصر تحيط بي ولا شيء يحجبها عنّي، فَرُحْت أدور كصوفيّ في رقصة وجدانيّة… مَــــرّ بِــــي السّندباد البحريّ يمتطي نِسرا عظيما؛ ألقى التحيّة على عجل مواصلا رحلته… أبصرتُ تحتي وجه البحيرة الفيروزيّ المتلألئ تحت أشعّة الشّمس التي كنّا نقضي بجوارها أيّام العطلة الصّيفيّة يوم كان كلّ فكري إسعاد أبي وأمّي… أثار المنظر في نفسي شهيّة الغطس فيها، ضَممْتُ جناحيّا، وتركت ثقلي يسحبني رأسيّا إليها والفرح يملأ صدري يكاد ينفجر به… حين أوشك رأسي يرتطم بالقاع تحوّلت فجأة إلى دلفين فِـضيّ سعيد بالماء، وانعطفت بتسعين درجة… ولم تعد البحيرةُ بحيرةً بل محيطا شاسعا فيه ألاف الكائنات البحرية السّعيدة مثلي… سمعتُ من خلف تلّة صغيرة قهقهات عذبة رنّانة… مضيت إليها في هدوء؛ كان جمعاً من حوريات البحر، ذهبيّاتِ اللّون، طويلات شَعرٍ ناعم يتماوج بحركة تيّار القاع ويضطربُ، وسط أطلال قصر رومانيّ، ما إن رأينني، أخذن يتهامسن، ثمّ تفرّقن في رمشة عين… طفت بين حدائق المرجان، وأصداف اللّــؤلؤ العملاقة، التَــقَيت حصان البحر، هلعت حين رأيت سمك القرش الأبيض، كان وديعا ولم يهاجمني… رحت أقفز متحديّا نفسيّ محاولا تكبير قوس القفزة مع كلّ قفزة نَـــشوانا، منتعشا، استعذبتُ المراوحة بين برودة الأعماق ودفء السّطح… اقتربت من الشاطئ فرأيت أمّي تلوّح إليّ بيدها، فإذا بذراعيّ ينبتان من جديد و ساقيّ. خرجت من الماء تتقاطر أثوابي، فاجتاحتني قشعريرة قويّة، ثمّ شعرت ببرد شديد، وثِقــل جسدي، و احتراق باطن قدماي تغوصان في رمال الشّاطئ الحارّة… أشارت أمّي إلى خيمة بيضاء بالقرب منها، وقالت تبتسم: عروسك في انتظارك!
أعجلتُ خُطاي إليها؛ لكنّ الرّمال كأنّما تمسك بقدميّ وتُنهك قواي… وصلتُ أتصبّب عرقا لاهثا. انحنيت واضعا يداي على ركبتاي ألتقط أنفاسي، فإذا بي أرى عروسي يحملها صديقي بين يديه، ويخرج بها من الخيمة. اغتضتُ وحنقتُ عليه… انطلقتُ نحوه شعلة يتطاير من حولي شَرر… أمسكت بتلابيب ثوبه: إنّها لي !
– ابتسم بخبث ورَدّ بكلّ هدوء: بل هي لي!
تلاكمنا، تراكلنا، تعفّرنا… حين صِرت كخرقة بالية، استجمعت مابقي لي من قوّة، التقطت حجرا بحجم قبضة اليد، وبينما أنا أديره في يدي، وأسدّد صوبه؛ أتاني صوت شقيقتي من بعيد يناديني، كأنّها تريد إلهائي ليتمكّن خصمي منّي ويظفر بعروسي، استدرت إليها، ورميتها به… ملأتْ صرختها السّماء، شدّتْ على خدّها بكلتا يديها… انتبهتُ أرتعش بردا، وجسمي مبتل عرقا، وقد عاد الصّداع ينخر رأسي… أمسكته بين يديَّ أضربه على الجدار تائها عاجزا عن تحديد إحداثيات المكان، والزّمان … نظرتُ إلى شظايا الزّجاج المتناثرة على الأرض باستغراب، فاحْتمَلْــتُ أن أكون رميتُ وجه شقيقتي بالكوب الذي كان في يدي بعد أن نال منّي مفعول تلك الأقراص المهدّئة الثّلاثة التّي كلّفتني هاتفي مقايضة، وحتّى بعد أن ارتخى جسدي وارتميت في حضن مَــضْـــجعـي العتيق، كان ما يزال في يدي، بعد أن عانيت الأرق ثلاث ليال متواليات ولم تجد معي مسكّنات الألم لإسكات ألمي، وقهْرَ زفراتي، وزحزحة صخرة الحزن من على صدري؛ وقد زاد إلى أوجاعي وجعا آخر تراجع تلك التي أحببتها وأبدت لي أنّها تحبّني، إذ أخبرتها برغبتي في أن تكون شريكة حياتي، بعد أن تكشّفَ لها شيئا من ماضيّ الأسود…
فكّرتُ في الذّهاب إلى ربّ عملي صاحب مخبزة الحيّ لأستدين منه مالا على أن يقتطعه من أجرتي التّالية، ثمّ تذكّرت أنّني تغيّبت عن العمل أسبوعا قبضت أجرته مسبقا، فلابدّ أنّه استخلف غيري على فُــرْنه ذلك الصّارم حدّ القسوة… تذكّرت صديقا لي قطعت علاقتي به مذ غادرت مركز إعادة التّأهيل النّفسي، وإزالة الإدمان منذ بضعة أشهر؛ أردت الاتّصال به ليخرجني ممّا أنا فيه على الأقل مؤقّتا ولم يكن بحوزتي هاتف؛ ما أرغمني على الذّهاب إليه راجلا على بُعد ثلاثة شوارع من شارع إقامتي.
ما زال صراخ شقيقتي وعويل أمّي تندب حظّها من الدّنيا، وتبكي مُصاب أختي، وتدعو عليّ باصفرار الوجه، وسواد العاقبة مرّة، ثمّ بالموت مرّة أخرى… خرجت من غرفتي، كَـذَّبْتُ حجم الدّم الذي تلطّخ به المسار منها إلى الردهة… أنا الذّئب، والدّم على ثوبها الزهريّ ليس كذبا… ما الذي حدث؟ يفور الدّم من الشقّ الذي أحدثه الكوب في وجهها من أعلى الوجنة حتّى أسفل الفكّ السّفلي، كلّما حاولَت إبعاد يدها عن خدّها. انعقد لساني، وقفتُ مشدوها أنظر إليهما… فزِعتْ أمّي بها إلى المستشفى لتقطيب الفجّ النَّــعّار على خدّها، وهي تشدّ عليه بخرقة، وتطمئنها أن لاّ تخاف، وأنّ الجرح بسيط؛ لكن هيهات فقد وسمتها بالشّوه، وستحيى به شوْهاء، وعَطّارُها من قديـم الأموات…
ما بلغني من عويل أمّي أنّ أختي نادت عليّ، وهي في غمرة فرحها، وعظيم سرورها لتبشّرني بنجاحها بنيل “شهادة الباكالوريا”، دخلتْ غرفتي وهي تصيح باسمي فرحاً إذ لم أسمعها من خلف الباب.
خرجتُ أنا الآخر تاركا الباب مُشرعا خلفي كما تركته أمّي. ركضت مفلس الجيب، والفؤاد، والأهل، والخلاّن… حين بلغت الشَارع ما قبل شارع إقامة صديقي، وجدت طابورا من السّيارات الفارهة من رأس الشّارع حتّى آخره تنتظر خروج عروسي التّي افتكّها مِـخلب الفقر من بين يديّ… برّرتْ تراجعها بسوادٍ تلطّخ به بعض ماضيّ، وأسقطني من عينيها، والحقيقة أن مستقبل الرّجل الذي تزوّجها محكوم عليه بالسّواد؛ هي فقط لا تعلم، فعيناها الآن تحت صدمة بريق الذّهب، وأذناها صمّهما رنينه، وستسقط كلّ الحياة من عينها يوما ما… و لأنّه يملك أكثر؛ يستطيع التقنُّـــع مدّة أطول، لكن ليس العمر كلّه، وقد تجاوز مرحلة لفّ الحشوة إلى مرحلة شمّ الغبار الأبيض.
تعاظمتْ حاجتي إلى صديقي؛ بالأحرى ما سآخذه من صديقي… استأنفت الرّكض كالمـجنون حتّى بلغت الشارع الأخير، وليس في مساحة رؤيتي غير باب دارهم الرّماديّ آخِر الشّارع، وأنا أعبر الطّريق إليه تقاطعتُ ووَالدي يترجّل من سيّارته رفقة حسنائه التي طلّق أمّي رغبة فيها؛ بعد أن خيّرته أمّي بينها، وبين حسنائه ولم تفكر في سعادتنا قطّ ظنّا منها أنّه سيختار أمّ ولديه وقد انمحى من ذاكرتي تماما أنّه ذات الشارع الذي يقيم به هو أيضا. لا أظنّه تعرّف عليّ لرثاءة حالي، وشعوث شعري، ولحيتي التي غطّت وجهي المكدود… مرّ بخاطري ذلك الزّمن الجميل، حين كان صدري يلتمع بالأمنيات الجميلة كما تلتمع سماء ليل صيفيّ بالأنجم، وأكثرها سطوعا كانت أن أصبح “مهندسا” مثل والدي، فاجتهدتُ أعواما، وبذلت أقصى ما في وسعي من أجل لحظة واحدة عمرها لا يتعدّى الثّواني؛ حين كنت أعود إلى البيت بحماس شديد لأعرض عليه نتائجي، حين أرى تلك الابتسامة العريضة تَرْتَسِم على مُـحيّاه؛ أسعدُ بها أيّاما، وأمّا حين رحل، ولم يعُد يأبَه، ولم تشفع لي عنده ” أُحِبُّكَ أبي” فما عُدتُ آبَهُ أنا أيضا… انكمشت أشيائي الجميلة بداخلي، تلاشتْ… علّمني رحيله كيف أحيا منتحرا… كثيرا ما كنت أقضي، وزميل لي أوقات الدّوام المدرسي في ذلك المبنى المهجور لصناعة الخمور من بقيّة “الاستدمار الفرنسي”. تتلمذت على يد الفراغ، وأجَدْت فنون الضيّاع حدّ القذارة… ما زلت أذكر حجم هلع أمّي بعد الاطّلاع على نتائج العام الدراسيّ، ولا تحرّك ساكنا ككلّ مرّة، تكتفي بشتمي، وتعييري، ومقارنتي بابنة الجار، وهلعها الأكبر يوم سلبَ ذاتُ الجار من شقيقتي جوهرتها التي لا عوض لها، بعد أن استدرجها وهي تلعب عند عتبة الباب؛ تلفّ جسمها الهزيل بمئزري المدرسيّ الأبيض تمثّل دور الطّبيبة؛ نادى عليها:” أنا مريض ألا تأتين لتداويني؟ “… لبّتْ شقيقتي نداءه ببراءة عالية…وأعظمَ ما بلغَــهُ هلعُ أمّي أنْ تكتّمتْ على الأمر خشية الفضيحة، وحرصتْ على أن لاّ يبلغ الأمر مسمع والدي، فينتزع منها حضانة أختي… لا تبارح ناظري صورة أختي التي تفتّتُ كبدي، وهي تدخل علينا منفرجة السّاقين تحمل علبة شوكولا رخيصة، مقهورة، شاخصة البصر، بكماء؛ نطقت بعد الحادث بيومين: ” لا أريد أن أكون طبيبة”… من حينها وهي تخصّ حقدها المتــعــاظم يوما بعد يوم بمن يلبس سروالا عموما، ومَن له شارب خصوصا… حصلتْ في المدرسة على لقب الـــ ” العَــقُّــونَـة ” لتأتأتها الشّديدة… إنّها ترسب عاما، وتنجح عاما مصرّة أن تصبح قاضية يغريها المئزر الأسود جدّا…
تنمو الأمنيات في صدورنا كما الأجنّة في أرحام الأمّهات، ثمّ يُــحكم عليها بالإجهاض، وقلّما ينجو بعضها مهدودة البدن، ضعيفة البصر، فتموت في سنّ طفولتها محكوم عليها مجدّدا دونما رحمة بالإعدام بحظر الهواء… ويستمرّ زحف الفراغ على مساحاتها فينا مع بزوغ شمس نهار جديد، ولا شيء قادر على ملئه غير الجُــناة عليها، أولئك المشوّهون الذين أينما مَـــرّوا زرعوا شوَها، وللأسف بذلك عُدِمُــوا القدرة على جميلِ استثمار أروع ما خلق الله فينا؛ تلك الهبة الإلهيّة المدهشة؛ أحـــــاسيـــــسنـــا…
أليس الأبُ البطلَ الأوّل الذي لا يُقهر في عين ابنه، والغرام الأول الذي لا يموت في حياة ابنته؟… عُدت إلى سيّارة والدي وما تركتها إلاّ وهي قطعة خردة، لا تصلح إلا للذّهاب إلى مقبرة السّيّارات… عدتُ مرّة أخرى إلى الباب أطرقه، ولا خيار لي، أرتجف، وأبواق سيّارات العالم، وضوضاؤها تنفخ في أذني… طرقتُ الباب بِـــبَـــرْبريّة أكبر مستعجلا القُرص الذي سيناولني إيّاه صديقي كما فعل دوما، أبتلعه، وَأبتلع حزني معه، وَأخادع وجعي لأرحل بعيدا عن هذا العالم. خرجتْ عليَّ عجوز شمطاء ثرثارة؛ كلّ ما فهمته منها بعد قنطار حَديث أنّها اشترت البيت، وَلا تعرف إلى أين رحل صديقي، وَأهله.
استأنفت الرّكض على غير هدى… وَجَدْتُــني على ضفّة الطّريق السّيّار، تخطّيت الحاجز الإسمنتيّ، اعترضْت طريق “شاحنة قَــطْر”… علا بوقها، مالتْ يمينا؛ قَـلَّــدْتُــها، ومِلت معَها يمينا، مالتْ شمالا؛ قَـلَّــدْتُــها ومِلت معَها شمالا… وهي تقترب منّي؛ أفردت لها ذراعيّ أرى فيها وجه القرص الذي لم أحصل عليه مستعجلا راحتي الأبدية… أغمضت عيناي، وفي خلدي يتردّد: الموت أقصر طرق الرّاحة، وما الحياة إلاّ سبيل لــمَدِّ الأوجاع… كَفاكَ مَوتا بالتّقسيط !… لن يعتذر منّي أولئك المشوّهون الذين تعاونوا على شحذ السّكين التي ذبحتني وما انفكّوا يطالبونني بالاعتذار عن طراوة رقبتي، و أنْ لم تدُم لهم متعة حَــــزّ السّكّين طويلا… من يُـجْلي السّواد من عيني، وأهلي عميان؟ من يسدّ الفجوة في صدري، والكلّ ظلّوا الطّريق حيارى؟ من يجبر كسر روحي، ومَن حولي على الكَسْر مَـجْبول؟ من يعيدني طفلا؟ من يطعمني حليب أمّي؟… سيساعدني هذا الوحش الجميل على رحيل أجمل!… أشحتُ بوجهي عنه، استقبلتني جمرة قرص الشّمس على الأفق تنطفئ، وبُوقه ما زال يملأ السّماء…
استيقظت أشعر بخفّة جسدي على سرير طريّ، ناعم، مريح، ولولا الألم الفظيع أسفل ظهري لَــتمَّتْ مُتعتي به. ففتحت عيناي ببطء شديد… أسلاك كثيرة، وأنابيب موصولة بجسدي، ويداي موكوتتان إلى جانبيّ السّرير… أوّل وجه رأيته، وجه صبوح يبتسم في ثوب ملائكيّ أبيض بجانبي، بعدديث عذب طويل معه قال: إنّها لمعجزة أن نجوتَ من موت محقّق… يمكننا دائما البدء من جديد، وليس بنهاية العالم أنْ يفقد المرء نصفه السّفلي!.

السابق
العودة
التالي
اقتراع في قرية أحلامي

اترك تعليقاً