القصة السلسة

المفقود -سُباعية المعتوه (7)

أمضي تلك السنوات عازفاً عن الزواج، فقد تجاهل فكرة الارتباط برفيقة ! لحياته نهائياً، مكتمل الرجولة عاش شباباً يافعاً … تمنته الكثيرات حينما كان مراهقاً ،
مغامراً..لم يستطع الاقتران وتجاهلهن ،لا لشيء إلا لكونه مُبتلى بفقره المدقع .والذي لم يلحظه احداً، فتفادى الإفصاح عنه في أحاديثه لهن. استغربن عدم استمرار يته في علاقاته بصديقاته الكُثر، تنقل من زهرة إلى وردة ومن وردة إلى باقة ، فلم ينتبهن إلى درجة إفلاسه حينها، ولم يتحدث عن الاقتران فلم يتفهمن ويدركن في ماذا يرغب بالتحديد.
تحايل بالترحال الذي سوف يحول الأحاديث عن سفرياته لا عن عزوبيته الجاثمة.
يجوب البلدان بلداً بلدا مرتحلاً لم يستقر في مكانه بتاتاً.

وجد السفر ملاذا للتخلص من القلق المفرط… قلق العزوبية الجاثم في لب تفكيره وفوق صدره… لقد أخفى مشاعره عن كل من حوله و تظاهر بالغنى فأرتدي أفضل الثياب و أظهر نفسه الأكثر أناقة بين أقرانه.

و الفتيات كنَ يرغبن في التعرف إليه و هو مالم يتحقق له لان كل من تركته رفيقته اتخذ منه عدواً فراقبه مترصداً لهفواته.

لم يتفهموا فلسفة الانتقال من صديقة إلى أخرى.

فالأفضل حينما لا تكون قادراً على الزواج أن تكون عاماً مع الجنس
الأخر حتى لا تظلم الفتاة التي تفضلها بعد تركها بحكم واقعية الحياة
فالفتاة تنضج قبل الفتى، وبالتالي سيتقدم لها شخصاً للزواج ، وستكون علاقتك معها حاجزا اجتماعيا في طريق سعادتها.

فيجب أن تكون صديقا صادقا إلى أن توفر مهر فتاتك وبعدها افعل مايحلو لك.

فلسفته كانت مختلفة فانجذبن إليه، ثم تفرقن بعيدا خوفاً من الشُبهات
التي أثيرت من حوله فابتعدن الفتيات عنه خصوصاً المحافظات اللائي لا يملكنَ قوة الشخصية ولا يحبذن الدخول في متاهات تجلب لهن القيل والقال.

لقد عجزَ حتى عن التعرف إليهن أما خجلاً أو إفلاسا فيبدو أن الحب يحتاج إلى المال، الحبيبة تحتاج إلى هدية في عيد ميلادها و في رأس السنة و كذلك في عيد الحب و ما يتبع ذلك من نفقات غرامية في اللقاءات التي ستجمعهما إذا ما تم الوفاق العاطفي بينهما.

“أنا إنسان لا أملك سوى قوت يومي لا غدي فكيف أرتبط و أقترن بإحدى الجميلات دعهن يقولن ما يرغبن في قوله، هذا لا يهم ،المهم أنني سيد نفسي وكفى”.

هكذا حدث نفسه .!.

عاش عازيا مفلساً ووحيداًً بعد أن فرقت الحياة ما تبقى من عائلته
فقد فقد والديه برحيلهم إلى الآخرة, وتفرق شمل الأخوة جراء ماديات الحياة.وتداعيات الحسد .

سارت أموره مستعصية لكنه تأقلم مع جروحه المتكاثرة ومرت الأيام ..
فتعودَ على تنظيف بيته بنفسه .
….و كذلك أتقن طهي الطعام بمختلف أصنافه … وحدد يوماً من كل أسبوع لتنظيف الثياب المكدسة..

فلم يلاحظ أحد مدى احتياجه إلي ونيسة تؤنسه في وحدته و غربته، فهو دائم التآلف و الانسجام والابتسام فظنه الآخرون ثرياً ..فاستكثروا عليه ذلك
” حقاً أن شر البلية مايضحك”.

فقرروا أإقحامه في كثير من القضايا البوليسية الكيدية مما سبب له المشاكل الاجتماعية.

إلى أن ظفر بالتفويض المالي من إدارة الأملاك ثمناً لبيته المتهالك والأيل للسقوط…
…فقرر الاستفادة بما تبقى من أموال في مواصلة دراسته في جمهورية مصر العربية .!

فالغربة تُقدس و تحترم كل من معه مال إلى أن يُفلس و بعدها ستعامله بكل أصناف المعاملات السيئة وتتجاهله؟

انتظم في دراسته في القاهرة وحيداً مثابراً حيناً و متسكعاً في شوارعها أحياناً أخرى هائما على وجهه باحثاً عن مخرج رباني ينسيه قلقه الدائم من جراء كونه أعزباً، فهو لا يرغب في الزنا فالزنا من المحرمات ، وعقابه جهنم وبيئس المصير.

ولكن المعضلة أن الجنس في كل مكان هذه الأيام واعتقد أنه أصبح فعلا قد يعترض طريقك..
وربما أرشحه بأن يكون سبباً في الاستهزاء بنا !؟

وحتى تكون رجلا في نظر البشر. في حارتنا ماعليك إلا أن تستخدم (البدي لنقويج) .
عند محادثتك مع من تصادف من النساء وكذلك أن تستخدم حديثاً بمعاني عدة تؤثر في دفاعات النساء لتجر أذهانهن إلى فعل الزنا وأن لم تفعل ذلك مع من تحدثت إليها فأنت شاذ ولا تصلح للوقوف مع هذه الفتاة حتى.. لأنك ستضيع وقتها الثمين في نظر العوازل.

“ورطة حقيقة ورطة.لقد تغيرت المفاهيم “.

تمتم بداخل نفسه بهذه الجملة طوال تسكعه تلك الليلة في شوارع القاهرة.
فالشقق تطرقها ( البرستوتيوت ) الساقطات ، وهواتف الشقق لا تكف عن الرنين من طرف الفتيات العابثات الباحثات عن ملاذ جنسي يخرجهن من شعورهن بالركود والبرود.

هل الإدمان الجنسي مرض؟

لم يجد الإجابة حين تساءل بداخل نفسه.

أما هو فهو في مرحلة من مراحل عمره كان فقيراً و بالتالي لم يستطيع إقامة عرس يليق بالأصول و العادات و التقاليد في بلده و في مرحلة أخرى عندما امتلك الأموال حسده الناس فقالوا عنه الأقاويل ( فلان لا يعمل فمن أين له هذا؟ !فلان ليس برجل تتركه الفتيات، فلان دائم التسكع لا أهل له، انه يعاشر الساقطات ، انه يتاجر بالمخدرات وأخيرا، فلاناً مُختل عقلياً معتوهاً فهو في الصباح يظهر بلباس معين و في المساء يظهر بلباس أخر مختلف تماماً)،و بالتالي استمرت عزوبيته إلى هذه اللحظة .
شعر بالجوع حين ساقته أرجله إلى حيث لا يدرى إلى أحد المطاعم في أحد شوارع وسط القاهرة فقرر الدخول إلى الرسترنت المسماه ب ” أخر ثواني “.

اختار أخر طاولة طعام في مطعم أخر ثواني و تحدث مع أخر نادل

“أرغب في بعض البيض المقلي … و طبق من العدس الساخن و قليلاً من المايونيز الممزوج ببعض القطع من البطاطا و البازيلاء و قليل من الجبن المالح و كوب شاي ساخن سكر زيادة و قنينة ماء “.

و بينما هو منهمكاً في تناول تلك الوجبة المتأخرة دخل ثلاثة أشخاص عروسان في شهر العسل و مرشد سياحي و جلسوا بمحاذاته لتناول وجبة عشاؤهم المتأخرة أيضاً….
كان المشهد عادى وطبيعي للوهلة الأولى

و لكن المرشد السياحي لم يرتق إلى مستوى الاحترام المفترض أن يكون عليه فهو يصطنع الكياسة فقط فوق منضدة الطعام أما من تحت الطاولة فحدث ولا حرج..

حركات اهتزازية غريبة لأرجله لدرجة انه يكاد يلامس حذاء العروس دون أن يتفطن زوجها الحديث العهد بالزواج والحياة.

فالحياة هي أم المدارس وفى كل يوم ستتعلم ماهو جدير بالتعلم. فتعلم.عزيزي تعلم؟!

لاحظ صاحبنا بشاعة الموقف فدقق في تقاسيم وجوه العرسان

العريس: شاب يافع أنيق مكتمل الرجولة لا يعيبه شيء البتة… تتمناه كل الفتيات الراغبات في الزواج
العروس: حين تنظر نظرة صريحة إلى تقاسيم وجهها لن تلاحظ أي مقدار من الخبث..
…و لكن إذا ما تمعنت ودققت في طريقة حديثها و كيف تُسرب إيحاءاتها الجنسية عبر كلماتها المنتقاة بعناية حتى يظهر حديثها راقيا و محترما … وأرجلها التي تمارس مهنة الاهتزاز المبتكرة الجديدة في هذه الأيام من تحت الطاولة.

لم يشعرهم صاحبنا بأنه لاحظ دراما الخيانة المبكرة أمام عينيه ،و هم كذلك لم يشعروا بأنه لاحظ ذلك فاستمرت المشهدية الهزلية المقيتة.

أكمل العريس مهمته في تناول العشاء سريعاً و نهض تاركا زوجته وحيدة مع المرشد السياحي ؟؟؟؟.. فقام ليغتسل !!

فأنقلب المشهد عقباً على رأس

سارعت العروس بالقول :

-مش قلتلك معش اتبحت فيا زين قدام راجلي توه يفطن و تسببلي مشاكل كنك أنت؟موش كده عاد بالله

فأجابها المرشد السياحي :

ليه كده يا مدام جوزك نايم في العسل و مش داري و أنا مغرم بيكي و بجمالك أنتوا بتوع ليبيا حاجه ثانية …. قشطه بالعسل موزز

-ردت قائلة بحوار أكثر ابتذالا :

أنت ماشفتش شيء لسه أنا بكرة حاوزعه و حافرجك اللي نفسك فيه
و أضافت :

قوزي قاء رز رز رز رز

رد متمتماً :
رز رز رز رز مع إني ماحبش الرز وماكلش فيه وبرضوا ماشوفش فيه في مصر لكن حا رز رز حا رز رز

عاد العريس إلى مقعده فعاد المشهد العلوي إلى الاحترام
أما المشهد السفلي فصار أكثر ابتذالا …..
شاهد صاحبنا العازف عن الزواج كل ذلك

فحمد الله كثيراً ، وقال في داخل نفسه :

” أتدرون لماذا الله الله ” ح س ن

و أضاف عبارة أخرى عندما أتذكر أن الله لا خليلة له يطمئن قلبي ” ح س ن

و استشاط غضباً .

وأردف في قراره نفسه:

“حقاً أن المرأة كالمرآة تعكس تصرفات الرجل الذي يقابلها”. ح س ن

و أراد أن يشعرهم بأنهم من نفس البلد الذي ينتمي إليها العرسان و الذين ظنوه أنه مصري الجنسية فلن يكترثوا لوجوده ،فتظاهر بأنه يحدث أحداً في هاتفه الخلوي و أجرى محادثة كاذبة على مسمع الجميع بنفس مستوى الكلمات.

ألو خليفة :

– كيف حالك شنو الجو شن قاعد أدير ف تنسلوخ

– قتلى تتفرج على مسرحية المتزوجون

و النبي بعد ما تتفرج عليها فيه فيلم ” النوم في العسل ” رآه حتى هو يشكروا فيه، لازم تتفرج عليه أكثر من مرة ، بطولة من قتلى؟

بطولة اللي في مسرحية “شاهد محقش حاجة”

ايوة ولد عيت الإمام اعدولة.

و نهض من مكانه بعد أن اختلس النظر إلى الثلاثة فوجد الوجوه مصفرة و محمرة و مخضرة كإشارات مرور، و اتجه إلى النادل و دفع له ثمن الوجبة القذرة و نظر نظرة أخيرة إلى ذلك العريس المسكين فشكر عزوبيته .

و انتشل من دون أن يدري أحد المقاعد من مكانه ورفعه بسرعة البرق إلى أعلى ورماه بقوة على أحد الجدران فتناثر حطاماً وخرج مسرعاً من ذاك المطعم الحقيرفى تلك الليلة الاحقر.

تجاهل صياح الجميع حين صرخوا:

أصحاب المطعم قالوا:

“عملت إيه يا معتوه ”

المرشد السياحي قال:

“يا خرب بيتك يا أهبل”

أما العروس فقالت:

“شنو درت يامجنون ”

وركض الأغلبية خلفه فتمكنوا من الإمساك به واقتادوه عنوة إلى المخفر.

لم يشرح الأسباب للمحقق أثناء التحقيق فتكتم على الأمر.فسارت الأمور على غير ما يرام.

اقتادوه إلى الزنزانة المزدحمة بمحترفي الإجرام فلم يتمكن من الحصول على مكان للوقوف حتى، فأكمل ثمانية عشر يوما واقفا جائعا ضاربا مضروبا و مفقودا.

انتشر الشعر على وجهه بغزارة و تغيرت تقاسيمه ً واسودَ وجهه من عدم الاستحمام والنوم والجوع فظنوه أصيب بالجنون فنقلوه إلى المصحة النفسية
نظر الطبيب المتحمس لإثبات كفأته المهنية فرأى ثيابه المهملة وشعره الكثيف والمتجعد.فشخص تشخيصه الطبي الروتيني وانتقى له أحد أنواع الإمراض النفسية التي درسها خلال سنواته الأكاديمية.الباهرة.

.وبناء على ذلك قرر إبقائه في احد غرف المصحة تحت العلاج الأجبارى
فظل مفقودا ومعتوهاً.

السابق
فراغ
التالي
قراءة في نص “عذاب”

اترك تعليقاً