القصة القصيرة

المقاس

خرجتُ من المحكمة خائبا، مهزوما،أكاد لا اصدق المآل الاخير ليوم حسبته الاجمل بين سحنات ايام قبيحة، حائلة كانها من خرذوات الزمن.! يوم انتظرته دهرا، ووفرت ثمنه من شظف شديد ألزمت به نفسي وعائلتي، لكنه انتهى بي الى الوقوف كمجرم امام عين القاضي الباردة، غارقا في اسمالي التي تفوح منها رائحة الخرذة، وغارقا كذلك في يقين يائس من ان رائحة الخرذة ستصاحبني كرائحة عرق جسمي الخاصة، وادركت ان رائحة الانسان الخرذة تناسبها رائحة البذلة الخرذة، وغير ذلك خروج على الناموس.! وإلا لِم آل يوم حسبته عرسا في عمر من ايام عوانس، الى طلاق لحلم نام على سرير انتظاري طويلا.!؟ لٍم انتهى كل شيء الى نعش دقتْ آخر مسمار فيه مطرقة القاضي.!؟ لم يخطر في بالي قط ان المسار سينعطف بي من عند الخياط الى امام القاضي. كما لم يخطر ببالي ان فرحتي البكر ستفتض بسمةً صغيرةً على شفتي قبل بلوغها سرير ضحكة ناضجة.! لهذا كنت مستعجلا، في حماس غامر اعطى الحياة طعما جديدا لذيذا على لساني، طلوع الصباح، ومرور الدقائق المتثاقلة، كي اذهب الى الخياط لاستلام البذلة الجديدة، والعودة مسرعا الى البيت لخلع اسمال الخرذة التي تستر عورتي وتلازمني كجلدي، وارتدائها لأول يوم سأتذكره من عمر للنسيان.! ولأجل ذلك استحممت باكرا، وامعنت في فرك جلدي الحائل بمساعدة زوجتي، وانا افكر في اقتناء عطر مناسب ليوم ميلاد حقيقي، واتخيل صورتي الجديدة تنعكس بهية على زجاج السيارات والمقاهي، وكيف سأبدو انسانا محترما يمكنه مخالطة الناس المحترمين وليس قطيع الاوباش.! لكن الخياط اللعين انتهى قبرا لكل هذا، إذ ناولني بذلة اصغر من المقاس المتفق عليه، وحين استفسرته، رد بأني سمنتُ ولم يعد المقاس السابق يتسع لي، وعلي خياطة بذلة اخرى وفق المقاس الجديد السمين.! غضبت واقسمتُ ان لا ادفع ما تبقى من المبلغ المتفق عليه كسعر، فما كان منه إلا استدعاء الشرطة.! فوجدتني، في الاخير، اقف مصدوما امام القاضي، وانا اسمع حكمه علي بدفع ماتبقى من المبلغ، ودفع غرامة كبيرة مقابل السعي الى السمنة في ظل قانون شد الحزام، والقيام بالاعمال الشاقة لانقاص الوزن في اسرع وقت ممكن.! وفغرت فمي دهشة بينما انسدل بصري على اسمالي الخرذة التي ستظل تلبسني.!.

السابق
فلسطين
التالي
أسماء لا تعلل

اترك تعليقاً