القصة القصيرة

المقامر

ساقوني قسرا إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي ، كشف العامل عن الجثة المسجاة في صندوقها ، تراءى لي وجه أزرق انطمست معالمه ، دققت النظر ، الندبة السوداء الموشومة على الجبين تثبت هويته .
” غالبا ما تنتهي ملاسناتنا إلى عراك نتراشق فيه بكل ما يقع تحت أيدينا : كؤوس ، قنينات ، منفضات سجائر ، كراسي … في إحدى تلك الاشتباكات أصيب بنيران صديقة ، شظية زجاج طائشة انغرزت في جبهته ، فتدفق الدم فوارا على وجهه و ملابسه ، لم يتوقف النزيف ، حملناه على جناح السرعة إلى قسم المستعجلات ، عولج ، اندمل الجرح لكن الوشم بقي .”
حركت رأسي بالإيجاب ، و أسناني تصطك من شدة البرودة .
أعادوني إلى الكوميسارية ، لاستكمال فصول التحقيق الجنائي ، جلست قبالة ضابط الشرطة الذي بادرني قائلا :
وجدنا جثة صاحبك متحللة في المطرح البلدي للنفايات خارج المدينة ، و قد أفاد تقرير الطب الشرعي ، بعد التشريح ، أنه تعرض لثلاث طعنات في بطنه ، و أصيب برضوض على مستوى الشق الأيمن لجمجمته . أنت المتهم الرئيسي في هذه الجريمة ، مدان حتى تثبت براءتك .
استنطقني عن علاقتي بالهالك ، و عن جوانب من حياته . أدليت بأقوالي و المقرر يحرر كل ما تلتقط أذناه :
” اعتاد أن يرتاد مقهانا الأثير كل يوم ، حيث نقضي جل أوقاتنا ، يدخن بشراهة ، و يثرثر دون انقطاع ، كان موظفا بسيطا في إحدى الشركات ، تراكمت عليه الديون ، عجز عن تسديدها ، باع كل ما يملك ، تقاعس عن أداء عمله ، تم توقيفه و طرد بصفة نهائية .
كان مولعا مثلي بالرهان ، مهووسا بالأرقام ، يملأ المطبوعات ، و يتابع عن كثب نتائج سباق الكلاب و الجياد ، و يدفع مقابل ذلك أموالا طائلة ، تاركا زوجته المسكينة تقاسي الضنك و النكد ، و من حسن الطالع أنها عاقر لم ترزق بذرية .
يعود إلى البيت بعد منتصف الليل أو قبيل الفجر بقليل منهك القوى ، نتن الرائحة ، رث الهيئة .
في إحدى الأمسيات ، ابتسم له الحظ أخيرا ، كتمنا عنه الخبر حتى لا يصدم فيصاب بسكتة قلبية مميتة ، تشاورنا في الكيفية التي نزف بها البشرى دون أن يناله أذى ، اهتدينا إلى عرضه على طبيب نفسي يهيئه لاستقبال الخبر . أثناء الحوار طرح عليه سؤالا:
تصور أنك فزت بمبلغ خيالي في القمار ، كيف سيكون رد فعلك ؟
لم يجب بل خر مغمى عليه .
حينما استفاق ، بشره الطبيب مؤكدا أنه ربح مالا وفيرا . كاد صديقي يطير فرحا .
اتجه إلى منزله متأبطا الغنيمة ، حين اقترب وجد جمهرة من الناس تسد منافذ بيته . سأل أول من صادفه ، أخبره بوفاة المشمولة برحمة الله زوجته . شق طريقه وسط المعزين ، نظر إليها وهي مكفنة نظرة أخيرة . تباكى ، أثناء سيره وراء الجنازة ، نطت من عينيه دمعتا فرح ، ناجى نفسه :
( إذا جاء الخير يأتي دفعة واحدة ، ثروة لن يقاسمني فيها أحد ، سأعيش كما يحلو لي دون رقيب و لا حسيب. ) .
همس لي بعد يوم من ذلك بسره هذا ، و هو يتوجس خيفة أن يسمعه أحد أو يراه .
منذ ذلك التاريخ لم أره و لم أعثر له على أثر.”
أقفل المحضر ، و أمرني الضابط بالانصراف حتى إشعار آخر .

السابق
وحيد
التالي
الجمال النادر

اترك تعليقاً