القصة القصيرة

المقايضة

ذهب “جرجس” مع “مصطفى” ابن جارهم ا”لشمندي” لشراء ربطتي فجل من السويقة القديمة القريبة من الدرب في القرية مقابل “فُصْيّ قراقيش” لنصفي رغيف شمسي لفَّتهما له أمه في فوطة حمراء “أخميمية” فإذ بكلب ضال يهاجمهم في الطريق ويعقر “مصطفى” في فخذه الأيمن فيلقي له الفوطة بما فيها ويعودان جريًا إلى بيته وهو يصرخ ودماؤه تنزف ويرتعش خوفًا وألمًا فأخذه أبوه إلى مستشفى المركز ليتم حقنه بمصل الكلب بناء على نصيحة “المقدس يعقوب” والد “جرجس” له.
في يوم الأحد التالي ذهب “جرجس” مع إخوته وأبناء عمومته لصلاة قداس الأحد في كنيسة القرية ففوجئ بعد انتهاء القداس بجارهم “مصطفى” ومعه أمه وإخوته يجلسون مع عدد من أهل القرية من المسلمين والمسيحيين على المصطبتين الكائنتين في مدخل فناء الكنيسة ينتظرون الكاهن العجوز ليصلِّي لمصطفى صلاة “التُّرْبُو” المخصَّصة لمن عضه كلب حاملين معهم فطيرًا وبلحًا جافًا ليتناولها “مصطفى” خلال الأيام التالية لعمل “التربو” فجلس معهم انتظارًا وترقبًا لما سيحدث ومجاملة لمصطفى رفيقه في يوم العَضَّة العصيب.
كان الحصول على ربطتي الفجل مقابل “قراقيش” العيش الشمسي مثالًا لنظام “المقايضة” الذي كان سائدًا في الماضي خاصة في القرى والأحياء الشعبية حيث يتم مبادلة سلعة بسلعة ففي مواسم جني القطن أو حصاد القمح أو الأذرة والفول البلدي وغيرها من المحاصيل كانت محلات القرية بأنواعها خاصة محلات البقالة تبادل الأهالي بكل ما يتوفر لديها من سلع مثل الشاي والسكر والصابون بأنواعه والزيت والسمن والحلوى وغيرها مقابل ما يقدمونهم مقابلًا لها من القطن أو الحبوب مع حساب قيمة تقديرية لكمية ما يقدمونه نظير قيمة او سعر السلعة المادية وكان هذا يدرُّ عليهم فائدة إضافية.
كما كان الباعة يطوفون في الحقول راكبين دوابهم حاملين معهم سلعهم المختلفة مثل الأطباق والأدوات المنزلية والأقمشة والملابس والحُلي ومستلزمات النساء لبيعها للفلاحين مقابل مقادير عينية من محاصيلهم التي يجمعونها أو يضمونها في حقولهم.
لم يقتصر الأمر على ذلك بل كان أهل القرية يحصلون على العديد من الخدمات من أصحاب الحرف والمهن دون مقابل نقدي مثل حلاقة الرؤوس والذقون حيث يأتي الحلاق “المِزَيَّن” الى المنزل في فترات منتظمة طول العام ليحلق للرجال والأولاد على أن يحصل مقابل ذلك على نصيبه الثابت من محاصيل أرض أهل البيت في مواسم الحصاد المختلفة ومن خيرات يوم السوق ومن العيش الشمسي يوم الخبيز كما يحصل على نصيبه من اللحم والكعك والبسكويت في كل عيد أو موسم ديني أو أية مناسبة مفرحة للعائلة. كان يتم ذلك أيضًا مع السقَّاء “السقا” الذي يقوم بإحضار الماء النقي للبيت يوميًا من صنبور “حنفية” الماء العمومي الوحيدة بالقرب من محطة القطار حاملًا الماء على كاهله في “قربتين” كبيرتين. وينطبق ذلك كله على أصحاب الحرف من نجارة وحدادة وتفصيل ملابس بالإضافة إلى شيخ الكُتَّاب الذي يعلِّم الأطفال الصغار ويقوم بتحفيظهم القرآن الكريم.
وبالنسبة للأحياء الشعبية في المدينة كان بائعو الأدوات المنزلية يسيرون في الشوارع بعرباتهم يعلنون عن مبادلة بضائعهم نظير ما يقدمه لهم الأهالي من مقتنياتهم القديمة من آنية نحاسية وقطع الحديد والرصاص وأجهزة وأدوات وأثاث وملابس وكتب وصحف ومجلات وغيرها.

السابق
حقيقة
التالي
تَنْزيه

اترك تعليقاً