القصة القصيرة

المقهى

مللت الجلوس كالأبله أمام التلفاز لساعات طويلة ، حتى إنني حفظت عن ظهر قلب أغلب الإعلانات التجارية والتي تشترك جميعها في نزع ملابس الصبايا وإظهار المخفي منهن ، بما في ذلك إعلانات معاجين الأسنان ومنتجات الألبان بل وحتى المأكولات التي تتناولها القطط السعيدة والكلاب المدللة ” في بلاد الفرنجة بالطبع ” .
خرجت من شقتي ودلفت إلى المصعد الذي هبط بي الأدوار الستة وفتحت صندوق البريد ولم أحظ برسالة ما من أي ستة مليارات من البشر في هذا الكون .
خرجت من البناية دون أن أسمع أي صوت وكأنني مرقت خلال مقبرة في ليلة شتائية .
توجهت نحو مقهى في زاوية تقاطع شارعين رئيسيين في هذه المدينة ذات السمعة الحسنة باحتضانها للطلبة والمتقاعدين والمسنين .
حين دخلت المقهى مسحت المكان بنظرة سريعة حتى وجدت طاولة دائرية ذات مقعدين متواجهين. اتجهت نحوها وأعطيت ظهري للجدار ، وهي إحدى عاداتي المتأصلة التي تمنحني شعوراً بالأمان وفي نفس الوقت أتمكن من مراقبة حركة الداخلين والخارجين .
تحلق حول الطاولات الأخرى الدائرية والمربعة أصناف من البشر ، ولكنني كنت الوحيد الذي يجلس منفرداً مما زاد من كآبتي ، حاولت إعطاء نفسي ” وربما الآخرين الذين لا يعنيهم شأني ” مبرراً بركوني للعزلة وانفرادي بذاتي فأخرجت رواية جيب وشرعت بالقراءة .
النادلة الشابة ” بريجيت ” تنتقل بين الطاولات بخفة فراشة ونشاط نحلة ، تلبي طلبات الزبائن . موزعة ابتسامات مشرقة على الجميع حتى ليظن كل زبون أنها خصته وحده بها ، أشرت لها من بعيد فعرفت طلبي وأومأت برأسها .
حاولت تناسي مشاكلي بالقراءة حيناً والاستماع إلى ثرثرة الزبائن والأغاني التي يبثها جهاز التسجيل حيناً آخر .
أحضرت لي ” بريجيت ” فنجان القهوة ومعه كوب ماء ، شكرتها فابتسمت ، وفي تلك اللحظة دخل كهل وجلس منفرداً إلى طاولة قريبة من طاولتي ، وبعد برهة تقدم نحوي وطلب مني إشعال سيجارته ففعلت ، شكرني ثم اقترح أن ننظم إلى طاولة واحدة فدعوته للجلوس .
أخذ الرجل يثرثر ، وبدا من لهجته أنه من سكان الجنوب الفرنسي ، سألني عن موطني فأجبته أنني من سكان شمال أفريقيا ، علّق : لديكم صحراء رائعة وشمس طوال العام ، أليس كذلك ؟
أخذ يشرب الجعة بنهم ، طلبت فنجان قهوة آخر فأصرّ على أن يدفع ثمنه .. حكى لي عن صديق له يعيش الآن وحيداً ، تزوج منذ عشر سنوات ولديه صبي وفتاة .. إلا أن خلافاته مع زوجته تفاقمت واكتشف ذات يوم أنها قد هجرته للأبد ، شرحت له في رسالة قصيرة علقتها على باب الثلاجة أنها قد ملّته .. وأنها ستأخذ الأولاد معها وستذهب إلى بيت أهلها في الشمال وأنها لم تكن سعيدة معه طيلة فترة الزواج ، وأنه ـ بالنسبة لها ـ لم يكن سوى آلة لإنجاب الأولاد .. وأنه عاطل عن العمل ولا خير فيه ، يقضي يومه باحتساء الجعة .. وأنه أقل قيمة من منفضة السجائر .
التفت نحو أمريكي فارع الطول ، ألقى طرفة بذيئة لم يضحك لها أحد سواه .
سألته : ولكن صديقك هذا مسؤول عن إعالة أسرته .
أجاب : وماذا يفعل إذا لم يجد عملاً ؟ هل يسرق ؟ إن المعاش الضماني لا يكاد يكفي أجرة المنزل والكهرباء والتدفئة ، لقد اضطر إلى شرب الجعة وتدخين أرخص أنواع السجائر .. فماذا يفعل هه .. قل لي بربك ماذا يفعل ؟
قلت : وماذا حدث بعد ذلك ؟
أجاب : أرسلت له زوجته تخبره أن الأولاد اعتادوا على غيابه .. وأنها تعيش الآن مع صديق هجر زوجته .. وأن الأمور تتحسن .. وخير له أن يبدأ حياته من جديد .
أشعل سيجارة ” جلواز ” الرخيصة الثمن .. استأذنته بالانصراف .. شكرني بود لأنني منحته قليلاً من الوقت . قلت له أنني أتردد كل صباح على هذا المقهى .
ودعته وذهبت لجلب معطفي ، مررت به فوجدته يتأمل صورة لصبي وفتاة يرتديان زي ” بابا نويل ” .

السابق
نـوايــا
التالي
رُهَابٌ

اترك تعليقاً