دراسات أدبية

الموجز في الأدب الدانماركي

يعتمد هذا الموجز على ما ورد في سلسلة تاريخ الأدب الدانماركي، Dansk Litteratur Historie، إصدار دار النشر الدانماركية جولدندال Gyldendal

الباب الأول: البدايات 1100-1600م.
الفصل 1: اللاتينية أولًا
في البداية كان النقش على الآثار التاريخية. عُرفت تلك النقوش بالأحرف الرونية. كانت تقتصر على تدوين أخبار القادة، إنتصاراتهم و تحركاتهم . لكنها كانت مختصرة جدًا، ولا يمكن اعتبارها نوعٌ من الأدب. لم يتم كتابة نصوص أدبية في الدانمارك إلّا عند نهاية القرن الحادي عشر ميلادي و بعد تغلغل و انتشار المسيحية. .
تغلغلت المسيحيةُ في دول الشمال بين القرن العاشر و القرن الحادي عشر انطلاقًا من ألمانيا. و في عام 1104م استقلت الدانمارك كإمارة كنسية.
إتحدت النرويج مع الدانمارك عام 1380م. و انضمت السويد للإتحاد عام1397 في وقتٍ كانت أوروبا تتجه نحو المدنية و تشهدُ تطورًا في الزراعة و صناعة السفن إضافة الى التجارة و الحرف اليدوية. مع نهاية العصر الوسيط، برزت الدانمارك كقوة فاعلة يُحسب لها حساب باقتصادٍ مزدهر، لكن من الناحية الثقافية دلت الحركة الإصلاحية على أن يمكن اعتبار الدانمارك تابعة لشمال ألمانيا .
أصبح الدين في العصر الوسيط بالكامل هو الرابطة الأهم التي تجمع بين البشر، وسرت التعاليم و التشريعات الدينية على الجميع، مؤمنين و غير مؤمنين. و كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على الأدب الدانماركي بصبغه بالصبغة الدينية. لكن قبل نهاية العصر الوسيط بقرنين صار من الممكن التمييز بين أدب ديني وأدب دنيوي.
افتُتحت أول جامعةدانماركية في كوبنهاجن عام 1479م. أما رواد الأدب الدانماركي الذين برزوا في القرن الثاني عشر مثل ساكسو و أندرس سونيسن فقد تتلمذوا في معاهد شمال فرنسا. عديد من الدانماركيين أقاموا ودرسوا في باريس في منتصف القرن الرابع عشر. و الدانماركي بوثيوس درّس في جامعتها. بعد الطاعون الأسود1347-1352 صار الدانماركيون يكتفون بالذهاب الى المدن الألمانية للدراسة.
لعبت الأديرةُ المسيحيةُ دورًا احتكاريًّا في نسخ و الحفاظ على الأدب و تأليفه في العصر الوسيط. تمّ كسر هذا الإحتكار في القرن الثاني عشر. و حتى القرن الثاني عشر احتفظت الأديرةُ بحق إصدارِ الكتبِ. و تغير الوضعُ بعد قرنٍ من الزمان، و أصبحت هناكَ هيئاتٌ تُصدر الكتب الجامعية متأثرةً بازدهار صناعة الورق في أوروبا. و سادت الكتب الورقيةُ السوق منذ بداية القرن الخامس عشر.
كان الأدب الدانماركي في البداية يُكتبُ باللاتينية، و استمر كذلك الى بداية ما يُعرف بعصر هولبرج في بداية القرن الثامن عشر. الجدير بالذكر أن الأدب و قراءته اقتصرا على النخبة في الفترة التي سادت فيها اللاتينية. لكن منذ بداية القرن الثاني عشر، أخذت اللغة المحلية الدنماركية تُستخدم في الكتابة. معظم الكتب كانت نصوصًا تشريعيةً أو ترجمات. و يذكر أنّ اللغة الدانماركية أخذت في التطور، فدخلت عليها الكثير من الكلمات من اللغات الألمانية و الفرنسية و الإنجليزية. كما تغيرت تهجئة الكثير من الكلمات بحيث يصعب على القارئ اليوم قراءة نصّ دانماركي قديم إن لم يكن على اطلاعٍ على التغيرات الحاصلة في اللغة.
شكّل إنتاج الكتب في الدانمارك بداية ظهور الأدب الدانماركي في نهاية القرن الحادي عشر. و ظلّت أعداد الكتب المُنتَجة متواضعةً نسبةً للكتب المستوردة، و ذلك لفترةٍ طويلة. أولى الكتب الدانماركية الأدبية كانت نُسخًا عن الملك الدانماركي كنُد المُقدس و الذي حكم في الفترة 1080-1086م. حوالي عام 1120م صدر كتاب دانمركي عن قصة الملك كنُد المقدس مع إخوته، وهي شبيهةٌ بقصة النبي يوسف عليه السلام مع إخوته. مؤلف الكتاب راهبٌ إنجليزي يُدعى إلنوث، وهو يُعتبر أول مؤلف كُتب دانماركية في الدانمارك.
بدأ التأريخُ لتاريخ الدانمارك في حوالي القرن الثاني عشر. ثم بدأت تظهر المقالة التي تحوي 20 صفحة تتحدث عن الملوك وإنجازاتهم و علاقاتهم. من أشهر المقالات مقالة روسكيلدةRoskildekroenik و التي احتوت على معلومات قيّمة عن كُتب و نصوص في الدانمارك في تلك الفترة. وردَ في مقالة لايغا Lejre أن أول ملك دانماركي كان يُدعى دان Dan و أنّ الملك رو Ro هو من أسس مدينة روسكيلدة التي أصبحت فيما بعد عاصمة الدانمارك. يُعتبر سفن آجاسنSven Aggesen و ساكسو Saxo رائدان في التأريخ للدنمارك. و كان هناك الكثير من أوجه الشبه بينهما، و عاشا في نفس الحُقبة التاريخية، إِلَّا أن مؤلفاتهما كانت باللاتينية. كما يُعتبر كتاب ساكسو< إنجازات الدانماركيين>Gester Danorum أعظم كتاب لمؤلف دانماركي في العصر الوسيط. يتألف الكتاب من 16 مجلدًا، كما أنّ جُزءًا. منه يدورُ حول أساطير قديمة. بعد تأليف القسم الأول من الكتاب كانت المسيحية قد زحفت على الدانمارك من ألمانيا و أصبحت هذه مادةً أساسيةً في الكتاب. كما حوى الكتاب على كثير من القصائد الشعرية. في زمنٍ لاحق، تمت ترجمة هذا الكتاب الى اللغة الدانماركية6 مرات تحت عنوان < تاريخ الدانمارك>. في القرن الثالث عشر، ازدهرت صناعة استيراد الكُتب من خارج الدانمارك و كان ذلك على عاتق النخبة.
خلال القرن الثالث عشر، غزت الأرقام العربية مجالات الحساب و خاصةً الحسابات الفلكية التي كانت تقوم بها الجامعات الأوروبية. و أثّرت بالتالي على كمية الكتب المتاجر بها. و قد شرح كيفية ذلك بيتر ناترجال Peder Nattergal و طبّق الحساب بالأرقام العربية على مفكرته عن الفلك و التي عملت بها الجامعات.
أكثر الكُتب التي كتبها دانماركيون قبل القرن الرابع عشر و التي ما زالت محفوظة، تدور حول الفلسفة التي كانت تشهدُ ازدهارًا في القرن الثالث عشر.
كُتبت أول النصوص باللغة الدانماركية في كُتب من الرُّقع تحت حكم فالديمار الكبير Valdemar den Store و أبصالون Absalon حوالي عام 1170م. و كان قد مرّ على إنتج الكتب بالرُّقع حوالي مئة عام، الى أن تقرّر مركزيًّا التحول للغة الدانماركية. في الفترة من 1170-1300 سادت كتب التشريعات القانونية، و كان بعضها مترجمًا.
بالنسبة للمرأة في تلك الحقبة، لم يكن لديها حريةٌ شخصيةٌ كبيرة، و كان يُعوّلُ كثيرًا على تُقاها وورعها الديني. كما كان يُفترضُ بها الصمت عندما يتكلم الرجالُ في الإجتماعات. و نادرًا ما كانت النساءُ يُجدنَ اللغةَ اللاتينية.
بدأت الدراما في العصور الوسطى تنمو وتتطور انطلاقًا من الصلاة الكاثوليكية، حول بداية القرن الحادي عشر. من ضمن ما تمّ الحفاظُ عليه مخطوطةمسرحية كنُد المُقدّس 1574. القُدسيّة والسُّخرية كانتا الصّفتان اللتان لزمتا الدراما في القرن السادس عشر. بقيتْ بعض المسرحيات لتشهد عصر الإصلاحِ، من ضمنها، المسرحية الدانماركية < رقصةُ الموت>.

الفصل 2: هولجا دانسكاHolger Danske
وصلَ الى الدانمارك في أواخر القرون الوسطى، من فرنسا و ألمانيا، نوعٌ من الشِّعر يُدعى هوفي، أي شعر الحاشية الملكية. و هو يهدف الى العشق النبيل. في الزمن نفسه، راجَ نوعٌ آخرٌ من الشّعرِ عُرف بالشعر المُختلط، و هو يمزج بين الحُبّ النبيل و الجسدي. كان شعر هوفي يُكتب باللهجات المحلية، بعكس شعر العُلماء الذي كان يُكتب باللاتينية. و كان معظم قُرّاء شعر هوفي من النساء. في بداية القرن الرابع عشر، تمّت ترجمة ثلاثٌ من روايات هوفي من الفرنسية الى السويدية. بين القرن السادس عشر و التاسع عشر انتشرت روايات الفروسية و اكتسبت شعبيةً كبيرةً. و عُرفت كُتبها بالكُتب الشعبية. معظمها كان مُترجمًا عن الألمانية. في القرن الثاني عشر اشتهرت مقالتان، إحداهما تعليمية تنويرية تُدعى لوسي داريوس Lucidarius و الأُخرى تاريخية تُدعى مقالة كارل ماغنوس Karl Magnus . دارت المقالةُ الأولى حول الفلك و توصيفات جغرافية للأرض، إضافةً لوصف الصلاة الكاثوليكية و عادات الكنيسة، و أخيرًا علم الطبيعة و الطّقسَ و الظواهر المرتبطة بهما. أول ترجمة لها الى الدانماركية ترجع للفترة بين ١٤٧٠-١٤٨٠م و تمت طباعتها ككتاب عام١٥١٠. أما مقالة كارل ماغنوس فقد دارت حول البطل الدانماركي الأسطوري هولجا دانسكا Holger Danske، و الذي ما زال تمثالٌ له محفوظًا في قبو قصر كرونبورغ Kronborg . إنه نائمٌ جلوسًا بشكل منحنٍ إلى الأمام ، يتّكئُ برأسه على ساعده. يأمل الدانماركيون أن يصحُ من نومه إذا ما تعرّضت الدانمارك للخطر. ذُكرَ في المقالة أنّ هولجا هو ابنُ الملكِ الدانماركيّ جوتريك، و قد أصبحَ برتبة فارس في حاشية الملك كارل الكبير. إنّه مُقاتلٌ رهيب، و يملكُ سيفًا سحريًّا يلمعُ دائمًا كالذّهب. عيناهُ مِثْلَ عينيّ قِطٍ، و هو يرى في الليلِ أوضح من النهار. عندما يحلُّ بأرضٍ يُصبحُ كالعفريت بها. ذُكرَ هولجا دانسكا كثيرًا في الأشعار و الكُتب الشّعبية.
بإيحاءٍ من بعض الكُتّاب الألمان سرى في الدانمارك نوعٌ من الأدب ناطق بلسان الحيوان تضمّن القصص و الأشعار. مخطوطة< قوافي الحيوان> الدانماركية القديمة ترجع لحوالي عام ١٤٦٠م .
في القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، احتلّ الشعر الشعبي مكان الصدارة في الأدب الدانماركي. و قبل ذلك، كان قد طغى على الأدب ما يُعرفُ بشعر العمالقة. و في منتصف القرن العشرين دخل ما يُعرف بالبلادةBallade على الشعر الدانماركي. و هي عبارة أصلها إيطالي و تعني الرّقص. و كان من الطبيعي أن يصحب الرّقص هذه الأشعار، حيثُ يُغني أحد المطربين المقاطع بينما يُردّد الجمهور اللازمة(ما بينها).
كتابُ القلب Hjertebog هو الوحيد الذي حوى مجموعةً كاملةً من الأشعار باللغة الدانماركية. صدر عام ١٥٥٠م و هو بشكل قلب.
في القرن التاسع عشر بُدئ في تجميع الأشعار الشعبية ، و صدرَ كتاب الشعر الشعبي الدانماركي القديمDanmarks gamle Folkeviser عام ١٨٥٣م . رجال و نساء الحاشيات الملكية هم أول من بدأ بكتابة الشعرالشعبي . تمّ الحفاظ على عشر مخطوطات من الشعر الشعبي الذي كُتب قبل عام ١٥٩١م. وهو العام الذي صدرت فيه أول مجموعة من الشعر الشعبي المكتوب باللغة الدانماركية. عدا ذلك، كانت مخطوطة كتاب القلب و الذي حوي أشعارالحب، و مخطوطة كارين براهي هما الأشهر قبل ذلك العام. صدر الكتاب عام ١٥٩١ بعنوان كتاب المئة قصيدة، و هو يسرد إنجازات الأبطال في الميادين، و المغامرين من الملوك والأشراف حتى زمن كتابة المخطوطة.
جامعُ قصائدالكتاب هو المُؤرّخُ الدانماركيِّ أندرس سورنسن فيدلس Anders Soerensen VedelsNordeuropas, و قد قام بهذا العمل لأنه اعتبره مصدرًا مهمًا لتاريخ الدانمارك و الذي دأب على كتابته، و الذي يُفترض به أن يكون تكملة لعمل ساكسو < تاريخ الدانمارك> Gesta Danorum أو < إنجازات الدانماركيين>. و كان فيدل قد قام بترجمة عمل ساكسو من اللاتينية الى الدانماركية عام١٥٧٥م. بعد٢٥٠ عامًاعلى إصدار عمل فيدل، صدر كتابٌ هام يضم ١٢ مجلدًا تحت عنوان الشعر الشعبي الدانماركي القديم Danmarks gamle Folkeviser(DgF), و
هوللدانماركي سفند جرونتفي Svend Grundtvig ابن الكاتب الكبير و جامع الأناشيد الدينية N.F.S. Grundtvig. لقد شابه أباه في القدرةِ الهائلةِ على العمل.
للعشيرةِ أهميّةٌ مركزيّة في الأدب الدانماركي القديم. و داخل العائلة الصغيرة، كان القرارُ دائمًا للرّجُل. بعضُ النساءاستطعنَ رغم ذلك تحدي العشيرةِ من أجل المحبوب.
ينقسم الشعر الشعبي الدانماركي الى أقسام عديدة و هي: شعر الفروسية، الشعر التأريخي، الشعر التاريخي الأسطوري، الشعر الروائي، شعر الفكاهة و السخرية، و أخيرًا، أشعارالسحر والشعوذة. و يُذكر أن كل قسم يحتوي على نظام قافية مختلف و متعدد. نفس القول يسري على شعر البلادة.
أغلب قصائد الشعر الشعبي يرويها شخصٌ لا يُقحم نفسه في الأحداث. هو فقط يُصحّح الأخطاء. احتوي الشعر الشعبي على ما يُعرف بالشيطنة، حيثُ وردَ الكثيرُ من الأشعار التي تتحدّث عن الشيطان و مكائده و ضرورةِ مكافحته. إنّ تاريخ الشعر الشعبي و مواضيعه طويلةٌ و مُعقّدة، وهناك الكثير من المسائل التي عالجها لم تجد لها حلًا حتى الآن.

الفصل 3: عصر النهضة
يُمثّلُ القرنان السادس عشر و السابع عشر الفترة الفاصلة بين العصر الوسيط و العصر الحديث. ولم تأتِ النهضةُ كحركةٍ مفاجئةٍ، بل أتت بشكلٍ تدريجيٍّ بطيئ. و ارتبطت حركة الإصلاح بالحركة الإنسانية الشاملة و التي نشأت في إيطاليا في القرن الخامس عشر، و التي وصلت الدانمارك قبل حركة الإصلاح. و يُذكر أنّ فن طباعة الكُتب والكتب المطبوعة لعبت دورًا حاسمًا في الحركة الإنسانية، و كذلك بعدها في حركة الإصلاح، و دخل الدانمارك في حوالي بداية القرن السادس عشر. تميزت هذه الفترة بسيادة اللغتين اللاتينية و الدانماركية. و في القرن السابع عشر أخذت اللغة الدانماركية تطغى على اللاتينية. كان يتم اختيار اللغة حسب المادة العلمية و الجمهور. وبقيت اللاتينية لغة المُتعلمين و المثقفين لتلحق بعدها اللغة الدانماركية. و مع بدء الحركة الإصلاحية تولّدت قناعة أنه يجب أن يستطيعَ الجميعُ قراءة الكتب المقدّسة. و هكذا ازدهر تعليم القراءةبين الجماهير. و مع مجيئ القرن الثامن عشر كان أغلب الرّجالِ من أفراد الشعب قادرون على القراءة.
بدأت الحركة الإصلاحية في إيطاليا انطلاقًا من الحركةالإنسانية التي أخذت صفة العلمانية، و كانت الى مدىً كبير مرتبطة بالبورجوازية و الجهاز الإداري. استوحت الحركة أفكارها من النصوص الكلاسيكية، و أعادت إحياء العديد منها. كانت نصوص الحركة الإنسانية كلاسيكية الروح لكن أغلبها باللغة اللاتينية. تمّ تقليد اللغة و اُسلوب الكتابة الكلاسيكية نثرًا و شعرًا و اسلوبًا. مثّلَ التقليد الأدبي عملية ابداعية صقلت أعمال الأنتيك. لكن الأمر كان مختلفًا مع أوروبا الشمالية التي فضّلت تمجيد العصور الوسطى و تاريخها في الفترة، مما انعكس فيما كتبه المؤرخون عن الماضي الوطني للدانمارك و السويد. تم تصوير الدول الإسكندنافيةفي القرنين السادس عشرو السابع عشر على أنّ تاريخهاسحيق، لها حضارة متميزة لاتقلّ أهميةً عن دول الأنتيك (اليونان والرومان).
يُعتبرُ إراسموس روتردام Erasmus Rotterdam هو الشخصية الثقافية الأوروبية الأكثر بروزًا في العقود الثلاثة الأولى من القرن السادس عشر. و ذلك الفرع من الإنسانية الشمال أوروبية التي تُدعى بالإنسانية الدينية مرتبطة باسمه. بنى إراسموس مطالبه الإصلاحية الدينية لإحداث تغيير في الكنيسة، و التي برأيه حوت أشكالًا مختلفة من الفساد، و دعا للعودة إلى الكنيسة القديمة و الورَع و التُقى. و شكّكَ في مصالح و اهتمامات الكنيسة. كما طالب بمراجعة لغة النصوص الدينية للوصول الى المعنى الأصلي. كما أصدر كتاب العهد القديم باللغة اليونانية الأصلية، ثمّ كرّر طباعته عدة مرّات مع التنقيحات. تمتّع راسموس بمواهب كبيرة و شاملة. أصدر عدّة مُؤلفات. أمّا الكتاب الذي سبّب له شُهرةً كبيرةً هو أداجيا Adagia(١٥٠٠م). و هو تجميعٌ لعدد كبير من الأمثال.
كان لإراسموس تأثيرٌ كبيرٌ على بول هيلجي سن Poul Helgesen (١٤٨٥-١٥٣٥) الذي درس اللاهوت و أصبح عام ١٥١٩ رئيسًا للرهبان الكرمليين في كوبنهاجن. حاول أيضًا الإصلاح الكنسي، لكن تجاوزته حركة الإصلاحيين التي طالبت بالتغيير الجذري و الإنفصال عن الكنيسةالأُم.
عام ١٤٩٥م تمّ طباعة أول كتاب باللغة الدانماركية و يُدعى < مقالة القوافي> Rimkroeniken . قام بطباعته الهولندي المولد جوتفرد غيمان Gotfredsen af Ghemen ، و بعد أن استقرّ في كوبنهاجن، قام بطباعة العديد من الكُتب الأخرى. و أصبح من الواضح وجود جمهور مثقّف من القُرّاء حوالي عام ١٥٠٠م . و هكذا تمّ استدعاءعدة ناشري كتب من ألمانيا للعمل في الدانمارك، بينما كانت دور طباعة خارج الدانمارك تطبع الكُتب الدانماركية.
في النصف الأول من عام ١٥٢٠م دخلت حركة لوثرالى الدانمارك. تمثّلت في تغيير النظرةإلى دوْر الكنيسة و رجال الدين، و اكتسبت تأييدًا شعبيًا مُهمّا. ساد الإيمان الجديد في الدانمارك إثْر حدوث انقلاب في ١١-١٢ آب ١٥٣٦م. قاد الإنقلاب القائد المنتصر في الحرب الأهلية جريفن فايدة، كريستيان الثالث. و هكذا أصبح الحُكم بيد العِلمانيين تحت مشورة الملك المسيحي. و كان لهذا تأثيرٌ كبيرٌ على الحياة العامّة، و ساد الهدوء البلاد.
أول مجموعةأشعار إنسانية دانماركيةطُبعت في وتنبيرغ Wittenberg في بداية الخمسينات من القرن السادس عشر. و بعد عشر سنوات سارت الدانمارك في هذا الإتّجاه. و عندما حلّ عام١٥٧٠م كانت طباعةهذه الأشعار مزدهرةً في الدانمارك.
مع دخول الحركة الإصلاحية الدانمارك تحوّلت الأخيرةُ الى المركزية الشديدة. و بالنتيجة، تمّ فرض الرّقابة على الكُتب وطباعتها، و شملت أيضًاالكُتب المستوردة من الخارج. بعدَ الحركة الإصلاحية، سعت الحكومةُالدانماركيةُ لترجمة الإنجيل الى اللغة الدانماركية، و كان انجيل كريستيان الثالث(١٥٥٠م). مع ظهور الحُكم الإستبدادي عام ١٦٦٠م ، اتجهت الدانمارك أكثرصوب المركزية و تمّ تشديد الرّقابة على الكُتب. و مع ذلك، تضاعف إصدار الكُتب عدة مرّات خلال القرن السابع عشر. و شهد القرن بروز الأدب الدانماركي الحديث.

الفصل4: الإنسانيةُ و الحركة الإصلاحية
مع دخول الحركة الإصلاحية الدانمارك، دخلت معها من ألمانيا الأنشودة الدينية. و كانَ مارتن لوثر نفسه أحد المُؤلفين. رغم أن البلادة Ballade لم تكن مُعدّة لكتب الأناشيد الدينية، إلا أن هذه قد اشتملت عليها. هذا، ومع مُرورالزّمن، أصبحت كُتب الأناشيد الدينية تضمُّ موادًا دُنيوية لها علاقة بمعيشة الناس.
أول كتاب أناشيد دينية دانماركي طُبعَ في مدينة مالمو عام ١٥٢٨، و عنوانه كتاب مالمو للأناشيد الدينية. ثم توالى فيما بعد إصدار مثل هذه الكتب. و كثيرًا ما كانت الأناشيد تُترجمُ أكثر من مرّة.
نشأت مدرسة الكوميديا كخليطٍ من تقاليد الدراما في العصر الوسيط، و الإنسانية البروتستانتية التي أعطت أهميّةً أيضًا لتقاليد عصر الأنتيك. من مُؤسسي هذه المدرسة اللاهوتي الدانماركي بيتر ينسن هييلوند Peter. Jensen Hegelund واللاهوتي الدانماركي هيرونموس جويتسن رانتش Hieronmus Justesen Ranch . كما تبين أن هناك عدة مسرحيات أُقيمت باللغة اللاتينية و اللغة الدانماركية من مخزون هييلوند في مدينة كولدنبورغ Koldingborg . و قد ازدهرت مدرسة الكوميديا في الجُزء الثالث من القرن السادس عشر.
في بداية الخمسينات من القرن السادس عشر برز شعر الإنسانيات، و كان من رُوّاده هانس سادولين Hans Sadolin و هانس فراندسن Hans Frandsen. المجموعة الشعرية الدانماركية الأولى الصادرة كانت بعنوان إليجيديا لهانس سادولين.
شعر الرُّعاة دارحول حوارات بين رُعاة عن أشخاص و أشياء بأسماء يونانية. هذا الشعر سُداسي التفاعيل و يُعتبر من أعظم إنجازات عصر النّهضة، حيثُ تطوّر في الأدب اللاتيني الجديد، وانتشر في كامل أوروبا. أشهر شعراء الرعاة الرومان هو فيرجيل Vergil الذي أصبح مثالًا يُحتذى في عصر النّهضة. رائد شعر الرعاة في الدانمارك كان إراسموس لاتوس Erasmus Laetus, حيث أصدر مجموعةً طموحة من سبع قصائد من الشعر الرعوي.
أصدرلاتوس مجموعته الشعرية الرعوية بوكوليكا Bucolica التي أصبحت إحدى كلاسيكيات الشعر الدانماركي المكتوب باللاتينية. دارت أغلب الأشعار الرعوية حول المناسبات، و من ضمنها الأعراس. وعندما اندلعت حرب السبع سنوات بين الدانمارك و السويد، كان لهذه الحرب نصيبٌ كبيرٌ من الأشعار الرعوية الدانماركية. وتمّ تصوير الحرب ليس فقط على أنّها بين ملكيّ الدانمارك و السويد، بل بين إله الحرب مارس و إلاهة الحرب بيلونة، حيثُ سعى كل ّمنهما لإثارةِ شعبه و تحفيزه على القتال.
في القرن السادس عشر، ظهرَ عالمٌ دانماركيّ كبير هو تايكو براهي Tycho Brahe. كتب الشعر باللغة اللاتينية، إِلَّا أنّ شُهرته كعالم فلك طغت على شعريته، رغم أنه نجح في كونه من أفضل الشعراء الدانماركيين اللذين كتبوا باللاتينية. كما ظهر في نفس الفترة عالمان آخران هما أندرس سورنسن فيدل Anders Soerensen Vedel الذي اشتهر كلغوي و عالم إنسانيات و مُؤرّخ، و زميل الدراسة و السفر بيتر هييلوند Peder Hegelund، حيثُ درسا اللاهوت في جامعةكوبنهاجن. قام فيدل عام ١٥٧٥م بترجمة عمل ساكسو < تاريخ الدانمارك> الى الدانماركية ، و أعطى الكتاب عنوان < المقالة الدانماركية>.
يُعتبر كلاوس كريستوفرسن لوس شاندر Claus Christoffersen Lyschander )١٥٥٨-١٦١٤) وريث فيدل، حيثُ عيّنه الملك كمؤرّخ في العام الذي توفي فيه فيدل. كتبَ لوس شاندر الشعر كذلك، ودعا للنهضة و الى الكتابة باللغة الدانماركية. و هو أحد الكبار الذين كتبوا باللغة الأُمُّ ، معتبرًا ذلكَ واجبًا وطنيًّا. تنتمي مؤلفات شاندر الى نوع ( المقالات)، وتحوي التاريخ القديم و المُعاصر. كما كتبَ عددًا من مُؤلفاته باللاتينية.
كتبَ إراسموس لاتوس أشعارًا في التاريخ. و من أشهر مُؤلفاته مارجاريتيكا Margaretica وريس دانيكا Res Danica . حصلَ على رُتبة شريف عام ١٥٦٩م . عديدون حاولوا كتابة تاريخ الدانمارك،من ضمنهم، آريلد هويت فيلدت Arild Huitfeldt (١٥٤٦-١٦٠٩). كان من الأشراف، عضو المجلس الملكي، و هو أيضًا قنصل المملكة. صدر عمله في ٩ مجلدات باللغة الدانماركية. إنه أول عمل كبير باللغة الدانماركية عن تاريخ الدانمارك. و قد شمل العمل أقدم العصور و حتّى وفاة الملك كريستيان الثالث عام ١٥٥٩م . لكن يُؤخذ على المُؤلف إقحام السياسة في عملية التأريخ.
في القرنين السادس عشر و السابع عشر، كان التعليمُ مُتاحًا فقط للنساء من الأشراف من بين جميع النساء. و كانت مواد التعليم محدودة جدًا، تكادُ تقتصرُ على التعليم الديني و الحساب. كان ذلك خوفًا من أن تقوى شوكة النساء و الإتجاه للتساوي مع الرجال. على النّقيض من ذلك، كان الرّجالُ يواصلون تعليمهم الجامعي، و إذا ما تطلّب الأمر، يدرسون في الخارج. و مع ذلك شهد القرن السابع عشر ظهور عدد من النساء المتعلمات فاق ١٤٠ . و إحداهنَّ هي الأُخت الصُّغرى للعالِم الدانماركي تيكو براهي. كانت هذه تُدعى صوفيا، و أصبحت عالمةً شاملةً في العديد من الميادين.
فرّقَ الباحثون بين الشعر الغنائي و الشعر الشّعبي من حيث المضمون و الأسلوب و الإدراك. و يُلاحظ أنّ مُعظم الشعر الغنائي لم يرِد به اسم المُؤلف، كما كان المؤلف يتجنّب ذِكرَ اسم الحبيب أو المحبوبة في أغاني العشق، حِفاظًا على مُواصلة العلاقة بين الحبيبين. كما أنّ جُزءًا كبيرًا من الشعر الغنائي تمّت ترجمته عن الألمانية، مما يُؤكّد على الرّوابط الثقافية القديمة بين البلدين. مُعظم القصائد الغنائية أتت على لسان امرأة، ممّا يدلّ على دور النساء في تأليف الأغاني، و خصوصًا تلك المُتعلّقة بالحُبِّ.

الباب الثاني: من ١٦٠٠-١٨٠٠م
الفصل5 : فن الباروك و الشعر الرعوي
أحد أهمّ الرموز الأدبية و اللغوية الدانماركية هو إبن الفلّاح، بيتر بيترسن سووْ PederPedersen Syv (١٦٣١-١٧٠٢). بما أنّ تعليم اللغة الدانماركية كان مُنعدمًا في زمنه، أخذ سووْ على عاتقه القيامَ بأبحاثٍ لغويةٍ حول اللغة الدانماركية، بهدف استخدامها كمنهجٍ تدريسيّ. و في عام ١٦٨٣، حصل سووْ على لقب< الباحث اللغوي الدانماركي الملكي>. عملَ على جمع الكُتب وأصبح لديه مجموعةً مُهمّةً و كبيرة. أوّل عمل مطبوع لسووْهو أفكار Betenkninger ١٦٦٣، و يُعتبر أوّلُ مُحاولةٍ لُغوية في اللغةِ المقارنة و تاريخ الأدب. أوضحَ سووْ أهميّة الشعر كمنهج لفهم اللغة الدانماركية. كما أوضحَ اختلافَ اللغة باختلاف المناطق. عام ١٦٨٥، أصدرَ سووْ أول كتاب قواعد دانماكية باللغة الأُمّ،بعنوان < فن اللغة الدانماركية أوعلم القواعد> Danske Sprog-Kunst eller Grammatica . أفضل كتاب أصدره سووْ هو كتاب مئتا قصيدة Tohundrede visebog، ١٦٩٥، و الذي يحوي مئةَ قصيدة للكاتب والشاعر أندرس سورنسن فيدل، إضافةً لمئة قصيدةٍ أُخرى. و قد أُعيد طبع الكتاب مرّتان قبل عام ١٨٠٠. هذا و قد أصدرَ سووْ مجموعةً كبيرةً من الحِكم و الأمثال.
بالنسبةِ للأدب الدانماركي، تنتهي العصور الوسطى مع بداية القرن السابع عشر. و لم يكن بيتر سووْ هو الوحيد الذي اهتمّ بنشر اللغة الدانماركية، بل فعلها كثيرون غيره، و كان الدافع على الأغلب هو التّقرُّب الى الله. و عملوا على تحسين الشعر الدانماركي و إعطائه إيقاعاتٍ تُحبّبهُ للقُرّاء. و تمّ استعارةُ بعض إيقاعات شعر الأنتيك. ثُمّ بدأ الأدب الدانماركي يشهدُ ازدهارًا، فبرزَ عدد من الشعراء مثل آريبو،Arrebo بوردينغ Bording ، و كينغو Kingo .
لم يكن هناك سوقٌ حُرّةٌ للأدب. فقد كان خاضعًا لإرادةِ الملكِ أوالأشراف. و كان الشعرُ يُعتبرُ وظيفةً ثانوية. لم تلعب الدراما دورًا مهمًا في الدانمارك في القرن السابع عشر، بعكس الوضع في أوروبا.
ظهرتْ عدةُ كُتب لتعليم علم العروض الشعري، وكان كاهن الأبرشية الفنلندي بيتر ينسن روسكيلده Peder Jensen Roskilde (١٥٧٥-١٦٤١) أولَ من أصدرَ كتابًا في هذاالمجال، بعنوان < فن القوافي في اللغة الدانماركية> Dett danske Sprogs Rhijme Konst،١٦٢٧،. مثّلَ كتابه هذا مثالًا للآخرين ليحذوا حذوه. في العام ١٦٥٠م ، ظهرا أخيرًا أول عمل دانماركي ضخم عن العروض الدانماركية. صاحب العمل سورن بولسن جوتلاندر جوديشير Soeren Poulsen Gottaender Judichaer. و رغم أنّ الكتاب يحمل العنوان اللاتيني ( مقطع صغير من فن العروض) Synopsis Prosodiae Danicae، إِلَّا أنّ معظمه كُتبَ بالدانماركيّة.
بعدالإهتمام المُتزايد بكتابة الشعر باللغة الدانماركية، مع الأخذ بالإعتبار شعر الأنتيك كقدوة، يكونُ الأساسُ قد وُضِعَ لإبداعٍ جديدٍ يُسمّى فن الباروك. مثّلَ هذا الفن أحدَ أهم التّحوّلات في الأدب الدانماركي. في العصر الوسيط كان يُنظر الى هذا الفنّ باستعلاء. و تمّ رد الإعتبار لهذا الأسلوب الفنّي في أواخر القرن العشرين.
وصلت العديدُ من مزاميرِ داوود الى الدانمارك بعد أن تمّت ترجمتُها الى عدة لغات، و كان ذلك في بداية القرن السابع عشر.
في أواسط القرن السابع عشر ظهر الشعر الرعوي في الأدب الدانماركي، و باللغة الدانماركية، و هو كان قد ظهرَ في أوروبا باللغة اللاتينية قبل قرن من الزمان. و لكن بينما دار الشعر الرعوي باللغة اللاتينية حول السياسة و الفلسفة بشكل رئيسي، فإن الشعر الرعوي الدانماركي كان أدبًا دنيويًا تحدّث عن الإيروتيكية. في الدانمارك، ارتبط الشعر الرعوي باسم سورن تيركلسن Soeren Terkelsen ،لكنه لم يكن شاعرًا، بل مُترجمًا ووكيلًا للأُدباء ، حيثُ عملَ على إصدارِ العديد من الكُتب.
في أوائل القرن السابع عشر، كان سوق الكتب يعُج ّبالأدب الديني. و تميّز الشعر في ذلك الزمن بكونه يُقرض في المناسبات، و يكتب في مناسبات شخصيّة مثل الأعراس و الموالد و الأعياد و العزاء. و كان الشعراء ينشرون في المجلّات، أو يُصدرون الكتب الصّغيرة للوصول للجمهور. في نفس الفترة، وُجد نوعٌ آخر من شعر المناسبات،و هو شعر الإجتماعات، أو الشعر الرّسمي. عملَ على تحسين هذا النوع من الشعرأندرس بوردينغ Anders Bording حتّى وصل الى مستوىً فنيّيٍ لائق. بإسلوبه المُبهج و السهل الممتنع، سار هو على النّقيض من آريبوس Arrebos . عاش بوردينغ جُزءًا من حياتِه غيرَآمن. و هذا ما أعطاه صفة بوهيمي الأدب الدانماركي. كتب كثيرًا في شعر الإحتفالات. كما مدحَ بعض الأشراف و الموظفين الرّسميين الكبار. أوعز إليه ملك الدانمارك بتحرير الصّحيفة الرّسميةDen Danske Mecurius (١٦٦٦-١٦٧٧) . أبدع بوردينغ في الجمع بين السياسة و الشعر.
بلغ فن الباروك ذروته مع ثوماس كينجو، في نفس الزمن الذي ازدهرت فيه الدراما السياسية. كان إنتاج كينجو وفيرًا في مدحِ من خدموا المجتمع، و في مدح العائلة المالكة في الحربِ و السّلام، مستخدمًا الإسلوب الطوبوغرافي و مسرحيات الإحتفالات. أصدر العديد من الكُتب. عام ١٦٧٤ ، أصدر الجُزء الأول من مجموعة الأشعار الدينية بعنوان كورس الغناء الروحي، Aandelige Siunge—Koors، و أوضح أنّ له مقصدين من الكتاب. الأول هو الدعوةُ الى الله، و الثاني لتعزيز اللغة الدانماركية. في هذا الجزء يدعو كينجو للثقةِ بالله، و أنّ سلام الله يحلّ بنا لمجرّد الإيمان به. الإعترافُ بالذنبِ و التوبة و رجاء الإصلاح واضحٌ في قصائده. بعد النجاح الكبير للجزء الأول، تحسّن وضع كينجو الإجتماعي كثيرًا، وحصلّ من الملك على رُتبة شريف. و في عام ١٦٧٧ أصبح كاهن جزيرة فون. بعد فترةٍ من الزمن، أصدر الجُزء الثاني من كتابه، و دعا فيه الى نهضة الرّوح. من خلال حوار داخلي مع النّفس، دعا الى احترامِ النّفس و نقدها في آن. من رفقاء طفولة كينجو، الكاتب و الشاعر الياس ناور Elias Naur (١٦٥٠-١٧٢٨) ، الذي كتب أشعارًا دينية و عاطفيّة. من أشعاره الدينية ٢٠٠ دُعاء ديني. حصلَ ناور على درجة بروفيسور في اللغة اليونانية، و أيضًا في اللغة العبرانيّة. له العديد من المُؤلفات. تأثّرناور بفن الباروك.
من شعراء النوادر و الفكاهة، الشاعر يوهان لاوريمبرغ Johan Lauremberg (١٥٩٠-١٦٥٨). تتميّز مُؤلفاته بتنوعها و بكونها بعدّة لغات. حصلَ على شهادة الماجستير عام ١٦١٠ و درجة البروفيسور عام ١٦١٨ . وضعَ مُؤلّفًا في علم اللوغاريتم ، مما شكّلَ إضافةً معرفية. بإيعازٍ من ملك الدانمارك كريستيان الرّابع، جالَ في أنحاء الدانمارك ووضعَ خارطةً للبلد. كما وضع خرائط أُخرى تفصيلية. تمّ تقديم هذه الخرائط الى الملك و الحكومة و القيادة العسكريّة فقط. فقد كان وضعُ الخرائط في ذلك الزّمن أمرًا سرّيًا، كي لا يستفيد منها الأعداء. اشتهر لاوريمبيرغ بالسُّخرية. و أول كتاب له في هذا المجالSatyra (١٦٣٦)، كما أصدرَ أربعةَ كُتب في الفُكاهةِ الشِعرية. أصبحت هذه الكُتب مصدر إلهام ، فيما بعد، للكاتب الدانماركي الكبير Holberg .
أحدُ شُعراء الهجاءِ الدانماركيين الخطرين كان ياكوب وورم Jacob Worm (١٦٤٢-١٦٩٣). كتبَ أيضًا في شعر المُناسبات. كما كتبَ بعض الأُطروحات في اللاهوت و الفلسفة و الطبيعة. بسبب سوء تفاهم مع كينجو، كتبَ به قصيدةً هجائيةً لاذعة. مُعظم قصائد وورم الهجائية تمّ تداولها بسرعةٍ،بسبب الرّقابة الملكية على الهجاءِ. لكن وورم هجا الكثيرين.و عندما بدأ في هجو السلطة الحاكمة، اعتُبر ذلكَ هجومًا سياسيًّا. بدأ تدخّلُ الملك عام ١٦٨٠ عندما ناله نصيبٌ مهم من الهجاءِ. تمّ توقيف وورم، وحُكمَ عليه بالموت و مُصادرة جميعُ أملاكه. بعدها، تمّ تخفيف الحُكم و تمّ نفيه الى المستعمرة الدانماركية في الهند و المعروفة باسم ترانكي بار Tranquebar حيثُ توفيَ عام ١٦٩٣.
أوّل سيرة ذاتية دانماركية حديثة كتبتها ليونورا كريستينا أولفلدت Leonora Christina Ulfeldt (١٦٢١-١٦٩٨). و هي تُعتبر أشهر مُؤلفة دانماركية في القرن السابع عشر. كانت ابنة الملك كريستيان الرّابع. في عُمر ١٥ عامًا، عام ١٦٣٦، تزوّجت من الرّجل الذي أصبحَ فيما بعد رئيس الحاشية الملكية كورفيتز أولفلدت Corfitz Ulfeldt. كانت خطبتها اليه قد تمّت و عمرها ٩ سنوات. أمضت جُزءًا كبيرًا من حياتها في الدفاع عن زوجها بعد أن اتُّهمَ بالإختلاس ثُمّ بالخيانة العُظمى. عام ١٦٦٣ ، و بعد عودتها من رحلة الى بريطانية، تمّ توقيفها و سجنها فيما يُعرف بالبُرج الأزرق، و بقيت هناك ٢٢ عامًا. عام ١٦٦٤ توفيَ زوجها أولفلدت و هو هاربٌ خارج البلاد. عن أيّام سجنها كتبت كتابًا بعنوان < ذكرى الشَّفَقَة> Jammers minde ، و الذي أصبح أشهر مُؤلّفاتها. تمّ إعادة طبع الكتاب عدّة مرّات، ثمّ تمّت ترجمته الى الألمانية و الإنجليزية. عندما خُفّفت القيود عنها في سجنها، أخذت ليونورا تشتري الكُتب و تجمعها. بين عام ١٦٧١-١٦٨٤ كتبت كتابًا بعنوان < زينةُ البطلات> ، و هذه الكتابة هي أقرب ما يكون إلى ما يُعرف في عصرنا بالأدب النسائي. أوائل الكُتب في هذا المجال كُتبت باللاتينية. و جدير بالذكر أنّ هناكَ الكثير من هذه الكُتب ضاعت و لم يصلنا شيء منها. بعضُ الرّجال كتبوا عن النّساء مثل بوكاسيو Boccaccio < ١٣١٣-١٣٧٥> و الشاعر أندرس بوردينغ. كتبَ أوتوسبيرلنغ Otto Sperling عام ١٣٩٩ عن امرأة مُتعلّمة في مُؤَلفٍ بعنوان < غُرف نسائيّة> ، لكن توصيفاته كانت أقلّ جودةً من ما كتبته ليونورا. بالرغم من المحتوى التاريخي لقصص ليونورا عن بطلاتِها إِلَّا أنه يُمكن اعتبار كتاباتها أدبيةً أكثر منها تاريخيّةً. سارت على إثرِ بلوتارخ Plutarch حوالي ٤٥ قبل الميلاد الى١٢٠ ميلادية. و ذلك بمقارنة امرأة بامرأةٍ أُخرى. إستعارت ليونورا بطلات قِصصها من الإنجيل و التاريخ القديم و المُعاصر. فقد كتبت عن مارجريت الأولى( ملكةالدانمارك و النرويج و السويد)، و الملكة إليزابيث ملكة إنجلترا، و سميراميس الآشورية. حصرتْ ليونورا كتاباتها بالنساء ذواتِ الإرادةِ القوية الشُّجاعة، و المُخلصات والتّقيّات و الصّبورات. بطلاتُها فخوراتٌ بأنفُسهنّ، ماهراتٌ، مدرِكاتٌ لما يفعلن. من خلالِ كتاباتها،، دافعت ليونورا عن المرأة و قيمتها المساويةِ لقيمةِ الرّجل، و في نفس الوقت، مدحت إخلاصهنّ لأزواجهنّ. في زمنها، اعتُبرتْليونورا حداثيةً، لكن اليوم، الكثيرون يُشكّكون بذلك. رأت ليونورا أنه لا يجب أن يُحكم على الشّكلِ الخارجي للرّجُل و المرأة، و لكن على المُميّزات الشّخصيّة. بالكتابةِ سعتْ ليونورا لقضاء وقتها الطويل في السّجن. لكنّ كتاباتها عن النّساء لم تكن أفضل من كتابتها لسيرتها الذاتيّة. كانت تكتُبُ بانطلاقٍ أكثر عندما تتحدّث عن يوميّاتها في السّجن.
مع نهاية القرن السابع عشر، أخذت الأساليب و الأدوات الباروكية تقوى، و ما تجلّى من فرحٍ بفخامةِ عصر الباروك المُتأخّر، أصبحَ مدعاةً للهجاء من قِبل بعض الأدباء الكلاسيكيين في القرن الثامن عشر، مثل لودفي هولبيرغ وآخرين، حيثُ سخِروا من المبالغة في الزّينة و الخطابية الفارغة.
عام ١٧٢٣م صدرت روايةٌ طويلةٌ بعنوان < الحقيقةُ المستورةُ> Den beklaedte Sandhed. كانت الرّوايةُ الوحيدةُ التي كُتبت أصلًا باللغة الدانماركية في تلك الفترة. كاتِبةُ الروايةِ آنّا مارجاريتّا لاصون ١٦٥٥-١٧٣٨ . كانت ابنة قاضٍ، لكنها عاشت عيشة عَوَز، وتُوفيت وهي عانس. تتحدّث الرواية عن قِصّةِ عِشقٍ بين ليون كفي و ديانا. و هي تُمجّدُ الفُروسية، لكنها أتت في وقتٍ، كان جمهور القُرّاء قد ملّ من هذه القصص عن الفروسية، و في نفس الزمن، أتى جيلٌ جديدٌ من الكُتّاب مثل هولبيرغ و جماعته( الكلاسيكيون المطالبون بالمعقول )، و اكتسحوا سوق الكُتب.
من الناشطين الكاتبين باللاتينية في النصف الأول من القرن السابع عشر، الشاعر ويليشيوس وست هوفيوس Willichius Westhovius ١٥٧٧- حوالي ١٦٤٧ و صديقه الطيّب الكاهن كندس أكويلونيوس (١٥٨٨-١٦٥٠). كذلك أصبحت لزكرياس لوند شهرةٌ عالمية بسبب كتابته باللاتينية(١٦٠٨-١٦٦٧) . و أصبحَ عُضوًا في جمعية < جمهورية المتعلمين> الأوروبية.
كان حصار كوبنهاجن (١٦٥٨-١٦٦٠م) حافزًا للأدب الدانماركي و الأدب السويدي. بينما قام الجانب السويدي بإصداراتٍ ساخرة، ردَّ عليه الجانب الدانماركي بعدَ انتهاء الحصار، بإصدار < نهوض الدانمارك من جديد> Danmarks Genopstaeen .
بعدَ اتفاقية السّلام عام ١٦٦٠م تمّ مبايعة فريدريك الثالث كملكٍ يحقُّ له توريث الملَكية من الأب للإبن، و لم يعُد من الضروري أخذَ موافقة المجلس الملَكي. كان ذلك مناسبة لإزدهار شعر المناسبات، بعضها باللغة الدانماركية، و بعضها باللغة الألمانية، و أغلبها باللاتينية. تحدّثت هذه الأشعار عن التوريث و حصار كوبنهاجن بشكل رئيسي.

الفصل 6 : عصر التنوير
عام ١٦٩٣م أصدرت المحكمة العُليا في الدانمارك حُكمها على إحدى النّساء بقطعِ لسانها ثمّ حرْقها حيّةً حتى الموت. كانت هذه الحادِثة آخر حلقةٍ في سِلسلةٍ طويلةٍ من الحلقات المُشابِهة. و كانت التُّهم تدور حول سبّ الذات الإلهية وممارسة الشعوذة و السحر، حيثُ حرّمها القانونُ بالقطع. عام ١٦٨٦ صدر قانونٌ بضرورةِ إحالةِ قضايا السّحر و الشعوذة الى المحكمةِ العُليا للتثبُّتِ منها فبل أيّة عملية إعدام.هنا بدأ النَّاسُ يُشكّكونَ في المنطق العدلي. مع تقدّم الزّمن، صار النَّاسُ أكثر تفهُّمًا لهذه القضايا، و صاروا يستعينون بالأطبّاء و عُلماء النّفسِ في حلّ هذه المشاكل. عندما دَخَلَ التّخصّص في نواحي الحياة المُختلفة، أصبحَ من السّهلِ على الأفرادِ تخطّي من هم أعلى منهم رُتبةً بحُكمِ مِهنتِهم. و أصبحت لديهم حُرّية لا بأسَ بها.
في السّنوات الأولى لعهد الإستبداد كانَ من المُستحيلِ على الفردِ العاديّ الإختلاط بشؤونِ الحياةِ العامّةِ. خُطوةً خُطوة، في بدايةِ القرنِ الثّامن عشر، أخذت النّظرةُ تتغيّر للفرد العادي، و صار من السّهلِ عليه تخطّي بعضَ السُّلِطات. ومع ظهورِ الكاتب الشّهير هولبيرغ، أخذَ النَّاسُ يُتابعونَ كِتاباته حولَ الفضائلِ و الطاعةِ، و التي لم تكن موضِعًا للنّقاشِ من قبْل. من هناظهرتْ فِكرةُإنشاءِ جمعياتٍ مُستقلّةِ التّفكيرِ، و التي أصبحتْ هي الفِكرةُالتي إستندتْ إليها مبادِئ عصرِ التّنويرِ. هذا و قد أثمرتْ أفكارُ هولبيرغ و لاقت انتشارًا واسعًا. و هكذا بدأ الحُكمُ يتحوّلُ من استبدادي مركزي بيروقراطي الى التّنوعِ و السّماحِ بتوعيةِ الجماهيرِ.
أولُ من دعا في الدانمارك الى اتّباعِ قانونِ الطّبيعةِ هو البروفيسور في القضاء كريستيان ريتزر Christian Reitzer الذي أخذَ يُحاضِرُ في ضرورةِ اتّباعِ المعقولِ. كان ذلك في التّسعينات من القرنِ السّابع عشر. فحوى قانون الطّبيعةِ هو اتّباعُ المعقولِ، و الذي ينقسمُ الى وظيفتينِ. الأولى هي القُدرةُ على الإعترافِ، و الثانيةُ هي القُدرةُ على الحُكمِ و التّفكيرِ. بظهورِ لودفي هولبيرغ، أصدرَ كتابهُ< مُقدّمةٌ إلى قانونِ الطّبيعةِ و معرفةِ حقّ الشّعب Introduction til Naturens og Folke-rettens Kundskab. ١٧١٦ . أوضحَ هولبيرغ أنّ المسؤوليةَالأخلاقيةَ المعقولةَ تقتضي الوِقايةَ من كُلّ أشكالِ الخِداعِ و الخِداعِ الذّاتي. و هكذا تمّ تسريعُ عملية علمنة المُجتمعِ، والتي شكّلت فيما بعد الحضارةَالأوروبيةَ الجديدةَ.
أخذتْ النّظرةُ إلى الخارجينَ عن القانونِ تتغيّر، وصارَالناسُ يتجنّبونَ العقوبات المُشدّدةِ، بل يدعونَ إلى الهُزءِ و السُّخريةِ من هؤلاءِ، فهذا مايستحقّونه. و هكذا لمعَ هولبيرغ في فنّ الفُكاهةِ.

الفصل7 : عصر المعقول ١٧٠٠-١٧٧٠م
يُعتبر لودفي هولبيرغ Ludvig Holberg رائد المعقول النقدي في الدانمارك. وُلد في مدينة بيرجن عام ١٦٨٤ و توفي عام١٧٥٤ . كان والده ضابطًا في الجيش، بينما تنتمي والدته الى عائلة من الكَهَنة و رجال الدّين. توفي والده قبل بلوغه العام الثاني. توفيت والدته وعُمره ١٠ أعوامًا. إخوته الصّبيان السّتة توفوا جميعًا و هم أطفال. و هكذا آلَ مصيره لإحدى العائلات لتبنّيه، قَبْلَ أن يُسافر الى كوبنهاجن لدراسة الثانوية العامّة. لم يطل به الأمر بسبب الضّائقة الماليّة فعاد ليعملَ و يجمعَ المالَ، ثم عاد عام ١٧٠٤ الى كوبنهاجن لإنهاء دراسته. درسَ الفلسفة و اللاهوت، لكن كانت له مآربُ أُخرى. بعدَ إقامةٍ قصيرةٍ في النرويج، سافر عام ١٧٠٤ الى أمستردام. سافر عدّة مرّات. سافر بعدها الى لندن و أوكسفورد. هناكَ اختلطَ بالمُتعلّمين، و داهمته الرغبةُ بأن يكون كاتبًا. وحلُمَ بالكتابةِ عن تاريخِ الممالكِ الأوروبيّة و الجغرافية و السياسة. في عمر العشرين، عاد إلى كوبنهاجن، و طرحَ خُطّتَهُ على بعض المُتنفذين فساعدوه ماليًّا لإيمانهم بقُدراته. حصلَ على منحةٍ للدراسة في كُليّةBorchs Kollege. ثمّ أراد مُواصلةَ دراسته الجامعيّة ليتفرّغَ بعدها للكتابةِ. أصدرَ عملًا من مُجلّدين، أحدهما عن التّاريخ، و الآخر عن الجغرافيا. ثُمّ شرعَ في الكتابةِ عن قانون الطّبيعةِ، و شرَحَه للدانماركيين. هذا العمل وضَعَهُ ضِمنَ الأساتذة المُدافعين عن هذا القانون.واجهَ الكتابُ بعضَ الصّعوباتِ في البدايةِ، إِلَّا أنه أصبحَ فيما بعد أكثرَ كُتُبه قراءةً. قام هولبيرغ بعدد من الرّحلات في أوروبا، و كتبَ عنها. اشتهرَ بفن الفُكاهةِ و الدّفاعِ عن حُقوقِ المرأةِ. و عنما تمَّ افتتاحُ < دار الفُكاهةِ> في كوبنهاجن، وجدَ هولبيرغ أنّه هذا ما كانَ يحتاجهُ بالفِعلِ.
سار هولبيرغ على خُطا موليير بدمج الكوميديا الكلاسيكية و الشعبية. و كان موليير يُعتبرُ سيّد الكوميديا، و هو من جمعَ بين المُفيد و المُمتع. في خريف ١٧٢٢ عرضَ المسرح الدانماركي خمسَ مسرحيّاتٍ كوميدية لهولبيرغ وهي: المُرتبك Den Vaegelsindede، السياسي صانعُ الشّمعِ Den Politiske Kandstoeber، و يابّي فَوْقَ الجبلِ Jeppe paa Bjerget و جين الفرنسية Jean de France ، و المُعلّم جيرت وست فالر Mester Gert Westphaler. و ما كادت تُعرضُ هذه المسرحيّات حتّى كان لدى هولبيرغ مخزونًا آخر من مخطوطات المسرحيّات مُؤلفٌ من خمسٍ من الكوميديا. بإنجاز هذه الخمس خلال مدّة سنة و نصف، يكون هولبيرغ قد ضربَ رقمًا قياسيًا في القُدرةِ على الكتابةِ. في مسرحيّات هولبيرغ، تلعبُ المُؤامرةُ دورًا مُهمًّا، و المشاكلُ الأخلاقيّةُ تخضعُ للمعقول الإجتماعي. كنصيرٍ للأخلاقِ، يَعتبرُ هولبيرغ نفسه عقلانيًّا أوّلًا. إنّ فحوى مسرحياته لا تدورُ بالتّحديد عن المشاكل ِالأخلاقيةِ بقدر ما تدورُ حولَ المُقارنةِ بينَ الواقِعِ و الخيالِ. إراسموس مونتانوس Erasmus Montanus هو عنوان مسرحيةٍ لهولبيرغ و هي تُمثّلُّ ذروةَ الفُكاهةِ في مسرحيّاته. إراسموس شاب يُرسله أهلهُ في الرّيف لتلقّي العلم في كوبنهاجن. يذهب إراسموس بين فترةٍ و أُخرى لزيارةِ أهله. و في كلّ مرّةٍ، يدورُ بينهم حوارٌ يُثيرُ الفُكاهةَ لدى أيّ قارئ. يُحدّثُ إراسموس أهلَهُ عمّا تعلمَهُ في الجامعةِ من ظواهرَ طبيعيّة مثل الخسوف و الكسوف و كُروية الأرض و دور المرأةِ اللائق في المُجتمع. و الأهلُ مُستغربونَ و يُقابلونه بمفهومهم البسيطِ جدًا عن هذه الأشياء. هُم يُجادلونه و يعتقدون أنّ ابنهم يكادُ يفقِدُ عقله بسبب ما يتعلّمهُ من أكاذيب، برأيهم. تتّسعُ الفجوةُ بالتفكير بين الطّرفينِ و تُستخدَمُ لُغةٌ مُحدّدةٌ، و أحيانًا لغة الإستعارة والمجاز، و هكذا يكونُ من الصّعبِ التوصُلُ الى حلّ.
عام ١٧٣٠م، حصلَ هولبيرغ على درجةِ بروفيسور في التّاريخِ التي كان يحلُم بها مُنذُ صِغره. كان هذا إيذانًا ببدء مرحلةٍ جديدةٍ من حياتِه. قسّمَ النُّقاد حياة هولبيرغ إلى ثلاثةِ وجوهٍ، الشّعري،التاريخي، و الفلسفي. لم يكن لهولبيرغ رغبةٌ في التّدريس. عام ١٧٣٥ تمّ تعيينهُ مُحاضرًا في الجامعة، و استمرّ في كتابة التّاريخ. لقد أنجزَ أعمالًا مُبهرةً. عام ١٧٢٩ أصدرَ < وصف الدانمارك و النرويج> Danmarks og Norges Beskrivelse ١٧٣٢-١٧٣٥ . أنجزَ < تاريخ مملكة الدانمارك> Danmark Riges Historie في ثلاثةِ مُجلّدات. عام ١٧٣٨ أصدرَ < تاريخُ الكنيسةِ الشّعبيّةِ> في مُجلّدين. و عام ١٧٤٢ أصدرَ < التاريخُ اليهودي> Den Joediske Historie في مُجلّدين.
يُعتبرُ < تاريخُ الدانمارك> أكبرُ عملٍ لهولبيرغ. إعتُبِرَ هذاالكتاب أهمّ عمل تربويٍ. بالنسبةِلهولبيرغ، يُعتبرُ التّاريخُ العلمُ الأكثرُ فائدةً، و الذي يعملُ كالمرآةِ، حيثُ يُمكنُ للمرء من مُجرياتِ الأحداثِ أن يتنبّأ بما سيأتي. و هكذا يحصلْ على نظرة جديدةٍ للعالمِ و للنّفسِ. يقول هولبيرغ: أتعلّمُ من التّاريخِ عن الأوطانِ و عن البشر. أتعلّمُ عن نفسي.
من الأعمالِ الأُخرى لهولبيرغ الرواية الفانتازية الفلسفية، رحلةُ نيلز كليم تحتَ الأرضNiels Klims Underjordiske Reise، و < أفكار عن الأخلاق> Moralske Tanker .
بناءً على أفكارِ بعض الأُدباءِ الدانماركيين، من ضمنهم هولبيرغ و ينس شيلدروب سني دورف Jens Schielderup Sneedorf تمّ تأسيس جمعيّة تطوير المعرفة و الفنون الجميلة Selskabet til de Skioenne og Nyttige Videnskabers Forfremmelse عام ١٧٥٩. و كان الأخيرُ أحدَ مُؤسّسيها.
قبل ذلك، كانت حركةُ التقويةُ الدّينيةُ Pietismen قد دخلت من ألمانيا إلى الدانمارك. إنضمَّ إليها العديدُ من الكُتّابِ الدّانماركيين مثل هانس أودلف برورسون Hans Adolph Brorson (١٦٩٤-١٧٦٤). لكن هذه الحركة لم تستطع السّيطرة على الكنيسةِ الرّسميةِإلّا بعد اعتلاءِ كريستيان السادس العرش عام ١٧٣٠. لكنّ الأرثوذكسية لم تنتَهِ تمامًاأبدًا.
بعدَ دُخول حركة التقوية الدّينيةُ ، ظهرتْ عدة كُتب للأناشيد الدّينيةِ، كان أبرزها مجموعة < تغريدةُ البجعة> ١٧٦٥ لهانس أدولف برورسون. من شُعراءهذه الفترةِ أمبروسيوس ستوب Ambrosius Stub ١٧٠٥-١٧٥٨. تعرّضَ هذا الشّاعر لتقلّبات كثيرة في حياته، على الصّعيد العائلي و المِهني و الدّراسي. كان سيّء الحظّ، و عاشَ طيلةَ حياته فقيرًا و ماتَ كذلك. إِلَّا أنّ أشعارَه كانتْ مُميّزةً في عصره، لكن لم تُجمع في كتابٍ إِلَّا بعدَ وفاتِه.

الفصل8 : الرّحلة إلى العربية السّعيدة أو رحلة كارستن نيبور
عام ١٧٦١م أرسلَ الملك الدانماركي، فريدريك الخامس، رحلةً استكشافية إلى اليمن. عُرفت الرحلةُ برحلة كارستن نيبور أو رحلة العربية السعيدة. تكوّن فريق الرّحلة من ٤ عُلماء و طبيبٌ و خادم . كانت الدانمارك في ذلكَ الزمن تُعاني من أزمةٍ ماليةٍ شديدةٍ. و كانت تسعى للإستعمار إن أمكن للتخلُّص من تلكَ الأزمة. لكن كانَ الهدفُ المُعلنُ للرّحلةِ هو المعرفة و الإستكشاف. عمّا إذا نجحت الرّحلةُ أم لا، كلن ذلكَ موضوعًا للجدال. لكن الشخصَ الوحيدَ الذي عادَ الى الدانمارك حيًّا بعد ستّةِ أعوامٍ هو كارستن نيبور، الألمانيّ الأصل.باقي أعضاء الفريق توفّوا على الطريق بسبب مرض الملاريا. عند استقرار نيبور في بلده، ألمانيا، كتبَ أربع كُتبٍ واصفًا هذه الرحلة باللُّغةِ الألمانية. تُرجمَ إثنان منها الى الدانماركية قَبْلَ عِدّة سنواتِ فقط.
انطلقت الرّحلةُ من كوبنهاجن بالسفينةِ الحربيةِ الدّانماركية جرينلاند ، ودارت حولَ الساحل الغربي الأوروبي، ثمّ دخلت مضيق جبل طارق. رست السفينةُ في مرسيليا. ومنها انطلق الفريق بسفينةٍ أُخرى الى البوسفور حيثُ أمضى عدّة أيّام. واصلَ الفريقُ رحلته بقاربٍ الى مصر حيثُ أقام هناك حوالي عامين. بعدها، انطلق الفريق إلى اليمن مارًا بجدّة و غيرها. لم يعُد نيبور، بعد الإقامةِ في اليمن، كما كان مُخطّطًا لفريق الرّحلةِ، بل إتخذ طريقًا طويلةً جدًا بهدف المعرفة و الإستكشاف. ذهبَ إلى الهند، ومنها إلى الخليج العربي، ثمّ إلى إيران و العراق وفلسطين و لبنان و قبرص و تركيّا. من هناك، انطلق برًّا إلى الدانمارك عبر أوروبّا. استمرّت الرّحلةُ ٦ سنوات. كتبَ المُؤلف الدانماركي الشهير ثوركيلد هانسن كتابًا عن هذه الرحلة، اعتمادًا على ما ورد في المُفكّرات اليوميةِ لأعضاء الفريق. عنوان الكتاب: < العربية السّعيدة> Det Lykkelige Arabien . ترجمَ هذاالكتاب إلى العربية سليم محمد غضبان، و صدرَ عن دائرة الإعلام و الثّقافةِ في الشّارقة عام ٢٠٠٦.

الفصل : تحوّلاتٌ فكريةٌ و سياسية
من الكُتّاب الذين برزوا في هذه الفترة، الكاتب و الشّاعر إيوالدس باوجروند Ewalds Baggrund (١٧٤٣-١٧٨١). وُلد في كوبنهاجن من أب كاهن من ممثلي حركة التّقوية الدّينية Pietisme. عام ١٧٦٣ أتمّ دراسة اللاهوت في جامعة كوبنهاجن. عاشَ قصّة حُبٍّ فاشلة، كتبَ بعدها < معبدُ الحظُّ> Lykkens Tempel . ثمّ كتبَ أيضًا دراما < آدم و حوّاء، أو الإختيار الفاشل> Adam og Eva eller den Ullykkelige proeve>. بعدها كتبَ مسرحيّةً نرويجيةً بعنوانRolf Krage . تدورُ المسرحيةُ حولَ موت وولفوف و مُقاتليه بعدَ خيانةِ أخته و زوجها له. بعكس < آدم و حوّاء…> ، فإنّ الموضوعَ هنا دُنيوي و ليس ديني. أمّا عن مسرحيةِ موت بالدر Balders Doed و التي كتبها عام١٧٧٣ ، فنرى أنّ دورَبالدر كانَ، وضعُ العِشق كقانون في حياة البشر. لكنّ العِشقَ أهلكهُ، بينما نفس القانون يُحيي شخصيّة لوثر. العِبرةُ أنّ نصف الإله بالدر، يسحب البساط من تحت أقدامِ الآلهة، و يُحرّر الإنسان كي يستطيعَ اتّباعَ قانون العِشق. هذه القصّةُ تُفيدنا أنّ الإله يُضحّي بنفسه لأجلِ الإنسان. في كِتابه < الأملُ و الذّكرى> Haab og Erindring ، نرى شعرًا فِكريًّا مُميّزًا،مليئًا بالخِطابةِ و الفخرِ و مُعبّرًا عن عدم الأمان الوُجودي. و تبقى أشهرُ أشعاره هي التي كتَبها بعنوان < نعيم رونج ستيد> وهي مكان إقامته. نُشرت عام ١٧٧٥. و يُذكر أنّ مكان إقامته هذا أصبحَ هو مكان إقامة كارين بليكسين Karen Blixen الكاتبة الدانماركية الشّهيرة. بين عام ١٧٧٠-١٧٧٣ ، السنواتُ المُهمّةُ و العصيبةُ، بدأ إوالد بتجرُبةِ الكتابةِ النّثريةِ، و التي تُعتبرُ أول انقطاعٍ عن النّثر الكلاسيكي. كتبَ حكايةَ < قصةُ السيّد بانثاكاك> Herr Panthakaks Historie . عام ١٧٧١ ، مجلة < الغُرباء> De Fremmede، ثمّ السيرةالذاتيّة < Levnet og Meeninger> من ١٧٧٤-١٧٧٨ . لم يتسنَّ إصدار بعض مُؤلفاته إِلَّا بعد وفاته. كانَ شعر إوالد يُمثّلُ اختراقًا فِكريًّا تزامنَ مع اختراقٍ سياسيٍ تمثّلَ في تحوّلاتٍ سياسيةٍ في أوروبا في السّبعينات من القرن الثامن عشر. من هذه التحولات ، الثورةُ الفرنسيةُ و نهضةُ القوميّاتِ التي أطلقتها حروب نابليون. كانت الدانمارك أولَ دولةٍ ذات حُكم استبدادي تقومُ بإلغاء الرّقابةِ و السّماحِ المُطلقِ بالطّباعةِ و النّشر. كما كانت أولَ دولةٍ على الإطلاق، تُصدرُ قانونًا للجنسيةِ، وتُعطي جنسيّتَها لمن يولدُ بها. و ظهرَ ما عُرفَ بأنّهُ أولُ إعلانٍ لحقوقِ الإنسانِ، ورَد في الرّوايةِ الرّسميّةِ التي كتبَها الشاعر ب، أف، سُهم P.F.Suhm و عنوانها إيوفرون Euphron ،١٧٧٤ . من خلالِ ٤٢ قاعدة حُكومية وردتْ بها، كانت مواضيعُها حُرية حقوق المُواطنين، و حُرّيةُ الدّيانةِ. من أوائلِ المُؤيدينَ و المُتحمسينَ لحُريّة الكتابةِ عام ١٧٧٠ كانَ المُؤرّخُ و الشّاعرُ بيتر فريدريك سُهم من ١٧٢٨-١٧٩٨، أحدَ أبرزِ الشّخصياتِ في عصره. فورَالإنقلابِ ضدّ ستروني، سارعَ سُهم لبعثِ رِسالةٍ شديدةِ اللّهجةِ للملكِ يحُثّهُ فيها على الحدّ من سُلطتهِ و الإعترافِ بقُدرةِ الله عليهِ، و أن يُراعيَ مصالحَ الشّعبِ باختيارِ الأشخاصِ المُناسبينَ للمناصِبِ، و أن لا يحكمَ على أحدٍ بطريقةٍ غيرِ قانونيّةٍ. طبعًا الملك لم يستجب تمامًا لسُهم، لكنّه لم يُؤذِه لكونِ سُهم على صِلةٍ بالأشراف. أثارت هذه الرّسالةُ صدًى واسِعًا، كما أنّها ترافقت مع تسليمِ سُهم مُبادرةً لشكلِ حُكمٍ جديد الى جولد بيرغ، الذي كانَ على علاقةِ صداقةٍ به. عام ١٧٧٠ بدأ سُهم في كتابةِ تاريخ الدانمارك في عملٍ ضخم.

الفصل 10 : وراثةُ العرشِ في صيدون Tronfoelgen iSidon
مع بدايةِ السّبعيناتِ من القرنِ الثامن عشر، أخذت كوبنهاجن في التّوسُّع، حتى أصبحتْ مدينةً كبيرةً تجاوزَ تعدادُ سُكّانها ثمانينَ ألفًا. و انتشرت فيها المقاهي و دور التّسليةِ، إضافةً إلى الزيادةِ في عرضِ المسرحيّات.أصبحَ لدى المُواطنينَ فُرصةً أكبرَ للّقاءِ و التداولِ في الشّؤونِ الشّخصيّةِ و العامّةِ، و خُصوصًا الثقافية. إزدهرَ أدبُ الدّورياتِ، و في الفترةِ بين عام ١٧٧٠-١٨٠٠ صدرتْ مئةُ مجلّةٍ جديدةٍ. و ظهرَ أكثرُ من ٣٠ نادٍ، و ازدهرتْ الإحتفالاتُ. من الجمعيّاتِ، أُنشِئتْ: الجمعيةُ النّرويجيةُ و جمعيةُ الأدب الدانماركيّ Det Danske Litteraturselskab. بعضُ الجمعيّاتِ كانت رسميّةً دعمتها الدّولةُ، و أكثرُ الجمعيّاتِ عاشت على جمعِ الإشتراكاتِ و التّبرّعات.
لم تظهر المُعارضةُ السّياسيةُ في الدانمارك إِلَّا بعدَ اندلاعِ الثُورةِ الفرنسيةِ. ساهمت الإحتفالتُ و المُناسباتُ الكثيرةُ في القصرِ الملكيِّ في زيادةِ الإنتاجِ الشّعريّ. كما ساهم في ذلكَ أيضًا كثرةُ توزيعِ الجوائزِ. محورُالإزدهارِ الثقافيّ كان المسرح، وكانَ لذلكَ أسبابٌ كثيرةٌ، منها أنّ المسرحَ كانَ به حيّزٌ أكبرُ من الحُرّيةِ. به يتقابلُ الأرستقراطيّونَ و البرجوازيّونَ، و به يستمعُ الجميعُ الى حُكمِ الجُمهورِ مُباشرةً. فيهِ كانتْ تُناقشُ التّيّاراتُ الثّقافيّةُ الجديدةُ، مما قد يحدُثُ أحيانًا صِدامًا بين المُؤيدينَ و المُعارضين. بغضِّ النّظرِ عن الّذينَ كانوا يتحكّمونَ بالمسرحِ، إِلَّا أنَّ الكلمةَ الفصلَ كانتْ للجمهورِ الذي يستطيعُ إلغاءَ المسرحيَّةَ. لذلكَ كثيرًا ما كانَ يتمّ تغيير العُروضاتِ في فترةٍ قصيرةٍ.
في ٢٥،١١،١٧٧١م ، حدثتْ مُشادّةٌ عنيفةٌ بعد عرضِ المسرحِ الملكيِّ لمغناةِ < وراثةُ العرشِ في صيدون> . خرجَ الوضعُ عن السيطرةِ، و اتّسعتْ الإشتباكاتُ بينَ الجمهورِ الى شوارعِ كوبنهاجن و استمرّت طوالَ الليل. المغناةُ من تأليفِ نيلز كروغ بريدال Niels Krog Bredal. هذا الخبر واردٌ على الصّفحة الإلكترونيةِ Den store Danske.dk
عام ١٧٦٧ أنشأَ الملك كريستيان السّابع مسرحه الخاصّ في قصر كريستيان بورغ خُصّصَ للحاشيةِ الملكيّةِ. كانَ المسرحُ الملكيُّ في ساحةِ الملك الجديدة قد أُنشئَ عام ١٧٤٨. كان يُقدّمُ المسرحيّاتِ الفُكاهيّةِ للمواطنينَ، ثمّ أصبحَ للأرستقراطيين. بينما شهدت هذه الفترةُ صمودَ الدراما الكلاسيكيةَ في الدانمارك، شهدتْ ألمانيا و دولٌ أُخرى انتهاءها. و بقي الكاتبُ إوالد استثناءًا.

الفصل 11 : شارلوتّا دوروثيا بيهل Dorothea Biehl Charlotta
كتبتْ بيهل في رسالةٍ لها لأحدِ أصدقائها:
< قَدَري في هذا العالم أن لا أستطيعَ أن أُقرّرَ على حياتي، و أن لا أتّبعَ أهوائي بل رغَباتِ الآخرين.>
كتبتْ بيهل سيرةَ حياتِها كاملةً. و كانتْ هي المرأةَ الوحيدةَ التي استطاعتْ العيشَ من إيرادِ مُؤلّفاتِها في ذلكَ الزّمن في الدانمارك. يُلاحظُ في مُؤلفاتها و التي تتألّفُ في مُعظمهامن كوميديّات و حكايا عن الأخلاقِ، لكنّها كانت تستخدم إسلوبَ الدّعوةِ إليها، و في نفسِ الوقت تعني عكسَ ذلك. جزءٌ كبيرٌ من كُتُبها عبارةٌ عن ترجمات.
وُلدت بيهل في كوبنهاجن و قضتْ حياتها هناك. كانَ والدها مدير قلعة شارلوتنبيرغ، و كانَ يمنعُها من القراءةِ، بينما كان جدّها يُساعدها في الحُصولِ على الكُتُبِ . صادقتْ العديدَ من الرّجال، لكنّها لم تتزوّج أبدًا. بالمُقابل، عاشتْ حياةَ العانسِ المُتعلمةُ و الخبيرةُ في اللغةِ، المُتمكّنةُ من عدّةِ لُغاتٍ، ضليعةٌ في كتابة الدراما و مُؤامراتِ أفرادِ الحاشيةِ الملكيّة . ساعدها بعضُ هؤلاءِ في الترجمةِ والكِتابةِ للمسرح. وفي عام ١٧٦٣ قدّمتْ أولَ مسرحيّةٍ لها، و هي كوميدية بعنوان < الرّجلُ المُحبُّ> Den Kaerlige Mand ، على المسرحِ الملكيّ، و لاقتْ نجاحًا كبيرًا. كتبتْ بيهل في حياتها سبع كوميديّات. لكن أكثرُها إضحاكًا كانتْ < الدّوّارةُ الماكرةُ> Den Listige optrækkerske ١٧٦٥،وشخصيتُها الرّئيسيةُ لوكريتّيا Lucretia هي الأهمّ على الإطلاق. لقد كانت هذه المسرحيةُ هي الأكثر جدلًا،و الأقلّ أخلاقيةً ضمنَ مسرحيّاتها. و لذلكَ كانتْ هي المسرحيّةَ الوحيدةَ التي أُعيدَ كتابتُها، و أُعيدَعرضُها عدّة مرّاتٍ في زمنٍ لاحق. لابُدّ و أنّ المسرحيةَ قد تعرّضتْ لنقدٍ شديدٍ في زمنها، مما دعا المُؤلفةَ الى أن توكلَ صديقها آريسته Ariste للدّفاعِ عنها وعن المسرحيةِ، فكتبَ < الخلاف أو النّقد حولَ الدّوّارة الماكرة> Tvistigheden eller Critique over Den Listige Optraekkerske ،١٧٦٦.
يُعتبرُ كتاب < دون كيشوت> لسيرفانتس من أكثرِ الكُتُبِ التي سبّبتْ شُهرةً لبيهل، بعدَ أن ترجمتهُ الى الدّانماركيّة، ١٧٧٦-١٧٧٧، و تمّ تداولُ الكتابِ حتّى عام ١٩٩٩. و تُعتبرُهذه التّرجمةُ من أعظم إنجازات التّرجمةِ في الدانمارك.

الفصل 12 : الجمعيةُ النّرويجيةُ
حتّى عام ١٨١٤م كانت النّرويج جُزءًا من المملكةِ الدّانماركيّةِ. كانَ هناكَ ملكٌ واحدٌ و إدارةٌ مُشتركةٌ و لُغةٌ مُشتركةٌ للكتابة. في النّرويج، كانَ الأدب الذي يكتُبهُ نرويجيون يُدعى بالأدب المُشترك. لكن في الدانمارك، اعتُبر ذلكَ أدبًا دانماركيًّا لأنّه كُتبَ باللغةِ الدانماركيةِ و في بيئةٍ دانماركيّة.
تأسّستْ الجمعيةُ النّرويجيةُ عام ١٧٧٢، و كانتْ أوّلَ و أكبر جمعية، و تحوي الإنتاج الأدبي الأكبر. المسرحيةُ التي كتَبها يوهان نوردال برونس بعنوان زارينه Zarine، ١٧٧٢ ، خلقتْ وعيًا بالكيان النّرويجي. كذلكَ فعلت مسرحيةُ يوهان هيرمان وِصلْ < حُبٌّ بلا جوارب> و فاقتها شُهرةً و رُسوخًا في الأدب، بعدَ عرضها على خشَبةِ < المسرحِ الملكيّ>. سيطرَ الإتّجاهُ الأدبيّ على مواضيعِ الجمعيّةِ حتّى انفصالِ النرويج، فتحوّلَ الحديثُ نوعًا ما الى السّياسةِ. للأسفِ مُعظمُ الأُدباءِ الذينَ ساهموا في الكتابةِ عن طريقِ هذه الجمعيةِ قد طواهم النّسيان.
كانتْ الجمعيةُ النرويجيةُ تنتمي لأدب الرّوكوكو Rokoko المعروفِ بأدب الأثرياءِ و التّجّارِ. ازدهرَ هذاالأدب في القرن الثامن عشر. مواضيعُ هذا الأدبِ تدورُ حولَ الخشبِ و السّمكِ و السُّفن، أي أنّهُ مُتعلّقٌ بالسواحلِ. إنّهُ يعتمدُعلى التّجارةِ مع البُلدانِ الأُخرى، و صفةُ الوطنية له ليستْ غالبة. كما أنّ الكُتّابَ تناولوا مواضيعَ الأرستقراطيين المُتميّزةِ بالفخامةِ و السّهولةِ و السُّخريةِ. كافحَ هؤلاء انتشار اللغةِ الألمانيةِ مثلَ الدانماركيين.

يرجعُ الفضلُ في إعطاءِ أهميّةٍ كبيرةٍ للجمعيّةِ النرويجيّةِ إلى يوهان هيرمان وِصلْ Johan Herman Wessel ، ١٧٤٢-١٧٨٥ . إنّهُ هو من عمِلَ على الإنزياح عن الإتّجاه الوطني، و كانَ هو المحورَ و الرّوحَ المُحرّكةَ و المُلهمةَ للجمعيةِ. عندما قدّمَ وِصلْ مسرحيّتَهُ < حُبٌّ بلا جوارب> Kierlighed uden Stroemper ، لم يكن معروفًا في الوسط الأدبيّ. لكن كانَ لهذه المسرحيةِ فِعلَ القنبُلةِ بأكثر من معنى. و رغمَ أنّ وِصلْ قد كتبَ مسرحيتين كوميديين بعدها، إِلَّا أنّهما فشلتا في جذبِ الجمهورِ. بعدها نحا وِصلْ منحىً آخرَ، و صارَ يتلو الأشعارَ. عام ١٧٨٥-١٧٨٦ ، أصدرَ مجلّتهُ الأسبوعيةَ< خادمُ العاطلينَ> Votre Serviteur Otiosis، و كانَ ينشرُ بها الحكايا التي لم تصدُرْ في كتاب. اشتهرَ وِصلْ بالسّردِ الشّعريّ، و كتبَ الكثيرَ من الحكايا مثل < الحدّادُ و الخبّازُ> (قصيدة)، التي ذاعت شُهرتُها، حيثُ تحكي قصّةَ حدّادِ القريةِ الذي يشتاطُ غضبًا فيقتُلُ غريمهُ. و بما أنّ القتلَ يجب أن يُجزى بالقتلِ، و بما أنّ القريةَ ليسَ بها سوى هذا الحدّادُ، بينما لديها خبّازانِ، يأمرُ القاضي بإعدامِ أحدِ الخبّازينِ. بهذا يكون قد التزمَ بحرفيةِ القانونِ وحفظَ التّوازُنَ و لكن بشكلٍ يدعو للسُّخريةِ الشّديدةِ. إنّه أُسلوبُ وِصلْ في الحكاءِ الذي اتّبعهُ في حكاياهُ.

الفصل 13 : بيتر أندرياس هايبرغ Peter Andreas Heiberg (١٧٥٨-١٨٤١)
عمِلَ كْنُدْ لوني راهبك Knud Lyne Rahbek (١٧٦٠-١٨٣٠) كمُحركٍ على صعيد الثّقافةِ و انشاءِ الجمعيّات. لقد كانَ أيضًا من ساهمَ في إنشاءِ عديدٍ من الدّوريات من بينها مينيرفا Minerva (١٧٨٥-١٨٠٨) ، والمُشاهد الدانماركي Den Danske Tilskuer (١٧٩١-١٨٠٦). عام ١٧٩٠، أصبحَ راهبك أوّل بروفيسورفي عِلمِ الجمالِ. و بالإشتراك مع راسموس نوروب Rasmus Nyerup، أصدرا عام ١٨١٩ أول كتاب عن تاريخِ الأدبِ الدّانماركيّ بعنوان ذكريات Erindringer في خمسةِ مُجلّدات (١٨٢٤-١٨٢٩) . و هو أحدُ أهمّ المصادرِ في تلكَ الفترةِ الأدبيةِ و الحياةِ الثّقافيةِ.
لم يكن بيتر أندرياس هايبرغ ثوريًّا، و حتّى لم يكن جمهوريًّا. لكنّه كان يرى أنْ لا الملك و لا الحكومة ولا رجالها هم فَوْقَ النّقدِ، و أنّ من واجبهم تأمين الرفاهيةَ و حقوقَ المواطنةِ و حُريّة الطبعِ و النّشر للشّعبِ. و ربطَ خُضوعَهُ و قبوله باستقلاليةِ العائلةِ المالكةِ بهذا الشرط. و بذلكَ لم يكن استثناءً ضمنَ النُّخبةِ المُثقّفةِ. لكن ما ميّزَهُ أنّه كانَ براجماتيًّا في الصّراعاتِ الدّائرةِ. كما كان حريصًا على ربطِ الأدبِ بالسياسةِ، و ادّعى أنّ هذا الرّابط لا يُمكنُ فكّه.
كانَ هايبرغ ينتمي إلى عشيرةٍ نرويجيّةٍ. وُلدَ في مدينةِ فوردنبورغ Vordingborg . أصدرَ بعضَ المُؤلّفاتِ. كماأصدرَمجلّةً ساخرةً بعنوان< أحداثُ الورقةِ النّقديّةِ ريسدالة> Rigsdalers-Sedlens Haendelser (١٧٨٧-١٧٩٣). كتبَ مسرحيّةًساخرةً بعنوان< الفنّانُ المُبدعُ> Virtuosen ١٧٨٩ و حقّقتْ نجاحًا. تبِعتها مسرحيّةُ De Vonner og Vanner ١٧٩٢ التي لقيتْ نجاحًا أكبر. وهي تُعتبرُ أفضلَ و أقدرَ مسرحيّاته على الإضحاكِ. وهي تُشبهُ في موضوعها مسرحيّة موليير< المُواطنُ المهووسُ بالنّبالةِ> ١٦٧٠ و مسرحيّةهولبيرغ < الطُموحُ الشّريفُ> Ambition Den honnette ١٧٣١.
كانَ هايبرغ ذو شخصيّةٍ قويّةٍ، و بسبب آرائه تعرّضَ للعديدِ من المشاكلِ مع بعض الكُتّابِ، إضافةً إلى السُّلُطات. كتبَ مُحاكاتَهُ السّاخرةَ< هولجاالألماني> Holger Tydske بمناسبةِ صُدورِ أُوبرا الكاتب ينس باجاسن Jens Baggesen , حيثُ كانَ مُلحّن هذه الأُوبرا ألماني يُدعى F.L.A. kunzen. كان لهايبرغ موقفٌ من الألمانية غيرةًعلى الدانماركيّة. و انطلقتْ عاصفةٌ هوجاء في الوسطين الثّقافيينِ الدانماركي و الألماني. و استمرّتْ العاصفةُ إلى نهايةِ القرنِ، باشتراكِ مُعظم الكُتّابِ بها. في ٢٤ كانون أوّل١٧٩٩ صدرَ حُكم قضائي بطردِ هايبرغ إلى خارج البلاد. سافر هايبرغ بعدها إلى باريس، و بقيَ هناكَ حتّى وفاته. شكّلَ طرد هايبرغ للخارج مفصلًا في الحياةِ الثّقافيةِ . فقد توقّفَ الشعر السياسي ووجدَ الأدبُ أنّه أمامَ طريقٍ جديدٍ. و هنا طغى تأثيرُ الرّومنطيقيةِ الألمانيةِ. لكنّ هايبرغ لم يكن الكاتبَ الوحيدَ الثّائر. فقد مشى في هذا الطّريقِ الكاتب ثوماس كريستوفر برون Thomas Christopher Bruun، و الكاتب الشّاب مالتي كونراد برون١٧٧٥-١٨٢٦.

الفصل 14 : إتّجاهات أدبية و دينية ١٧٨٤-١٨٠٠م
قَبْلَ نهايةِ القرنِ الثامن عشر أخذت الكلاسيكيةُ في الإنحلالِ في الأدب الفرنسي و الإنجليزي. لكن لم يوجدْ بديلٌ جماليٌّ يحلُّ محلّها. و مع اندلاعِ الثّورةِ الفرنسيّةِ، طغتْ أحداثُها و شكّلتْ عائقًا للأدب. لكن بين عاميّ ١٧٨٥ و ١٨٠٥ جاءتْ الكلاسيكيةُ الجديدةُ كاختراقٍ، و ارتبطتْ بما عُرفَ بالإنسانيةِ الجديدةِ.
شهدتْ الفترةُ من ١٧٧٠-١٨٠٠ ضُعفَ سُلطةِ الكنيسةِ الى حدٍّ كبير. و بالرغمِ من ذلك، نرى أنّ المسيحيّةَ كانْ لها ثأثيرٌ كبيرٌ على أكبرِ شاعرينِ في هذه الفترةِ، وهما إوالد و باجاسن. و قد يرجعُ ذلكَ إلى الأخذِ بمبدأ الفردية Individualisme الذي سادَ هذه الفترة. يقومُ مفهومُ الفرديةِ على أنّ قيامَ الفردِ بدوره الإجتماعي لا يجب أن يُلغي شخصيّتَه،بل يجب أن يكونَ حُرًّا و يشعرُ باستقلاليته. لم يأتِ هذا المبدأ من فراغٍ، بل كانَ وليدَ التّفكيرِ الحديثِ بقانونِ الطّبيعةِ.
كانَ باجاسن يُمثّلُ ذروةَ الفرديةِ. رغمَ أنّهُ لم يكن مشهورًا في زمنه، إِلَّا أنّه كانَ الكاتبَ الدّنماركيّ الأكثرَ حداثةً. وُلدَ من أبٍ فقيرٍ و أُمٍّ متعصّبةٍ دينيًّا. لم يحصلْ باجاسن على شهادةٍ جامعيّةٍ، و لم يكن له مركزٌ رسميٌّ، كما لم يستطعْ الحصولَ على دخلٍ كافٍ من مُؤلفاتِه. من كُتُبه الشهيرةِ< حكايا فُكاهية> Comiske Fortaellinger ١٧٨٥ . في الفترةِ الأخيرةِ من حياتِه، قضى سنواتٍ عديدةٍ في باريس، أنتجَ فيها سبعَ مخطوطاتٍ أرسلها للطّباعةِ في الدانمارك، قَبْلَ أن يعودَ إلى كوبنهاجن.

السابق
الرمزية في القصة القصيرة جدًا
التالي
اختلال

اترك تعليقاً