القصة القصيرة

المَعَـلِّمْ

دائماً ما كان يجلس متصدراً زاوية المكان .. بين يداه لـيٌّ طويل .. الليّ أرجوانى اللون .. فى آخره (مبسم) نحاسى محلى بفصوص تضوى بالليل والنهار ..
خالها أنها مقطوعة من الزبرجد الصافى ، أو العقيق الأصلى أو ما شابه ذلك .
وكان عادةً ما يرتدى حُلَّة بيضاء .. الحُلَّة (صعيدية القَصَّة) بأكمام مخروطية .. فضفاضة ومفتوحة قبتها على أهل الحى جميعهم ، سواء كانوا راضين أومغصوبين .. ومن تحت الحُلَّة (قفطان) من القماش الستان المِقَلِّم ، غالباً ما كان رمادى اللون يميل إلى البياض أحياناً .
ــ مربوط حول وسطه شال حريرى بحواف وأهداب ما بين الرفيعة والعريضة أحياناً .. (الحُلَّة) خط المكواة ناطق فيها على الدوام ، بغض النظر عن طهارته من عدمه .. يتشح بـ (لاسة) فوق كتفيه الضخمتين .. (اللاسة) طويلة وشاهية البياض ، وأحياناً ما تكون (كوفية) من الصوف .. عريضة ومزركشة الألوان حسب فصول السنة .
الناس جميعاً فى غدوهم ورواحهم بمحيط المكان يقولون له كلما مروا عليه بالفم المليان : يا (معَلِّمْ)! برضائهم أومغلوبين على أمرهم .
= تتسمر أقدامه مثل نظراته كلما مر بمحيط المكان القابع فيه ، وهو أوسع من إدراكه بالأماكن المفتوحة ، وكأن (المَعَلِّم) يملك أقوات الكل بين يديه .
ــ تتصارع الأفكار بخلده (الضِّلم) أحياناً كثيرة ، ويطفو فوق سطح ذاته العنيدة العديد والعديد من الأسئلة السمجة .
لماذا؟
وكيف؟
ــ لماذا تتوق نفسه الأمارة بالسوء إلى الجلوس محله أغلب الوقت ؟
ــ وكيف لا يستطيع الهيمنة على هذه الذات النزقة التى بين جنبيه ؟
ــ تأتيه الإجابات سريعة .. غير محددة المعالم ، وقاطعة !
ــ لابد أنه يملك ما لم يملكه غيره من البشر؟ حتى يقال له بالفم المليان :
يا (مَعَلِّم) طوعاً وكرهاً !
ــ وربما يكون شخصاً يسانده أناس آخرون (أعفى) منه قوة ، وربما كانوا يستعملونه لأمر فى صدورهم التعّسة ؟
ــ وربما يكون شخصاً ليس مخيراً كما يتوهم البعض ، ويُقدِم على هذه الأعمال الخارقة للعادة بتوصية من ذاته النزقة ، أوبإلهام منهم .
ــ وربما كان اسمه (مَعَلِّم) لذا يقال له يا (مَعَلِّمْ) .
ــ أو ربما يكون كل ما يحاك من حوله مجرد أساطير .. نسجها خيال نفر مريض
من أتباعه أو اكتوى بناره !
فى زمن تنتحر فيه الأساطير على أعتاب التكنولوجيا المتقدمة .
ــ أو ثلة من أناس استعملهوه لأنفسهم ، واتخذوا منه وسيلة ليمتلكوا ناصية الأمور المستساغة وغير المستساغة ، واستحلوا الحقوق بالقوة المنافية لكل الأعراف الواقعة على الأرض التى نحيا فوقها لليوم وغداً.
= تتكاثر الأحلام بعقله (الغر) وتتصاعد لأعلى طبقات جو السماء مثلما يتصاعد دخان النرجيلة التى بين يدي (المَعَلِّم) أغلب الوقت لأجواء السماء العلا ، والتى لا تفارقه البتة فى جلساته ، فتحيل الدنيا وتعبقها بالغيوم والروائح الخبيثة المتداخلة فى بعضها البعض .
فى حين أن النيران المشتعلة بداخله التواقة للمكانة التى هو عليها ، والتى يتحلى بها . نادراً ما تنطفىء أو يخبو لهيبها لساعة من الزمن .
ــ يتضور بحثاً فى كل المفردات حول كنه الرجل الذى يقال له يا (مَعَلِّم).
وما كان يتمتع به دون سائر الرجال ذوى الرتب العليا ، والنياشين ذات الحيثية المقدرة فى دواليب الأجهزة الحكومية ، والدرجات الوظيفية التى تعلو فوق إمكانيات البشر العاديين ، ولو كانوا مجتمعين فى صعيد واحد .
ــ أو ربما يكون استيعابه بطيئاً ، أو لم يستطع قراءة اللغة المستخدمة فى هذا العصر المخالف لكل العصور ، التى مرت على الرياض مجتمعة .
ــ أويكون قد جاء إلى المكان فى الزمن الخطأ .
= تتلاشى كل الأفكار الشاهية البياض (كحُلَّة المَعَلِّم) بسماء عقله المكروب , جرياً وراء كسب لقمة العيش اليومية لأولاده ، المربوطين فى عنقه المنغمسة فى بحار الذلة والمهانة كغالبية المصريين .
= تمضى السنون بطيئة ، ولم يبقَ فى خاطره من بعد تجاوز سن النقل والتقليد ، سوى طقطقات النرجيلة ذات الليِّ الأرجوانى الطويل ، والمبسم النحاسى الذى يضوى بالليل والنهار ، وعجزه البين فى إيجاد مكانة خاصة بين الناس ، وطنين يدَوى بداخله التواقة لذات المكانة والمجلس ، ومقاطع عالقة بأم رأسه وقول العامة كلما مرقوا بمحيط المكان فى غدوهم ورواحهم ، وأينما ذهبوا وحلوا: يا (مَعَلِّم)!
ــ بينما كان يرقب كل خطوات (المَعَلِّم) ونظراته الثاقبة وعلى (بودى جارداته) المنتشرين في كل موضع بخريطة الوطن ، بنظرهم الثاقب وقلوبهم القاسية وأياديهم الغليظة .
ــ كلما انتقل بعيداً أو قريباً أو مرق بمحيط المكان بقصد أو بغير قصد .. ومنذ كانت (حمالات) شنطة الكتب المدرسية تؤذى كتفه الأيسر النحيل .. تاركة فيه ندبات غائرة .. باقية آثارها لأعوام عديدة قادمة .
ــ وكانت نفسه الأمارة بالسوء – التى بين جنبيه – استقرت وقررت أن تكون مكان الرجل الذى تأتمر نصف الدنيا بأمره والنصف الآخر ينتظر دوره لما يملك .. وحباً لسماع العامة فى غدوهم ورواحهم لمقولة : يا (مَعَلِّم)!

جنبيه تحصى على (المَعَلِّم) كل همساته وسكناته عن بعد وعن قرب ، بالرغم
من هالات الصيت التى كانت تسبق (المعَلِّم) بكل شبر من أرض المحروسة ، والحصار الذى كان مضروباً حوله فى البر كله لسنين طويلة ، ومعارضة صبيانه (وبودى جارداته) وتحذيراتهم الصاعدة للفضاء من حوله ، وما كان يحاك عن الرجال الشداد الذين كانوا يستعملونه على مدار زمن مديد فائت .
ــ انتبه من هذا الأبله ــ
= فى لحظة فارقة .
وعن تؤدة ودأب .. أصبحت الأمور كلها ملك يمينه ، وبين كلتا يديه .. ووجد نفسه جالساً بزاوية المكان .. متصدراً المشهد كله .. والنرجيلة ذات الليِّ الأرجوانى والمبسم النحاسى ذو الفصوص اللامعة التى تضوى بالليل والنهار و(الحُلَّة) البيضاء ذات خط المكواة الذى لا يمحى البتة ، و(اللاسة) الشاهية البياض صيفاً و(الكوفية) الصوف المزركشة الألوان شتاءً .. لباسه وزينته الجديدة ، وكل العامة (كبيرهم وصغيرهم) فى غدوهم ورواحهم يرددون سراًّ وجهراً كلما مروا بمحيط المكان ، وحتى فى منامهم ويقظتهم بلا انقطاع ، بحروف مخارجها كلها مضبوطة وقاطعة كحد السيف البتار :
يا (مَعَلِّم) .. وزادوا .. يا مَعَلِّم (عُص) !
بالرغم من أنهم كانوا يخشون من قبلها أن ينادوا سابقه بالـ (المَعَلِّم نخنوخ) .
ــ ووجد الهيروين والكوكايين وكل أصناف الخمور ، وأنصاف الراقصات ، وأشباه المطربين والمطربات فى أعلى درجات الشهرة بلا منازع ، والجيوش الجرارة من التابعين وتابعى التابعين من المنتفعين ، و(حثالة) المجتمع فى أعلى عليين جنباً إلى جنب مع متخصصى الإجرام والبلطجة ، ومحترفى تزوير الانتخابات وتقفيل الدوائر الانتخابية ، وآلاف العقود المختومة على بياض بخاتم الدولة الصحيح لمساحات غير محدودة من الأراضى الشاسعة المستباحة كالماء والهواء تحت إمرته ، ولا معقب ولا راد لحكمه فى ظل حماية (قُلِيس) من الأسود والكلاب البوليسية الحاصلة على أعلى الشهادات الدولية ، ولو كان الحكم حكماً يسيراً .
= على مقربة من سرير نومه بالجناح الفضى بالقصر (الهمايونى) والمقسم لأربعة أجنحة سمع (كركعات) سيارات لم يعتد سماع (كركعتها) فى تلك الساعة من النهار تهزه هزاًّ وتزلزله .. وأصوات هتافات قوية تنادى بالعدالة ، والحرية ، والكرامة الإنسانية تملأ الميادين هنا وهناك .
سرعان ما تحولت إلى هتاف واحد قاطع وبات …
ــ هذا هو (المَعَّلمْ)!
ــ حقاً إنه (المَعَّلمْ)!
= تفلتت من بين ضلوعه المتداخلة كأصابع اليدين وقت تشابكها .. صرخة مدوية زلزلت المكان بأسره .. لا.. لا.. لست أنا (المَعَلِّم) .
ــ ربما أكون (المُعلمُ) ..
حقاًّ أنا (المُعلمُ) !! .
= على مسافة لا تبعد سنتيمترات معدودة من رقدته ، سمع فتىً يافع الطول ، ذا بشرة ناعمة تميل إلى الاسمرار .. يقف فى منتصف الميدان الفسيح تحرسه حناجر فتية يقال عنهم (نشطاء سياسيون) .
وهو لا يفهم معنى كلمة (الناشط السياسى) المستخدمة حوله ، والتى لم تمر من أمامه طيلة الثلاثين عاماً المنصرمة .
سمعه يصرخ فى كل الآذان باتساع رقعة الوطن بحروف واضحة البيان وقاطعة المعان ..
ــ إن هذا لشخص معتوه !
أنّى له بـ (سقراط الحكيم) المُعَلمُ الأول؟!
ــ إنه لشخص موتور ..
ــ إنه (المَعَلِّم) .
(خذوه .. فغلوه وإلى غياهب السجن أدخلوه .. بما صنع بفلذات أكبادنا) .

فجأة ..
وجد ابن ابنته البِكرية يوقظه من سباته الطويل ساعة القيلولة وهو يقول : (جدو.. جدو .. أهل خطيبة خالو فى انتظارك بالصالون) .
بعد فترة استفاقة – طالت أو قصرت وتوديع الضيوف – كان أهل بيته سعداء بزيارة (النسايب) الجداد .
ــ ولم يستقر بخلده من كل ما رأى وسمع فى (الكابوس) الذى داهمه بعد أكلة (دكر) العدس السمين , و(فحل البصل) .
سوى جملتان وسؤال ..
ــ (المدينة الفاضلة , المُعَلمُ الأول) .
ــ وهل تحولت بلاده بين ليلة وضحاها إلى (يوتوبيا) جديدة ؟!

السابق
ساعي البريد
التالي
مُرشح الشعب

اترك تعليقاً