مقالات

الناقد طبيب جراح أم قارئ ذواق

هذا الصباح، قرأت مقالة نقدية قيمة جدا للأستاذ حسين الباز، عنونها (النقد والناقد)، مقالة رد بها على تعليق لأحد المشايخ كما يحلو له أن يسمي صاحب هذا التعليق:
يقول حسين الباز: (قرأت تعليقا لأحد المشايخ، لا أفضل ذكراسمه: بأن الناقد ينبغي أن يكون متخصصا، لأن النقد كقاعة جراحية تحتاج لطبيب جراح لا إلى ذواق٠٠٠
ولم ينتبه بأنه بتشبيهه هذا قد جعل من النصوص مرضى في احتضار٠
وأقول لو كان شبه النقد بمتحف فني، فهو لا يلجه غير الذواقين وكل منهم يقرأ اللوحات حسب ذوقه، وبالتالي تصبح قيمتها في ازدهار…)٠
سأركز على بعض ما ورد في هذه الفقرة، لأننا نستشف منها بعض مواقف الأستاذ حسين الباز النقدية التي لا تخلو من جرأة أدبية ونقدية، لكنها لا تنطق عن هوى، فهو يعارض وبقوة كل الذين يعملون جاهدين لحصرالنقد كفن أدبي في دائرة ضيقة جدا ومغلقة، ويجعلونه حكرا على فئة معينة دون غيرها، وإن كانت هذه الفئة التي تدعي التخصص في النقد تقبع في أبراج عاجية٠
فالأستاذ حسين يفتح لممارسة النقد الباب عريضا أمام الذوق، باعتباره من أهم أسس وركائزالنقد الضرورية، وأنه إكسير الحياة لكل تلك القراءات الذوقية، التي لا يستقيم النقد إلا بها وإن كانت لا تخضع لذاتية الناقد، وأعتقد أن ما يركز عليه الأستاذ حسين لا يختلف فيه إثنان، فالنقد قراءة ذوقية سواء كانت متخصصة أو غير ذلك، والنقد ليس حكرا على فئة من يشتغلون بمجاله الأدبي٠
فالقارئ ناقد بالضرورة باعتباره إنسانا، والإنسان -بطبعه – منذ الأزل ميال لتحقيق الكمال، وإن اختلفت مواهب وقدرات كل قارئ حسب ظروف تكوينه وخلفيته الثقافية، ويكفيه أن تتوفر فيه مؤهلات خاصة ليست حكرا على هذا دون ذاك، لأن بعضها يفطر عليه الإنسان كالموهبة، وبعضها يكتسب عبر مراحل الحياة ويخضع للدربة والمراس والصقل كالمعرفة باعتبارها حصيلة حياة عريضة لا طويلة، والذوق الذي بدوره ينمو ويترعرع حسب شروط بيئية معينة، فالذي يفتح عينيه كل صباح على المزابل لا يمكن أن تطربه زقزقة عصفور، أو يدهشه جمال وردة ٠
إن الناقد ملزم بأن يتسلح بهذه المؤهلات مهما اختلفت مشاربه، وتباينت تصوراته الفلسفية في الحياة، وتعددت مواقفه من النص المقروء، فهو ملزم بأن يكون عارفا٠٠٠ موهوبا٠٠٠ ذواقا٠٠٠ لايكتفي بما يدرس من مناهج نقدية٠
فأما المعرفة فزاد من لا زاد له في مجال القراءة النقدية للنصوص، فالذي لا يعرف شيئا في تاريخ الفكر والإبداع الإنساني، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يغوص في مجاهيل بحر النص للظفر بدرره وجواهره وبصدفاته، وحتى لو حالفه الحظ وتوفق في ذلك، يجب عليه أن يكون قادرا على شق ما ظفر به من صدفات بدقة ومهارة عالية تلافيا لتكسيرها وإتلاف جمالها٠
إن نجاح القراءة النقدية يتوقف على كم القارئ من تجاربه الخاصة واطلاعه على معارف وتجارب الآخرين، وصهره مهاراته في مهارات من سبقه،. واضعا نصب عينيه أنه سيقرأ نصا تذوب في لحمة نسيجه عشرات النصوص الضاربة في عمق الإبداع والمعرفة الإنسانية٠ وإذا كان المبدع يمتح من مخزونه المعرفي المترسب والمصهور في ذاكرته، فإن الناقد أيضا يكون في أمس الحاجة إلى الاطلاع على المعارف والإلمام بالتجارب الإنسانية، لأن النقد أيضا يتعالق مع كل هذه المعارف، فلا يمكن لقارئ لا يعرف الأسطورة والتاريخ والتراث الإنساني بصفة عامة أن يؤول أو يفسرأو يفكك شفرات نص يمتح صاحبه من معين الأسطورة أوالتاريخ أوالأدب، فهذا الشاعر الإنجليزي (إليوت ) كان يفترض في قارئ أشعاره المعرفة الموسوعية،لأنه كان يغرف من معين الرمزية الفرنسية وكان يفتخر بذلك٠ فعدم حصول تكافؤ معرفي بين المبدع والناقد ولو كان نسبيا – حتما – سيفقد النص المقروء بريقه، وأعتقد أن هذه الجوانب المعرفية التي تساعد على قراءة النصوص لا تمتلك ناصيتها وتأخذ بزمام أمرها فئة متخصصة دون غيرها، ما دامت المعرفة بحرا يسبح فيه الجميع مع بعض الاختلاف في القدرة على السباحة وهذا أمر طبعي سواء كان بين الأفراد والجماعات ٠
والقارئ / الناقد بطبعه موهوب، لأنه يمتلك ذلك الاستعدادي الفطري الذي يمكنه من الإبحار في جماليات النص، وفي حالة عدم توفره على الموهبة النقدية لا يمكنه أن يقرأ النص الإبداعي قراءة مميزة، تكشف سر ومستور ما وراء السطور، وإن أبحر في المناهج النقدية بمختلف مشاربها وتوجهاتها المعرفية، فليس كل من يحفظ قانون السير يبدع في فن السياقة في الطريق، وليس كل من يقتني أثاثا فاخرا قادرا على ترتيبه بذوق رفيع، ومربط الفرس في روعة الترتيب لا في جودة الأثاث، فقد يكون الناقد كما ورد في الآية ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، تجده متخما بالمناهج النقدية على المستوى النظري، لكنه يظل عاجزا عن تطبيقها أثناء قراءة النصوص، والأروع في الناقد: أن يجمع بين الموهبة وسعة المعرفة وسلامة الذوق، وهذه أعلى المراتب التي يمكن أن يصل إليها الناقد٠
القارئ/ الناقد بطبعه ذواق، كالنحلة تجذبها روائح الرحيق من مسافات بعيدة، أو النحات ينتقي بدقة متناهية الأرضية المطواعة لإزميله ومبرده، فهو ميال لكشف ما بباطن النص من أسرار، ليصل به – بذوقه – إلى أعلى مراتب الجمال والجلال٠ حيث يبحث عن مواطن قوته ليقويها، ويقتفي أسباب ضعفه ليقوم اعوجاجها، كاشفا حسنه وقبيحه، مميزا بين رديئه وجيده، وهو يدرك فحوى هذه الكلمات المفاتيح التي رافقت النقد العربي في مسيرته منذ القديم٠
إن الذوق التافه الفج والمعرفة الضحلة الفقيرة من أسباب نزول النص إلى الحضيض، وإتلاف معالمه الجمالية كيفما كانت قيمته الإبداعية، في حين يرفعه الذوق الرفيع درجات، فسلامة الذوق تجعل من ربة البيت ناقدة مميزة في بيتها ومطبخها، نستعذب ذوقها أو نستهجنه٠
الذوق سلاح كل ناقد أراد أن يقتحم قلاع العمل الإبداعي، ويتغلغل في باطن المبدع والاتحاد به في شطحة إبداعية تتعانق فيها لغة النص ولغة اللغة، فهو مفتاح لولوج متاهات النص السحرية باعتباره مكتبات من النصوص تنتظر قارئا عارفا ذواقا موهوبا يعطيها كله لتعطيه بعضها، والمغامرة النقدية في مجاهيل النصوص تقتضي إعداد العدة للحفر حفرا سليما على جسدها، وتتجلى العدة والعتاد في هذه المعرفة الموسوعية والموهبة الفطرية والذوق السليم، فالنص بحره، والموهبة حنكته، والمعرفة مركبه، والذوق مجدافه، ولا إبحار في بحر متلاطم الأمواج بمركب هش ومجداف مكسور وحيلة قليلة ٠
أعتقد أن الناقد الذي ينجح في تفكيك بنيات النص وهدمها وإعادة بنائها بلغة نقدية إبداعية توقظه من سباته العميق كما يذهب إلى ذلك سارتر، هوالناقد المستعد فطريا لذلك والمتمرس والمدرب و المسلح بتجاربه وتجارب غيره، والقارئ الناجح هو من أسعفه حظه فجمع بين كل هذه المقومات والخصائص، يقول عبد القاهر الجرجاني :(إن هذا الإحساس قليل في الناس ٠٠٠ولا تستطيع أن تقوم الشعر في نفس من لا ذوق له)٠ وما قلناه عن خصائص ومقومات النقد والناقد نقوله عن ضرورة توفر الصخرة المطواعة التي تطاوع مبرد الناقد وبلا عناد يمكن أن يكسرها، فجمال النحت من جمال الصخرة المنحوتة، فالنص الأدبي فراش للعمل النقدي، وسباق عليه، لهذا وجب أن يكون النص في مستوى القراءة النقدية، يجذب القراء ويدغدغ الأذواق، يخلق في النفوس لذة البحث وكشف الأسرار، إذ يوظف المبدع ما ترسب في ذاكرته من معارف راكمها خلال فترات طويلة من الزمن، إذ تخزنها ذاكرته لتجود بها وقت الحاجة: تداعيا أو توارد أفكار أو تناصا أو امتصاصا ، لأن النص الإبداعي المتميز خليط من النصوص الغائبة التي توكل مهمة استحضارها وكشف أسرارها للناقد الذي تروقه جودة النص، فينتشي به، أو يستقبح رداءته، فينفر منه ويعزف عن قراءته، سواء كانت قراءته مكتوبة أو غير مكتوبة٠
إن اختلاف الأذواق من أسباب اختلاف النقاد واختلاف قراءاتهم، وأشاطر الأستاذ حسين الباز الرأي في أن النقد ليس قراءة متوقفة على الدراية بالمناهج النقدية حد الانبهار بها، لكن، لا عتب على من يعتمد هذه المناهج النقدية لتطعيم معارفه ومواهبه، ولتوسيع ثقافته الأدبية وصقل ذوقه، شريطة أن لا تذوب شخصيته في شخصيات الآخرين، فتطغى على بصمته بصمات غيره، وعليه أن يدرك أن النص هو الذي يطلب المنهج النقدي، وأن لا يقحم عليه مناهج نقدية قد لا يحتملها، فيكون كمن يعمل جاهدا لإدخال جمل في الأذن اليمنى ليخرجه من اليسرى٠
ما أثار انتباهي هو رد الأستاذ حسين على أحد المشايخ كما يحلو له أن يسميه، والذي يعتبر النقد تخصصا وأن الناقد طبيب جراح، وأن النقد كقاعة جراحة لا تحتاج إلى ذواق، أظن أنه كان على هذا الشيخ أن يركز على أهمية الجوانب المعرفية في الناقد والتي لا تكون لها علاقة بالتخصص، وأن لا ينفي الذوق في عملية النقد باعتباره قلبه النابض٠
إن النقد -منذ الأزل – يخضع لاختلاف الأذواق بين القراء واختلاف المواهب والقدرات المعرفية، فالعرب كانت تستهجن القصيدة كاملة، لكنها تستحسن منها بيتا شعريا فتنتشي به حد الانبهار، فتقول بأن الشاعر أحسن في بيته هذا، ولم يفلح في ذاك، أو تقول هذا شعر ما قالت مثله العرب، أو تستقبح قصيدة أخرى، فلا يحكم لصاحبها بالشاعرية أو الفحولة، وأظن أن الاستحسان والاستقباح أوالقبول والرفض من أسباب توفر هذه الأذواق الناقدة، لأن الذوق قدرة على التمييز بين الرداءة والجودة في النص الأدبي، ويختلف النقاد/ القراء في تذوق جماليات النص باختلاف أذواقهم، فاستعذاب الطعام أوالنفور منه لا يقتصرعلى فئة معينة من الناس، وقطعان الأغنام تنتشي بأنغام شبابة الراعي، فتمعن في قضم العشب، لكن قرع الشنان يفزعها فتعزف عن الأكل٠إلا أن الأذواق ليست كلها تؤدي هذه مهمة القراءة السليمة٠ عندما نقول بسلامة الذوق لا نقصد بذلك ذوقا منفردا ومتفردا لا يتوفر إلا لفئات خارجة عن المألوف ولدت وبعدها جف رحم الزمن، ولا أقول بالموهبة و الذوق اللذان تخلوان من دربة ومراس وصقل٠
تؤثر على سلامة الذوق عوامل خارجية، وتكون سلبية أو إيجابية، فقد لا يحاسب من تتشظى فوق بيته القنابل العنقودية أن يتذوق نصا أو قصيدة شعرية أو طعاما أو لباسا، لأن الألوان تتساوى في بؤبؤ العين، وسلامة الذوق من سلامة البيئة، فإما ان ينمو أو يموت ٠ ولا أريد – في هذا الحيز الضيق -أن أتطرق إلى الذوق من حيث أنواعه وأساليبه والعوامل المؤثرة فيه من ملابسات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، وإنما أردت الإشارة فقط إليه كخاصية يتميز بها كل فرد، ولا يمكن إطلاقا أن يشترك فيها إثنان باعتبارها بصمة خاصة٠ وسلطة الذوق تجعل القارئ مؤثرا ومتأثرا بالنص إن على مستوى السلب أو الإيجاب تبعا لقدراته المعرفية وخلفيته الثقافية،وتلك العوامل التي ساهمت بشكل أو بآخر في تكوين شخصية هذا المتذوق، وهذا يجعلنا نؤمن بأن كل تعبير عن انفعالاتنا، ومدى قدرتنا على استقبال النص الإبداعي نقد، شريطة أن لا يكون عشوائيا، وغير خاضعا لشروط ومعايير القراءة السليمة التي تحيي النص ولا تميته٠
وربما لا نختلف قيد أنملة في أن النقد لا يعتمد على الذوق فقط، وإنما يحتاج الناقد إلى الزاد المعرفي في حدود إمكانياته وقدراته، سواء كان يشتغل بتدوين قراءاته النقدية أوكان غير كذلك٠ فالنقد لا يقل أهمية عن إبداع النص، باعتبا ره لغة أبداعية ثانية على لغة المقروء، والناقد عندما يقتحم عوالم النصوص يصبح عالم أركيولوجيا يبحث في سراديب وردهات الذاكرة الإنسانية، أو طبيب نفس يستجلي خبايا نفس المبدع، وعالم لغة يحلق في فضائها الفوضوي٠ والمعرفة الموسوعية مكملة للذوق، إلا أن قراءة النص الأدبي تعتمد على الذوق المثقف الذي لا يخلو من استعداد فطري، لكنه يصقل بالانصهار في تجارب الآخرين من خلال ما يقرأ لهم، هذا يعني أن الاستعداد الفطري هو قابلية التذوق، شأنه في ذلك شان قابلية الكلام، لكن اللغة يتربى عليها الإنسان، ويبحر في عوالمها وفضاءاتها الفوضوية، فيبدأ في تشكيلها حرفا حرفا وجملة جملة٠ للجانب المعرفي دور كبير في صقل الذوق وتهذيبه، والارتقاء بالموهبة، وتزويد الذاكرة بنفائس الذخائر، فهي فارغة-لا محالة – لا تنتج إلا الفراغ، وكالرحى المجعجعة التي لا يرى لها طحين٠
أعجبت كثيرا بتشبيه الأستاذ حسين الباز النقد بالمتحف الذي لا يلجه إلا الذواقون، وهذا هو ما يجب أن يكون بالفعل، لأن ما قد تراه في اللوحة الزيتية تعتبره مجرد خربشات لا قيمة لها، في حين يعطيها الآخر أبعادا لا يراها إلا هو وبعينه الثالثة٠ فالنقد تأثر وتأثير، انفعال وتفاعل، والناقد الذي لا تستفز ذوقه قصيدة من القصائد لا يمكنه أن يقبل على قراءتها، وهذا الاستفزاز في حقيقة الأمر نوع من التذوق الأدبي٠ فقد يقرأ الناقد عشرات القصائد، فلا تثير فيه أدنى شعور، لكن يستفزه بيت واحد من كل هذه القصائد، فلو كان الناقد طبيبا جراحا لما أحجم عن قراءة هذا النص وأقبل على آخر، وهنا لا يجب الحكم بعدم كفاءة الشاعر، إذا عزف عن قراءة نصه هذا الناقد أو ذاك، لأن ما يستعذبه هذا ينتشي بروعته الآخر، شريطة أن يكون النص قابلا لتعدد القراءات واختلاف الأذواق، أي أن تكون هناك مسافة بينه وبين القارئ/ الناقد حتى يظهر كفاءته وقدرته على التحليل والتفكيك والتأويل واختيار الإسقاطات التي يراها مناسبة تبعا لرؤيته النقدية الخاصة، أما إذا كان النص مغلقا فهذا لا يمكنه أن يساهم في اختلاف الآراء وتعدد القراءات حسب اختلاف الأذواق٠
إن ما طرحه الأستاذ حسين الباز في هذه المقالة يستوجب أكثر من دراسة مستفيضة، تستوفي الإحاطة بكل الأفكار النقدية التي عالجها، أما مقالتي هذه فلا تعدوأن تكون وجهة نظر خاصة، تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، وأشد على يد الناقد حسين الباز لروعة ما يطرحه من مواقف نقدية جريئة في معظم مقالاته٠ مسيرة نقدية موفقة إن شاء الله٠

السابق
شرف
التالي
فشل

اترك تعليقاً