القصة القصيرة

النداء

هناك صوت ونداء ينتشر في كل مكان، اناس كثيرون كانوا يسمعونه فينغرس في اعماقهم ويوقض بهم مشاعر خاصة ، فيهرعون نحوه ملبين كانهم يقدمون انفسهم قربانا ، انا لم اكن اسمعه ، بيد اني عندما نظرت للاشياء بجدية وحاولت ان اكتشف حقيقة مايدور حولي – لاني ليس من البشر الذين من دواخلهم تمر الحقائق وتنضح من اجسادهم دون ان يشعروا بها – احسست بانه ياسر قلوبهم دون قلبي ويجعل الكون باسره يتحه نحوه وانا انظر من بعيد وكأني لاانتمي لهذا الكون، قلت في نفسي لماذا لااسمعه كما يسمعه هؤلاء ، هل انهم يختلفون عني ، صرت ثائرا على نفسي ، وقد بلغ حزني اشده واحسست اني اركن نفسي في زاوية مهملة ، بدأت ابحث ، احاول ان اكتشف ، ان اعرف ، ان اعقل ، اتجهت نحوهم وقبل ان تطأ قدماي دربهم اكتشفت ان شخص ما كان يرافقني ، احسست بوجوده عندما همس في اذني
– ان ماتحس به خرافة ، ليس هناك اي نداء ، لاتنظر اليهم ، لانك اذا نظرت الى معصرة النبيذ فسوف تستشعر لذته
التفت اليه وغالبتني رغبة في تصديقه بسرعة علّني اخرج من حيرتي ومأساتي، بيد اني لم استطع مقاومة شيء مما يحتدم في عقلي وقلبي ، سألته
– هذا يحدث اذا نظرت الى معصرة النبيذ بعيون الشهوة ، صحيح ؟ ولكن عندما نظر يوحنا بعيون العقل الى معصرة النبيذ اخترع حروف الطباعة
مشيت على دربهم الغريب ، الذي كان يشرب الدموع التي تنهمر كالمطر من قلوب منكسرة جريحة ازدحمت عليه ، حشرت نفسي وسط الزحام وصاحبي يرافقني كظلي ، حدقت في انكسارات القلوب والجراحات الكبيرة التي جعلتها تنزف كل تلك الدموع التي حولت الدرب الى مستنقع من المشاعر والاحاسيس الجياشة ، تعجبت كثيرا حين عرفت ان سهام الحنين التي كسرت القلوب انطلقت ومازالت تنطلق من بعيد ، ابعد من الف واربعمائة عام ، تعبر مساحات شاسعة من النسيان والتصبر ، وتصل هائجة لتؤثر تاثيرا يتفجر على شكل وفاء واخلاص منقطع النظير ، انه العشق ، العشق وحده يستطيع ان يذيب الزمان وساعاته ، بينما كنت غائصا في بحر من الحقائق ، حائرا انفذ تساؤلاتي بحسرة وحزن لجهلي وغربتي ، همس صاحبي في اذني من جديد في برود وتفاهه
– لقد تصدينا لدراسة ماحدث بكل مانتميز به عنكم ايها العامة من علوم ومشاعر انسانية فوجدنا ان المسالة لاتستحق كل تلك الضجة وكل تلك الدموع
نظرت اليه وهو يرتدي طاقية الوصاية علينا والتي نسجها بنفسه لنفسه ، وقد بدا لي وكانه احد نجوم الفن المرموقين في المجتمع ، الذين اذا وقعت بين ايديهم الفية ابن مالك مثلا ، لايكتشفوا فيها الا انها تصلح ان تغنى في حفل راقص امام الموتى ، لكني كنت متيقن من كذبه لان ماوراء هذه المسيرة – مسيرة العشق – اكبر من ان يتجاهلها انسان ، الا ان يتخلى عن انسانيته بصورة مطلقة ، سالته
– اتزعم ان الكذب استطاع ان يجمع كل هذه القلوب على الوفاء والاخلاص لمجرد سراب ، اتزعم ان هذه الدمعة الخالدة عبر طول سنين اصطناعية ، ومن اين يأتي كل هذا الحزن ان لم يطئ الروح الحنين ، وهل يستطيع الباطل مهما استند على قوة مادية ان يفجر هذه الاحاسيس النبيلة لترقى بالروح البشرية الى مراتب التضحية والفداء والتحدي
عندما اكتشف ان كلماته قربتني منهم اكثر وبدات احس بالنداء بصورة اوضح ، بقي في مكانه مبتعدا عني خطوات وناداني
– قلوبنا ايضا ملات حزنا والما عليه وحبا وعشقا له ، لكننا لانبتدع مالا يرضاه المعشوق
اجبته بحرقه
– اي نوع من القلوب هذه التي تعشق ولاتحس بالمعشوق طرفة عين ، لايهمها امره ، لاتتاثر به ، كيف نستطيع ان نفصل العشق عن الاشتياق والحنين ، عن الاخلاص والوفاء ، عن الدموع والحزن والالم عن الثورة والتضحية من اجل المعشوق . اتزعم انك تعشق من لايهمك امره ، من لايحرقك الشوق اليه. قلوبنا التي مازالت تنكسر وتحزن لاقل مافي حطام الدنيا وتذرف الدموع رخيصة على دروبها الوهمية الزائلة ، ارواحنا الانسانية التي طالما احست بالحنين فغضبت ورضت وانتفضت واقبلت وادبرت لم تهتز يوما حزنا والما لمن تفجرت من الامه الصخور . اي نوع من العشق هذا ، اي نوع من المعرفة ، من العلم . اتزعم انه معشوقك ايضا وانت وقلبك ونفسك ودمعك والمك وحزنك وكل روحك الانسانية مشغولة عنه ، ثم متى امرنا ان نحبس الدموع التي اطلق سراحها الانبياء رغم اتهامها بايذائهم واطفاء عيونهم . متى كنا ننتظر فتوى بالوفاء والاخلاص ، يجب ان نستعين باقدام الوفاء والاخلاص لكي نمشي على درب العشق حتى نصل الى المعشوق ،
بينما كنت اصفعه صفعات متتالية مؤلمة بكلماتي الهائجة الغاضبة كان يصرخ منكمشا على نفسه متراجعا ، انتبهت ، واذا به يمسك بطرف غشاء اسود يفرشه امامي وكأنه يحجب عني الحقيقة ويجعلني لا ارى سوى دنيا زائفة ، هممت ومزقت ذلك الغشاء ، واذا بي اسمع النداء
– الا من ناصر ينصرنا
فصرخت
– لبيك

السابق
لحظة الموت والولادة
التالي
حظ

اترك تعليقاً