القصة القصيرة

النُّجعة الجبلية

بذروا الأرض فتعرش خصبها حتى شارف السماء. سنبلها المليء المليح تدلى منكسفا من تغزلات شمس تكسوه ذهبا. تناوبوا في تلاحمهم الرائع على الحصاد وقد تلفعت أراضيهم بصفرة مختالة تتماوج أهدابها بريح الغروب. طمروا دراسهم وبنوا من التبن “نوادرا” غطوها بعجين الطين، وذروا اللقاط في سنبله لطائر أو عابر سبيل أو يتيم. ثم انطلقوا أحرارا للهو بكرة من أجواخ يتضاربونها بعصيهم الغليظة إلى أهدافهم المرسومة على الثرى، فتشج جباه بعضهم وتنكسر العظام ولا يبالون. فلا ينتهوا من تراكضهم إلا وقد اكتحلت السماء في الأفق الغربي معلنة بداية الكدح الموسمي.

كدوا في الزرع بالسهول البورية فجادت الغيوم عليهم بالماء. في أول الخريف ألقوا بذارهم وقلبوا وجه الأرض وأمنوها بعض الأشداء، ثم جمعوا أغراضهم على الرواحل، و حتى لا يزعجوا ترابهم في تمخضاته ساقوا أغنامهم إلى العلياء . نصبوا خياما نسجتها إناثهم من وبر أفرشوها الحصائر من الحلفاء. وتوزعوا بين الهضاب العاليات يتتبعون أثر الخصب لكلأِ الماشية. ويأوون إلى مضاربهم في أول المساء بعد أن أمنوا القطيع في زرائب من شوك وسدر، وبجدائل مفتولة من الحلفاء ربطوا الكلاب حولها ونصبوا فخاخا للثعالب البغيضة . يتحلقون حول بعضهم متلفعين بالأغطية السميكة، يتناقلون أخبارا بسيطة عن عالمهم الصغير، وعن ندرة الأعلاف وهجرة الجيران مع القطعان إلى مضارب الرتع الخصيبة في مروج الشمال على ضفاف ملوية، حيث الخضرة والماء، مثقلين إلى حاكمها المتمرد بالعطايا والولاء. يتناولون عشاءهم من لبن وثريد . ويتسامرون على أنغام الريح العنيدة التي تكاد ترفع عنهم خيمتهم المتهالكة فيهرع بعضهم إلى دق أوتادها بالرزامة.

وفي الباكرة، وقبل حتى أن تستيقظ الشمس من غفوتها يهشون قطيعهم متتبعين أثر الهشيم بلهفة إلى الأعياد الكبيرة التي تخفف عنهم أحمالهم الوديعة. في طريقهم المتعرجة المتحجرة، وبكل صنوف الأسى ينكسون الهامات كلما لاحت لهم آثار مردومة لزاوية هجرها عارف بالله من زحمة الأولياء إلى الجبال السامقات حيث لا تفض بكرات العرائس إلا بعد التبرك من ثراه في زفات جماعية.

نضبت الحصائد المؤجرات سريعا فقرروا الترحال إلى جبال بخوالي البعيدة حيث الغابات ترفل في خضرة أرضها من عرعر وشيح، وتتفجر بين صخورها العيون الجاريات. في ليلة انهمرت الأنواء بقوة وتشتت القطيع مرتعبا من هول الرعود، فتاه الرعاة باحثين عما ضاع. وفي الباكرة تحلقت حولهم كل المضارب القريبة محملة بما سقط في يدها من خراف وعنوز، وتوافقوا على المكوث بالمكان إلى أن تنجلي السبل بانحسار فيضان الوديان.

طال المستقر بتجدد العواصف الليلية، وحدث الوصال بين عناز وحاطبة، فتقرر العرس، وتعالت الزغاريد، وانتظمت النسوة في صف لساعات طوال يوزعن الكلام. ثم جاء المساء وبعد الوليمة و القراءة و الدعاء، قام العريس برفقة الصحاب موجهينه إلى خيمة حليلته، فألقى عنه برنسه وأطلق رجليه للريح هاربا من عيون يوقرها، وما أفلح أحد في رده حتى تدخل الفقيه بالأحراز والبخور.

وفي اليوم السابع واصلوا الزحف إلى نجعتهم الشتوية رافعين أهبتهم من ذئب أو قاطع للطريق. تحاشوا عبور هضبة رفع فيها عدوهم الأحجار على بعضها مدللة على رقم من أجساد سقطت في ذودها على الثغور.

وفي غسق جميل .هبت ريح ممتزجة روائحها بكل أنواع الأعشاب البرية، معلنة اقتراب الوصول إلى الجبال الندية، فاستفاق الجميع من تعب، واختلط الثغاء بالصهيل .

السابق
سَيَأْتِي يَوْمكَ
التالي
نظارات عمياء

اترك تعليقاً