القصة القصيرة

الهجرة .. للداخل

كانوا أطفالاً .. أولاداً وبنات .. صحوهم دوماً كان قبل شروق الشمس ، سواءُ كان بهدف أو بدون هدف فهذا شيمة أهل الريف منذ القدم .
يخرجون معاً ، ويعودون معاً عند غروب الشمس .
يخَطُّون الكلمة الواحدة معاً فى فصول دراسية أغلب أرضياتها ترابية ، ويعودون ليقرأوها على (لمبة جاز) على مهل ، عندما يحل عليهم الليل بديارهم الطينية التى تشاركهم فيها الحيوانات والطيور المنزلية .
وكثيراً ما كانوا يضحكون ، وكلما ضحكوا تضحك الدنيا معهم بملء فيها ، وتحضنهم كالأم الحنون بلا مداهنة ولا مواربة .
و(الطائر) الشاهى البياض ريشه ، الذى كانوا يحلو لهم مداعبته وقت خروجهم للحقول الغناءة ، يغردوا كتغريده العذب ، ويحلق حولهم زهواً وفخاراً ، ويحط حولهم بأمان وخفة .
لا يهابونه البتة ، ولا يخشى لغوهم ولا غلوهم ، ولو كان سمجاً .
يستأنسون به ، ويستأنس بهم .
وعادةً ما كان يقف على رجل واحدة لبعض الوقت وسطهم امعاناً فى الثبات بينهم ، ومن ثم يرقب صيده الثمين أينما تسرى المياه فى الأرض الشراقى .. شاحذاً منقاره الذهبى المدبب ، الذى طالما كان يدهشهم تماوجه وانحناءه ، حينما يغوص بباطن الأرض فراسخ معدودات وهو يلتقط ما يفسد نقاءها ، ويطهرها من الدنس مع كل رية .
= فى إحدى تلك (الريّات) الصباحية ، كان المذياع الوحيد بالقرية حيث دكان الشيخ (السيد أبو على) يرتج فجأة ويردد البيان الزلزلة .
سمعوا مفرداته عن غير بينة ، وهم لاهون يتأهبون للعب البرىء ، كعادتهم فى شهور الصيف القائظة الطويلة .
” فقد قمنا بتطهير أنفسنا ، وتولى أمرنا فى داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم ، وفى خلقهم وفى وطنيتهم ، ولابد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب “.
سمعه الأكبر منهم سناً باهتمام وامعان اشد !!
عندها هلل الجميع طرباً ، وبشت الوجوه نساءً ورجالاً ، وعلا البشر قسمات الكل .. إلا من كانوا جاثمين فوق الصدور، وكأنهم ملكوا الرقاب كابراً عن كابر .
ــ عبسوا ــ
وخارت قواهم وزلزلوا زلزالاً وهم قائلون .
ساعتها كان الأطفال (أولاداً وبنات) لم يعوا معنى الطهارة المقصودة فى هذا البيان الزلزلة , ولا يعوا معنى الولاية .
فالصلوات الخمس لم تفرض عليهم بعد ، ولا هم مطالبون بأدائها كأهاليهم المحافظين عليها دوماً .
ــ عندها رق شغاف قلب (الطائر) الشاهى البياض ريشه ، وراح يحلق فى جو السماء البراح من حولهم ، ويحط زهواً وفخاراً أكثر فأكثر ، وهو يرقب الأحداث السارية بهدوء الواثق المتمرس .
وكأنه لم يأبه بارتجاج مذياع الشيخ (السيد أبو على) كهيبة الأطفال (بنين وبنات) وزاد من تحليقه المتسارع فى كل صوب واتجاه ، وقلل من هبوطه المؤتلق على غير العادة بين أقدامهم الحافية ، برغم حرصهم على ارتداء أحذيتهم أيام المدرسة ، والمشاوير الخاصة خارج حدود القرية , وزاد (الطائر) الشاهى البياض ريشه من وتيرة انتشاره بين الحقول .
ــ بينما كان القليل منهم يرمونه بالجنون ، لمحاولته ضرب أكتافهم ورؤوسهم الصغيرة بجناحيه الطويلين ، ويقذفونه ببعض (الشقافة) الفخارية وكرات الطين اللاذب هزراً فى ايام سابقة .
فى حين كان الكثير منهم يطلقون النكات اللاذعة فيما بينهم ، ويرجعون الضحكات البريئة بأصوات عالية ، لتملأ الفضاء من حولهم بالأمل المنشود فى الغد القادم , ومحاولتهم الحذو حذوه .
ــ غير أنهم جميعاً (بنات وبنين) كانوا دائماً ما يرتهنون طويلاً وهم حائرون ، أمام سؤال يدور كثيراً برؤوسهم الصغيرة ، التى لم تستكمل أبعادها الكاملة بعد ، ولا يستطيعون الإجابة على مقاصد البيان الزلزلة ، الذى بشت له وجوه أهاليهم وهللوا له تهليلاً وفرحوا لفرحهم .
ارتكنوا ببراءة الأطفال إلى الأجوبة الهينة والراسخة بأذهانهم الغضة ، وذهبوا يلوكون الأسئلة البريئة أكثر فأكثر بين أفواههم النقية :
ــ مال هذا (الطائر) الشاهى بياض ريشه ، يصنع ما يصنعه بأكتافهم ورؤسهم الصغيرة ، وظهورهم الغضة وأقدامهم الحافية؟!
ــ وماذا يقصد بهذا التحليق المتواصل المتسارع فى كل صوب؟!
ــ ولماذا قلل من مرات الهبوط بين أقدامهم الحافية؟!
= لم يصلوا حتى إلى مقصد (الطائر) .. ولا إلى الذى جعل أهاليهم يتمايلون يميناً ويساراً من فرط الفرحة .
كما أنهم لم يستطيعوا الوصول إلى السبب الحقيقى وراء انفجار هالات البشر فوق قسمات الكبار (نساءً ورجالاً) على حد سواء .
وكأن لسان حالهم يقول :
أنهم وحدهم العالمون ببواطن الأمور .
وأنهم وحدهم توحدوا وشاركوا من صاغ البيان الزلزلة ، فى مفرداته النافذة إلى القلوب التواقة لانتصاب ميزان العدل ، من أقصى الأرض إلى أدناها ..
وأنهم دون غيرهم يقدّرون صنيع (الطائر) الشاهى بياض ريشه ، مع الأطفال (بنات وبنين) .
فانقلبوا معه بالزهو والعمل بهمة غير مسبوقة ، وصاروا يواصلون الليل بالنهار انتظاراً لساعة انبلاج أشعة شمس الخلاص ، المحملة بعِرق الحياة الآدمية ، واندثار حياة السخرة ، ومحو كلمة السادة والعبيد من قواميس اللغة قاطبةً وللأبد ، وهطول نسائم الحرية كالتى يولد بها كل الأطفال (بنات وبنين) حتى اللحظة الآنية والفطرة السليمة التى انفطروا عليها .
غير أن (الطائر) الشاهى بياض ريشه رغم تماهى جروحه الدفينة والنافذة للأصلاب , لم يترك الحى والضياع ويهاجر بعيداً عن الجيهة بأكملها ، كمن رحلوا وتركوا الديار تغط فى بحار النرجسية والأنا اللعينة ، كظن البعض من الرجال والنساء النابهين لدوران الأرض ورقة تكوين (الطائر) الشاهى بياض ريشه ، وحريته المطلقة فى الطيران والهبوط الحر أنّى شاء وقتما يشاء ، وحبه المتناهى للخلاص من وطأة وقسوة الحكام الطغاة ، الرابضين فوق الصدور لسنين طويلة .
ــ ظل (الطائر) الشاهى بياض ريشه و(قبيلته) فى أماكنهم يغزلون خيوط من أحزانهم المريرة ، وشدة عذاباتهم الدفينة على مر الأيام والشهور أوكاراً وأعشاشاً حصينة بالكهوف البعيدة ، وأعالى الأشجار الشاهقة الارتفاع ، ويبنون حولهم سدوداً وأستاراً سميكة ، حتى لا تنفذ منها طلقات بنادق السادة الباشاوات واشباههم المميتة .
ويحيلون من نوبات الضجر واليأس الكاتم على نفوس البشر (الغلابة) وكل ما يطولهم من معرة ، ويحيق بهم من سخرة ومذلة وإهانات قاسية ، إلى (طرفات) وأقاصيص نادرة تهّون عليهم مرارة الأيام الصاخبة ، وتُضْحِك الولدان فى بطون أمهاتهم ، كصنيع الناسك العابد الحصيف فوق منبره ، يرغب الخلائق فى الكد وطول الدأب للوصول إلى الجنات الوارفة الظلال ، وهم قابضون على جمر النار من كثرة خطوب وخطايا السادة الباشوات واشباههم الظالمين .
= تمضى السنون متعاقبة ..
ودائماً هناك بآخر كل نفق وسرداب (طاقة نور) لابد لها من ساعة تستبين للعيان ، وأحياناً ما تكون محملة ببعض التقاوى ولو كانت مبعثرة أو مفروطة ، وقليل من الحروف الملضومة كمسبحة فى يد عابد ورع .. ربما تقرأها العيون الواعية جيداً وتصنع منها عنقوداً ، يضوى على جيد امرأة يشتهيها الجميع ..
حروف تشع منها الآيات المحكمات بالحلم الأزلى ، الزاعق بالقسط والعدل والديمقراطية الحديثة ، والداعى للنهوض من العثرات والكبوات المتلاحقة على ربوع الأوطان .
ــ غير أن الأفكار الشبابية المتجددة بالوعى الضارب بطمى النهر ، السارى جهة الشمال والتى لم تتلوث مياهه باليمين المتشدد ولا باليسار المتهور .. على الدوام تشق العباب جبراً .. تخترق المدى وتطاول عنان السماء .
ــ والأصوات التقية النقية تخشن فى الحناجر والحلوق ، وتغلظ حدتها على الشفاه .. تموج بالصدق ولو كانت على نفسها .
ــ والسواعد والسيقان تشتد كما الأبدان .. تقوى كشجر (السنط والبلوط وأعواد اللقاء) تجوب الأعالى ارتفاعاً ، وتظلل ما دونها كسحابة تحمل الرخاء للجميع .
= ذات نهار .. والشمس لم تزل مختبئة خلف الشفق الأصفر الشفيف ، ودون سابق إنذار .. لم تستحِ أن تنشر أشعتها الكاملة كسائر عهدها على مر سبعة أعوام ، من بعد الستة الأول التى شبّ فيها الأطفال (بنين وبنات) وتناسوا اللعب البرئ خلف (حيطة) الوابور ، وأقلعوا عن الخروج للحقول ، ولعب الحجلة مع (الطائر) الشاهى بياض ريشه .
اختلفت الأوضاع ..
دخلت الأطماع وملأ الكِبْرَ قلوب البعض ، وتبدلت الكلمات .. تغيرت القواميس!
ــ تحور الأسياد إلى (رجالات دولة) .
ــ والسادة البشاوات إلى (النخبة) .
ــ و(الطائر) ذو المنقار الذهبى ، أصبح من أكلة للجيف يجئ ويمضى على مضض .
تبدل ريشه الشاهى البياض بلون الدم .
قالت الإذاعات الأجنبية يومها أن انتصارات الستة ساعات .. كان يوماً أسود (مشهود) ولن تقوم لهذا البلد قائمة , وكُتبت صفحات وصفحات أحداثها ، تشيب لها الولدان .
فعندما تطغى الأنا وتستبد الآراء الشخصية والأهواء .. يرعى السوس فى العقول والرياض على حد سواء ، وتكثر الزلات والانكسارات قهراً وجبراً ، وتتوه الأحلام كليلة صيف ماتت فيها النسمات الطرية .. بينما (الطائر) الشاهى بياض ريشه كانت هجرته دائماً للداخل .

السابق
اندماج
التالي
التفــاحة

اترك تعليقاً