القصة القصيرة

الْمِيرَاثُ

لاَتزَالُ غَارِقَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ، تمُوجُ غَضَبًا، كَظَمَتْ غيْضَهَا، الْتَزَمَتْ الصَّمْتَ بعْض الوَقت، حاوَلَتْ نِسْيَانَ مَاحَدَثَ لهَا ذَاتَ شِتَاءِ كَئِيبٍ، فِي تِلكَ اللّحَظاتِ الْحَرِجَةِ، الْمُضِيئَةِ الْكَاشِفَةِ، والنِّقَاشَاتِ الْحَمْقاءَ بيْن افْرَادِ الأسْرَةِ المُتخَاصِمِينَ عَلى الْمِيرَاثِ،غِيّابُ الأَبِ الْمُفَاجِئ افْسَدَ اوَاصِرَ الْمَحَبّةِ، جَعَلَ الْبَيْتَ مَسْرَحًا للْخِلاَفَاتِ والمُلاسَنَاتِ، لايَزالُ المِيرَاثُ سَببًا رَئِيسًا فِي تَفَكُكِ العَائِلَةِ، الَّتِي طَحَنَهَا ألْحِقْدُ الأَعْمَى، وَعَبَثَ فِيهَا الغُرَبَاءُ، يَنْفَرِطُ العِقْدُ اوْيَكَادُ يَنْفَرِطُ، تَاهَتْ الأمْنيَّاتُ، تعَطلَتْ مَرَافِئَ التَوَاصُلِ، اشْفَقَتْ الأمُّ عَلَى أبْنَائِهَا، فَأَخَذَتْ تَتوَدّدُ إلَيْهِمْ، وتَترَدّدُعَلَيْهِمْ، تتَنَقَّل بَيْنَهُمْ كَعُصْفُورٍمَهِيضِ الْجَنَاحِ، وَفِي عُيُونِهَا دُمُوعُ التَوَسُل،اخَذتْ تَتْلُو حَنِينَهَا جِهَارًا نَهَارًا، كعَبَقِ البُخُورِواليَاسَمِينَ، تحْفرُ بِئْرًاعَمِيقًا فِي قَلْبِهَا، تغْرِفُ مِنْ دَفَقِهِ سَيْلاً مِنَ الدُّمُوعِ، لِتُطفِئَ نَارًا مُلْتَهِبَةً، تُوشِكُ أنْ تحْرِقَ بيْتَهَا الآمِنِ، وتُشَتِتُ شَمْلَ الْعيّال، لمْ تَتَخَلّصْ بَعْدُ مِنْ صَوْتِ ابْنِهَا جعْفَرَ، ذَلِكَ الاحْمَقُ المُسْتبِدُّ، الّذِي يَحْلُمُ أنْ يَكُونَ غَنِيَّا بفُتَاةِ بَقَايَا الْمَوَائِدِ، ذَاتَ وَجَعٍ وَسْوَسَ لَهُ طمَعُهُ، فجَاءَ يُهَدِّدُهَا كَالْعَادَةِ، كاَنَ عَنِيفًا حَدَّ التَهَوُّرَ، صَبَّ جَامَ غَضَبِهِ عليْهَا، يَقِفُ ثَائِرًا هَائِجًا بَيْنَ إخْوَتهِ، يُلوِّحُ بِيَديْهِ كرَاقِصٍ بَهْلوَانِيِّ عَلَى خَشَبةٍ مُهْترئةٍ، يًردّدُ بِصَوْتٍ جَهُورٍمُثخَنٍ بالآهَاتِ، تُّهَمًا هَازِلَةً، وَشّتَائِمَ سَّقِيمَةِ، حَمَاقَاتٌ تسْكُنُهُ كَالْوَجَعِ، مُخَالَفَاتٌ تَسْتَهْوِيهِ، يَرْتَكِبُهَا بوَهَنٍ فِي حَقِّ الوَرَثَةِ، يَتوَعّدُ الْجَمِيعَ بدُونِ اسْتِثْنَاءٍ، بِقَصْدِ حِرْمَانِهِمْ مِنَ الْمِيرَاثِ..! {وَالطمَعُ طاًعُونٌ} يَصِفُ الْكُلَّ باِلتوَاطِئِ عليْهِ وَالْخِيّانَةِ، يَجْهَلُ وَيَتَجَاهَلُ أنّ الْحُقُوقَ فِي الْمِيرَاثِ مِنْحَةٌ مِنَ اللهِ وَلَيْسَ مِحْنَةٌ، الْغَريبُ فِي الأمْرِ أنّهُ يَتّهِمُ الْعَدَالَةَ بالانْحِرَافِ، فِي ادْرَاجِهَا اسْمَاءَ البَنَاتِ فِي التّركَةِ، وَمِنْ شوَائِبِ الْجَاهِليّة أنّ يُعَارضُ المَرْءُ توْرِيثَ الْبَنَاتِ، عَجِيبَةٌ هِيَّ مَطالبُهُ ونَظْرتُه الدُّونيَّة لِلْحَيَاةِ.. ! والأعْجَبُ مِنْ هَذا أنّهُ يرَى وَالدتَهُ منْحَازَةٌ، تقِفُ إلَى جَانِبِ بَنَاتِهَا، يَقُول:أنّهُ لمْ يظفَرْ قَط ّخِلاَل الْمعْرَكَةِ الْجَارِيّةِ بعَطْفِهَا، هُوَ الذِي كانَ يخَافُهَا ويحْتَرمُهَا، ولاَ يَستطيعُ مُواجَهَتهَا، يَرَى بأنّهُ مُحِقٌ بالنّصِيبِ الأوْفَر، كوْنُهُ الإبْنُ ألأكبَرُ، لا يَزَالُ هَائجًا يَتوَعّدُ أمّهُ بِالْعِقَابِ، كُلمَا دَخَلَ البَيْتَ يَعْلُو صُرَاخَهُ، ويُحَذِّرُهَا إنْ هِيّ وقّعَتْ عَلَى الْعَريضَةِ، يَصِفُهَا وَصْفًا تَافِهًا مُهِينًا؛ ارْتأتْ ذَاتَ مَسَاءَ، أنْ تَضعَ النِّقاطَ عَلَى الحُرُوفِ، وَتَقْطعُ الشَكّ بالْيَقِينِ، تُوقِفُ الزّوْبَعَةَ الْمَهْزَلةَ، وبأيٍّ ثمَنٍ كَانَ، تفْزَعُ وَعَلامَاتُ الحُزْنِ ظَاهِرَةٌ عَليْهَا، تُزيحُ خِمَارهَا، تَتحَسّرُ..تجْمعُ أفرادَ الْعَائِلةِ ذُكورًا وإنَاثًا، وَالْحَقُّ يُقالُ إنّهُمْ لَهَا مُطِيعُونَ، بِاسْتِثْنَاءِ جَعْفَرَ الثَّائِر، وَبِقَلْبٍ كَلِيلٍ تُحَدِّثُهُمُ، تَترَجّاهُمْ الإصْغَاءَ إليْهَا، تبْعَثُ همْسَةَ امَلٍ لدَى كبِيرِ أبْنائهَا، وَالْحُضُورُ الْعَائِلِي لأفِتٌ، تَسْتعْرضُ مَالديْهَا مِنْ حَقائِقَ، وَمَا تَرَكَ والدُهُم، تُلامِسُ الْجِرَاحَ، تَسْألهُم بشغَفٍ: مَاذَا تُريدُون؟! كُلُكُمْ أبْنَائِي..أليْسَ كذَلك؟ لاَ افَضِّلُ أحَداً عَنِ الآخَر، لكُمْ اسْهُمٌ بيَّنتْهَا العَدَالَةُ فيمَا ترَكَ والدُكُم مِنْ عَقّار، وَمَا ترَكَ إلاَّ حَوْشًا خَرِبًا آيِلاً للسُقُوطِ، الْحُقوقُ واضِحَةٌ، مُبيّنَة فِي كتابِ اللهِ وسُنّةِ رسُولِهِ “.ومَصْدَرُ الوَحْي مَعْصُومٌ..” فَلمَاذَا تثورُونُ وتخْتصِمُونَ؟! ” الْمنْدَبَةُ كبِيرَةٌ والميّتُ فأر..” كَانَ ابْنُهَا الْكَبِيرُجَعْفَرَ رَأْسَ الْحَرْبَةِ، لاَيَزَالُ شَارِدَ الذِّهْنِ، مُشَتَتُ الأفْكَارِ، كَثِيرُ الحَرَكَةِ، تتَقاذَفُهُ امْوَاجُ الطمَع، تَسْكُنُهُ الأنَانِيَّةُ، وفِي اسْتِعْلاَءٍ كبِيرٍ يَذْرفُ هَذيَانًا، حِزًمًا مِن الأسْئِلَةِ تغْمُرهُ، تَضُجَّ فِي مُقْلتِهِ الأفكَارُ المُنَمَّطةِ الرَّدِيئَةِ، ينْتَصبُ وَاقفًا، والخَنْجَرُ فِي قبْضَةِ يَدهِ، يُصَوَّبُهُ إلَى صَدْرهِ، والعُيُونُ جَاحِظَةٌ، الْكلمَاتُ تَتَعَثرُ فوْقَ شَفتيْهِ، يُغْمْغَم، يُدمْدِمُ كالرَّعْدِ، والْعِبَارَاتُ قَاسِيّةٌ نَابِيّةٌ.

يَرْفَعُ حَاجِبَيْهِ مُتضَمِّرًا، يُوزِّعُ نَظَرَاتِهِ، يَنْفجِرُ بَاكيًا..فتفْزَعُ أمُّهُ مُتلَطفَةً، وفِي خَلجَاتِ صَدْرِهَا يتردَّدُ السُّؤَالُ، مَاذَا تَفْعَلْ؟ هوّنْ عليْك يَاوَلدِي إنَّهُ “..مَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا فَرَضَهُ اللهُ، قَطَعَ اللهُ مِيرَاثهُ مِنَ الْجَنَّةِ..” فأيْن أبُوكَ الذِي شيّد البيْتَ؟ مَاذَا ترَكَ لَكَ؟ وَمَاذَا سَتَتْرُكَ أنْتَ لأوْلاَدِكَ؟ وَمَاذَا تُريدُ مِنْ إخْوِتِكَ؟ قَال:أرِيدُ البيْتَ وَلاشيْءَ غيْرَهُ، والبَناتُ لايَرثْنَ شَيْئًا ! أقولُهَا واكرِّرُ، احَسّتْ بِهَوْل شَدِيدٍ يُدَاهِمُ رُوحَهَا..تُرَاقبُه فِي ذُهُولِ، تَهُزّ رَأسَهَا مُتَثَاقِلَةً، ترْنَوْ بَعِيدًا، وَفِي دَاخِلهَا انْتِفَاضَةٌ، تقُول: لَكَ الْبيْتُ وَمَا فِيهِ، اتَرْضَى بِهَذَا ؟! توَجّهَتْ إلَى ابْنَائِهَا تَقُولُ:بِأَنْفَاسٍ مُظْطَرِبَةٍ، نَفَضَتُ غُبَارَالْجَشَعِ عَليْكُم، وَجنّبْتُكُم الوُقُوعَ فِي المَكرُوهِ، انْتُم ابْنًائِي وَبَنَاتِي بِهَوْدَجِ قَلْبِي، مَكانَتكُم عَاليّةٌ، يرْقُصُ قَلبِي بكُم، وَلَكُم مايُسْعِدُكُم ويَكْفِيكُم، أنْتُم مُلوكِي “..وَكلّ انَاءٍ بمَا فِيهِ ينْضَحُ..” يتنفَّسُ الصُّعَدَاءَ، وهُو مَسْكُونٌ بالغُرُورمُتبجِّحًا، يَقُولُ: مَعْذرَةً الحَوْشُ لِي، وأنَا الذِي بَنيْتهُ، تبدّدَتْ الْكلِمَاتُ مِنْ عَلَى شَفَتيْهَا، فَتُجِيبُهُ بِلُطْفٍ:المعْذِرَة ياوَلدِي لِمَن اخْطأ أوْ أسَاءَ، أمَّا الذِي يَشْعُر بِوَهْمِ الانْتِصَارِ ويُعَادِي اخْوَتهُ، ليَظفَرَ بحُقُوقٍ ليْسَتْ لهُ، فهُو مَهْزُومٌ مَنبُوذٌ واضحُ الْعَوَار، يجْمَعُ ولا يَتنعَّمُ، والذِي يخْسِرُ الْعيّالَ يخْسِرُسَعَادَةَ الْحَيَاةِ، يَنْتصِبُ وَاقِفًا، ويَلتَفِتُ يَمْنَةً ويَسْرَةً ويَقُول:{بنُونَ بَنُوا أبْنَائِنَا وبَنَاتُنَا ** ابْناؤُهُنّ أبْنَاءُ الرّجَالِ الأبَاعِدِ} تَرْفعُ رَأسَهَا سَاخرَةً مُتألّمَةً وتُدِيرُنَظَرَهَا، والْبَناتُ يرْمقنَهُ بعَفْوِيّة ولايُبَالينَ بهُرَائِهِ، فَتقُول أخْتُهُ الْكبِيرَة أمّاهُ دَعِيهِ يأخذُ مايَشاءُ {وظلمُ ذوِي القُرْبَى اشَدُّ مَضَاضَةً.**عَلى النّفْسِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ الْمُهَنَّدِ} يسْتوِى واقفًا، يجُوبُ الْمَكَانَ، يبْتلعُ غَضَبَهُ، وهُوعَلَى وَشَكِ انْهَاءِ حَدِيثهِ التَافِهِ، لَكِنْ لَمْ يُسْعِفْهُ حَلْقهُ الْجَاف، فيَلُوذُ بالصَّمْتِ بعْضَ الوقْتِ،بَعْدَ مَخَاضٍ عَسِيرٍ، هَرَجٍ وَمَرَجٍ،هَاهُوذَا يُسْرِعُ ليَفْتحُ الْبَابَ، ويخْرُجَ مُتعثرًا، ليدْخُل مَعَ اخْوَتِهِ فِي قَطِيعَة أبَديّةٍ، يَمْشِى مُتَرَنّحًا بِأقْدَامٍ تَتَحَرَّكُ بوَهَنٍ، ويَخْتَفِي كأنّ الأرْضَ تهْوَى تحْتَ قدميْهِ لتبْتلعَهُ، يَتوَارَى عَنْ الأنْظَارِ، تَبْقَى الْكلمَاتُ تُوقِظُ فِي النّفْسِ جُرْحًا، والْبَنَاتُ زُّهُورُ تمْنحُ الْعِيَّالَ عِطرَ أرِيجَهَا، والمَثلُ يقُولُ: “..الكرْشْ اتْجِيب السَبّاق والدَبّاغ..” وكيْفَ يُمْكن لِلْكلمَاتِ أنْ تَنْتصرَ ويَكونُ لهَا نُورٌ، ونحْنُ نلهَثُ خَلفَ الأوْهَامِ..؟وَقَدْ قِيلَ: “..دِينُ الْمَرْءِ عَقْلُهُ، وَمَنْ لاَعَقْلَ لَهَ لاَ دِينَ لَهُ..” يَنْصَرِفُ العيّال مُتأسِّفِين، فِي ذَاتِ الوقْتِ رَاضِينَ مُبْتهِجِينَ برَأيِ أمّهِمْ، ونِعْمَ الرَّأيُ رَأيُ الأمّهَاتِ الطيِّبَاتِ الْمُسَالِمَاتِ، وَهَلْ يُوجَدُ مَاهُوَ اعْظَمُ مِنَ الأمِّ شَفَقَةً وَحَنَانًا، رَأْفَةً وَتَسَامُحًا.؟! حَرَكّتْ رَأْسَهَا وَقَالَتْ: “..وَعِنْدَ الصَبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السَرَى…

السابق
إضراب
التالي
دين

اترك تعليقاً