القصة القصيرة

امْرَأَةٌ شَوْهَاءُ شِرِّيرَةٌ حَقُودٌ

هي امرأة جَافَّة الطبع حَمقاء، شِرِيرَة شَوْهاء حَقود، سَليطة اللسان، لا تَخْشَع ولَا تَلِين، تحْشد هُمومه على أغْصَانها، فيعْزف على أوْتَار الصَّمت تَنهُدات كارتعاشة ظلِّ مَحْمُومٍ، يَضرِبُ رأسَه بِكفِّه، يُحدِّث نفسه يَلومُهَا، تتعطش لِمَعَاوَدة السُّؤَال، واحْتَلاب البَوح.
01- رِيح عَاتيَّة هبَّت على بيتٍ آمنٍ، أخذت تولول في زواياه وتُرَفْرِفُ في جوانحه، ترافقها زَوَابِع مُفزِعَة، مِنْ هَول الهَول جعلت الزوج يبتلع الضجر، ينزوي لا يعرف إلا البكاء وسيلة يهشُّ به على شبَح غُربته،والليل بُركَان ريَّاحه، وهل يليق بقامة شَامِخة مثله أن يَبْكي؟ يلتهم شَهْقته عند مبارحة البيت، وعندما يبتعِد يَفتح مَمرَّات للذِكريَات، فيزدَاد الفَضاء أمَامه اتِّساعًا، في المساء- وهو عائد- يسأل عن المسافة كيف يطويها؟وهو يحبو على جسور الشوق؛ يبدو كأنه طائر برِّي مهيض الجناح، يمشي على أمشاط قدميه، يكتفي بقدْر قليلٍ من الصَّمتِ مُدندنًا أحيانًا، وبإمكانِه أن يحْلم وهو يَرْشف فنجَان القهوة،رباه.. يغشاه سُكون رهيب، فيرفع جسده في مشقة؛ ينتبذ مكانا قصيًا،وتنزل أسفار الأحزان؛ لقد صار البيتُ سِجْنًا اختياريًّا، إنَّه غَريبٌ غرْبة يُوسفَ مَع القَافلة السَيَّارَة، يُفتشُ عن الْكَلمَات المُنتَحِرَة ..يَتصنَّتُ.. يَبْحَث عَن الآهَات التِي سَكبَها في مرايا العُمر الْمَشرُوخة، مَازالت تنتظر منه المزيد من الرُّضوخ والامْتثال، تلملم خيوطها العنكبوتية لتستقوِي، تُوارِي سَوْءتها بالأسوأ، إنها ليست كالنِّسَاء، هي امرأة جَافَّة الطبع حَمقاء، شِرِيرَة شَوْهاء حَقود، سَليطة اللسان، لا تَخْشَع ولَا تَلِين، تحْشد هُمومه على أغْصَانها، فيعْزف على أوْتَار الصَّمت تَنهُدات كارتعاشة ظلِّ مَحْمُومٍ، يَضرِبُ رأسَه بِكفِّه، يُحدِّث نفسه يَلومُهَا، تتعطش لِمَعَاوَدة السُّؤَال، واحْتَلاب البَوح، ومَا زَال أثرُ فَأسِهَا فِي قلْبِهِ، تَنْدلقُ كلمَاتها البَذِيئَة شَلاَلاً.. يَسْتوْطنها التَوَتر.. تميط اللثام بخبث دَفين.. تمطرهُ بقهْقهَات بَلهَاء مَمْطوطة سَاخِرة، تجْلده بِقهْرهَا، وياللعجب..!هُو أستاذٌ جَامعيُّ على قدْر كَبير من العِفَّة والاستِقامة والتوَاضع، ومُسْتوَاها لا يتعَدى السَّادسة ابتدائي، تعمَل مُمَرِّضَة، تَصْرخ في وجْهِه كلما دَلفَ البَيْتَ، توَدِّعُه بكلمَات سُوقيَّة؛ ويَعْلو صَوتها على صَوته، فيَسْمَعُه سَابِع جَار، وهذا دأبها، تثورُ لأتفَه الأسْباب، فيلتزِم الصَّمت- ليسَ إذعانًا- خَجَلا وَحَيَاء من الناس؛ يتغاضى عَنها، من أجْل أبنَائه الثلاثة تحمَّل الكثير، ومن أجْل الحِفاظ على الْحَياة الزوجيَّة كان اصْبرَ من الأرض عَلى الأرض، يفترشُ ضِفاف المَواجع ويَرتع في أحْزانه، لم يَعُد قادرًا على المُقاومَة، فأيُّ كلمة يفتح بها بَاب بَيْته تكون بالتأكيد كلمة قاحِلة؟ لم ينجج في كسب ودِّها.. زهقت رُوحه..وطفح الكيل، هو يعيش حياة مُكفنة في الضباب.. يتوسَّد حَيْرة طال أمدها.. يُتابع بِأَسَى تنهُدات الرِّيح؛ إنَّها تَرْفض كُل التَوَسُّلات والخوَاطر، يسترضِيها فلم ترضى إلا بالذِي يَسْكنُ رأسَها،إنه تدخل وتخرج متى شاءت؛ وتسافر مع من شاءت! يتدخل من أجْل الصلح كل منْ أراد إصْلاحَ ذَات البين، لكنَّها مُصِرَّة على سُلوكها الأرعن، سلوكاً باتَ اسْتِثنَاء، إنَّها تُبالغ في إسَاءة عِشْرَته، مُستَهجِنة به وبالذين أسدَوا لها النُّصح، تُخرجُ من فمها ما تمتلك من ألفاظ بَذيئة، و أسفاه.. صار لأبنائها ألسِنة أطول من أعْمَارهم!! والغريب في الأمر أنها سَادِسة أخوَاتِها، وهنَّ جَميعًا مُطلقات؛ مع مُرور الأيَّام ازدَاد عُنفُها واسْتفْزَازُهَا له، ومن يَعِش مَع امْرأة حَمْقاءَ خَمس وعِشْرين سنة من الجَحيم، لابدَّ أن يُصابَ بالإحْباط، وتتفجَّر يَنَابيع غَضبه، ترْمي حِمَمها على العيال،هي ذِي الأيَّام تتدافع في مُرُورِها، وتُشطبُ على كل مَا بناه، يضيقُ الأفقُ أمامه؛ وتَتهَشَّمُ الكلمَات المُرَّة في حَلقِه، عِندَما تَتجَاوزُ بِقبح أفْعَالها كُل الخُطوط الحَمراء، وتُحَوِّل البَيت إلى خرقة بالية، وتمْسَح عَلى كل الذِكرَيَات، فتلوِّث مَا كَانَ من عَلاقة دُفعة وَاحِدَة، إنَّها امْرأة شوهاء قبيحَة غَيْر سَوِيَّة، ملأت أدْغال جُرحِه نزيفًا، بدَّدت كل ما لديْه من أحْلام؛ وانفرَط العِقد وَزَهِق! بدأ يُفكر في الخُروج من التيه بِأقلِّ الخسائر،أجل.. يرحل هذا المساء إلى بيت والدته ليَعيش بَعض الأيَّام، يَسْترجِعُ أنفاسَه ويتدَبَّر الأمر، وكالعادة لا يَهدأ لهذهِ الشَّمْطاء بَال، تُفاجِئُه بِرَفع دَعْوةٍ قضائيَّة ضدَّه، مَضمُونُها إهْمَالُ عَائلة .
02- والرَّجُل المُثقف يُدرِك أنَّ العلاقة الزوجيَّة موَدَّة ورحْمَة، والتزَامٌ مُتَبَادلٌ بالاحْترَام، وعندما يختل توازن العلاقات، تتقطع حِبال المودة، وينهار جدار الثقة، عِندئذ لامفرَّ أن يفكر المرء في شيءٍ آخَر، وإنْ كان ابغَض الحَلال إلى الله، فالحَياة الزوجية إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ، يتسَاءَل بمَرارة، مَن ينْتَشِله من هَذا الوَحل؟ وأثناءَ تفكيره تنسَابُ دَمْعة عَلَى خديه، فيفزَعُ مَذعُورًا، يَستغْفر ربَّه إنَّه كَانَ غفارًا، يتخَاذَلُ لِسَانُه، وهو يقفُ أمام القاضِي، لم يُصدق أن عَقَارب السَّاعة لا تَتوقَّف، جَلستْ مُحتبيَّة تَحْتضِن أوْرَاقَهَا، تضعُ سَاقًا فوقَ ساقٍ، وتمَدَّ لِسَانَها سَاخِرَةً، والكذِب قوَاريرَ فارِغَة كحُرُوف الطمَع، تتمرَّغ في مَسَارِبَ التَهَوُّر دُون أنْ تدْرِي، وتنتابُها لحَظاتُ رُعْبٍ، عِندَمَا اسْتَظهر بوصل إرسَال الحَوَالات البرِيدِيَّةِ، تهْتز شَفتها السُّفلى وتخْتلجُ، إنَّها تعْترِفُ، وتَلتزِمُ السُّكُون الفَضْفاضَ، فتُشيحُ بوجْهِهَا وتُحَاوَل إيجَاد الأعْذَار لكنها تخْفق؛ يَمْتشق وُرَيْقاتهِ ويَبتهج بخَوْفِهَا، تُحدِّق إليْه مَليَّا ولم تُجبْه، يَجْثُمُ الصَّمتُ وتجْثُو الإجَابَة: سيدي القاضي لِنَضَعَ حَدًا لِهَذِه الْعِشْرَة السَيِّئة، لم تُمْهِله وَقَالتْ:أنْتَ طَالقٌ..ضَحِكَ القَاضِي وَاعْتَصَرَتْهُ رَجْفَة.. فانتَفش الزَّوْج وقال:أنتِ طالقٌ، وَلك البَيْتُ ومَا فِيه، يمدَّ يَدهُ يُوَقع، ومَا أوْجَعَه من حَنين؛ عِندَمَا يتَذكرُ أنَّ له مَعَها بِنتَان ووَلد، هُوَ ذَا يَلفُّ يَدَيْه والصَّمتُ يَنهَشُ فُؤَادهُ، يَقف في رَهْبَة وخُشُوع، ويَهْمسُ إليْها بكلمَاتٍ مَشوبَة بحُزْنٍ عَمِيقٍ مَمْزُوجةٍ بِألم، الْبِسِي الشَّوك دِرْعًا واحْتفِظي بِما لدَيك من دُموعٍ! فتجِيبُهُ بِسُرْعَة: لك الوَيْلُ..! اخْتَرْتُ أفُقي وَلسْتُ نادِمَة، قال: وسَتنْدَمِينَ .!
03 – وترْحَل إلَى بَيتها تَحْمِل عُفونة جَهلها، تتمَرغ في مَسَارب حِقدها، ويَعُود إلى بَيْت أمِّه مع النوَارس المُهَاجِرة، يَرْتشِف أطلاَل الوِحْدة، ويزْرَع أحْلامَه على أرصِفة الطرِيق، وما إن دَلف بَيْت أمِّه حَتىَّ رَنَّ هَاتفُ ابْنَتِه الكبِيرَة مُبتهِجَة، وَكأنها تَقومُ بِتَأبينِ الْحَياة الزَّوجِيَّة، كلمَاتٌ اهتزَّتْ لها كُل عَظْمَة فِي جَسَدهِ، فأخذَ يلثم شَهَقَاتِه، وبِصَوْت مُتهدِّج مُحَمَّلا بالدَّهْشة والانْفعَال يَقَول: بُنَيَّتِي.. إنَّهَا تدْفَعُكم بحَمَاقَتِهَا إلَى دَفْنِ مَاضِيكِم، وتُسْهِم فِي وَأدِ أحْلامِكم، تَبًا لَهَا مِنْ امْرأة حَقُود، وتنقطع الْمُكَالمَة! ومَع اشْرَاقة شَمس هَذا الصَّباح، في مَدخل الجَامعة؛ تقتربُ مِنه أسْتاذة في التعليم الثانوي، كأنَّ ثغْرهَا خُلقَ لتَقْبِيل النَّهَار، هيْفاء لطيفة تلامِسُ شِغَافَ الْقَلبِ، جَاءَت لِتنِير قِندِيل الأَمَل، وَتسترْجع الابْتسَامة الضَائعَة مِن شَقَاوة العُمر، ويَصْعُب عن المَرءِ المَصْدُوم أن يَصِفَ اللحَظات المُنعِشة، فَهُو لاَ يمْلك سِوى الْمُوَافقة..تزَوَّجَهَا، وطوَال السَّنوات الثلاثة استضَافهما ابْن ُعمِّه، في غرفة تُشبه القبر ومع هذا اتسَعَت لهُمَا، وَعَاشَا مَعًا سَنَواتٍ جميلة في كنف الحُب والاحْترام، وبإمْكان المَرءِ أن يَحْلم ويسْعَد، لكنَّها مِسْكينة فَاتَهَا قطارُ الإنجَاب!كان من حِين إلى آخر يَسأل عَن أبنَائه، لكنَّهم فِي كل مَرة يُعِيدون الحَفر فِي أخَادِيد جُرحِهِ، ذَاتَ يَوم استدْعَته المَحْكمة وإذَا بالقاضي يَطلبُ منه توكِيل ابنته بأمر الزواج، فتَرَفع ابنَته صَوْتَهَا عَالِيًّا: تزَوَّجْتُ ولستُ في حَاجَة إلى مُوافَقتك! وكأنها جَاءت لتَعْبَث بمَشَاعِرِه؛ وتَعْزِف عَلَى أَوْتَار أحْزَانِه،الحِقد نَسَف جُسُور المَحَبة، وحَرق أوْرَاق الأسْئِلة، مسح دَمْعَة مُتمَرِّدة؛ وتنهَد قبل أن يُجِيب بِصوت رَخِيم،أيْ بُنَيتي ..صار الحَنين حُطَامًا.. لم أكُنْ مُغفلا ساذَجًا ولا شَدِيدَ الغُرور، حَاولت ما أسطعتُ إصْلاح البيْت، ولكن كُنْتُ كَحَاطِبٍ بِلَيْل.فلقد أيقظتِ صَهِيلَ الْحَنان؛وأنا الضحية.

السابق
شمسنا مازالت تشرق
التالي
كروموسومات انقراض الرجل الأخير

اترك تعليقاً