القصة القصيرة

باب على البحر

فى مقتبل الأيام كان يأتى آخر الليل .. تتفصد أوصالى و يتصبب العرق على وسادتى الوحيدة الصغيرة .. كنت وقتها أدس ما بقى من جسدى النحيل تحت (الحِرَام) الصوف ، و أتكور كقنفد طاله البلل .. فى صباح اليوم التالى مهما حاولت قدح زناد فكرى .. لم أكن لأذكر التفاصيل ، و من أين جاء هذا الهاتف ؟
أتجاوز اللحظة و أدور دورانى المحتوم بين الناس لكسب لقمة العيش ..
أنسى حتى الوقت الثابت لحضوره ..
ثم أعود و أجدد العهد مع نفسى بأنى سأدقق الوعى فى المرة القادمة عند مجيئه …
و لكن تذهب وعودى كلها سدى ، و كل ما عزمت عليه فى يقظتى ..
يأتي و يمضى و لم أعرف من أين يأتى وماذا كان يقصد ؟

أيام و ليال .. و الدوران المحتوم مكتوب مع اسمى يأخذنى من قبل الميلاد للطرق المتعبة دونما اختيار .. حتى عندما أنهيت دراستى الجامعية و حصلت على ليسانس الآداب قسم اللغة العربية و انضممت لصـفوف الجندية ، و بالـرغم من التدريبات الشاقة ، فالهاتف لم يتركنى لليلة واحدة هانئا ، و لو كنا فى شهر كيهك أو بؤنة .. العرق يتصبب من كل جزء ببدنى الضخم ، و التكور يعتصرنى فى سريرى المفرد ، و الرايات هناك على الضفة الشرقية للقناة رغم علوها لعنان السماء أراها دائماً بداخلى منكسة .
هذه المرة لم أتركه يأتى و يرحل دون محاولة الإمساك به و سؤاله عن السبب ؟
قاومت نزيف جسدى المكدود لبرهة ..
ــ الآن أكاد أراه !.
عجباً !!.
جلست على ركبتيَّ فوق الرمال الناعمة متأهبًا للإمساك بتلابيبه ..
كان الخاطر يتهادى أمام ناظريَّ ببطء شديد ..
أغلقت فاهى عندما وجدت الباب الفاصل بيننا تنفرج أساريره رويدًا رويدًا ..
دققت النظر مليًّا ..
خلف الباب .. مياه لبحر ليس له شطآن ..
أو ما يشبه ذلك …
مياه البحر أمام الباب تتحول زرقتها إلى حمرة تارة ، و تارة تغيض حتى درجات المحو ..
تبتلعها الرمال الناعمة …
تمتد الرمال من أمام الباب الواقف أنا خلفه إلى الشاطئ الآخر ، حيث لا ماء هناك و لا بحر …
يرتفع الخندق الرابض أنا فيه منذ ست سنوات و زملائى بمعداتنا ليصعد بنا فوق السحاب السائر من ناحية الغرب إلى الشرق ..
يضيق الخندق أحيانًا ..
حتى أظن أنه يكاد يعتصرنا لأخـر لفظة نداء نسمعها من أوامر الحذر …

و أحيانًا كثيرة يتسع علينا الخندق بحيث يتحرك فى كل الاتجاهات بخطى مسرعة ، و كل الأمواج تتكسر أمامه من وقع ضربات عصا موسى من قديم الزمن ، و سمك (البقلويز) يتقافز ناحية الشط الشرقى يأخذ بأيدينا ..
يطفو تارة على سطح مياه البحر من هول (شخطة) الصول شحاته موريس (تقدم) ، وصيحة (الله أكبر) الهادرة في كل الحناجر على أرض بلادى …

و تارة أخرى يمسك بأيدي الجنديين أحمد و عزيز هاتفا : اقبضا جيدًا على فم (بشبورى) الماء ..
ــ لم أدهش البتة ــ
فالساتر الترابى و النقاط الحصينة تتهاوى تحت أقدمنا و كأنها كومة من هشيم محتضر ..
أرفع هامتى ..
أراها تخترق السماء …
لم يخطر ببالى قط وقت اندافع موجات سمك (البقلويز) بهذه القوة تجاه الشرق أنهم يحملون بين زعانفهم صدق الأمانة و شرعية الحق المسلوب ..
أمسكت بقلمى الرصاص الذى لم يفارق غمد أجندتى الحمراء قط ..
رسمت على الصفحة الأولى خطوطا بالطول وخطوطا بالعرض ..
دونت تاريخ اليوم .. كان السادس من أكتوبر الموافق العاشر من رمضان ، و فى وسط السطر كتبت عبارة واحدة بحروف بارزة (التوحد) سر الوجود و حلو الحياة .

قبل أن أعود لتنفيذ أوامر الرائد / علاء السيسى قائد الوحدة (اثبت مكانك) ، كان أذان العشاء يسرى بين الحصى و الرمال ، و رجع صداه يأتى عنيفًا من بطن الجبال الشاهقات على بعدها (لنا ميعاد) مكتوب عليهم التيه ..

بينما الحصون و القلاع ، و الأذرع الطويلة تبتلعها دوامات مياه البحر ، و الباب يفتح ضلفتيه على الجميع و ينادى:
ــ يا أيها البحر المحفور بأيادى أبنائك البررة الصناديد قديمًا .. كن رحيمًا كما كنت رحيمًا بموسى و قومه أمام قساة القلوب الظلمة .
نحن أيضًا أبناؤك و إن كنا فى زمن سابق خطّائين .

السابق
اعادة اعتبار
التالي
توبة مَسوخ

اترك تعليقاً