القصة القصيرة

باكرا جدا

..إنفتحتْ عيني، بعد أن ختم الحلم مشهد النهاية، ورفع النوم ستارته عن عتبة نهار آخر من نهارات أيام لاتتكامل لتكتمل، عتبة من نهار بدأ باكرا جدا قبل حتى أن تشرع الديكة في الصياح تهليلا بقطرات النور الأولى أو أن يتململ الفقيه في فراشه إستعدادا للنهوض لرفع آذان الفجر.. لم أرغب في الإستيقاظ في مثل ذاك الوقت ليدوسني الليل اليائس الحاقد المنسحب تحت تهديد شمس كانت ترص أشعتها خلف الأفق لشق فجر جديد في الطريق إلى نهار آخر، لأني كنت أدرك أنه سيخلفني وراءه كأرض محروقة عاثت فيها نار من ظلامٍ غاربٍ أمام طلوع للشمس سيكون كاسحا، وأني سأستقبل يوما آخر بشعور متفحم يحتفظ لليل بلونه إلى أن يعود في غزوة أخرى.! لكن الخيار لم يكن بيدي، لقد كان نفَس النوم قصيرا أمام ليل طويل يزيده طولا هروبي الباكر إلى فراش يغيبني عن برد يخز جلد الروح أينما وليت وجهي.! لهذا تعب النوم تحت ثقل جفن تكومت فوقه طبقات سنين من غبار، وانسحب ليستريح مني وليلي الطويل، بعد أن توقف الحلم الجميل عن ضخ دمائه في جسد النوم وختم على نهايته، ودفعني إلى ساحة اليقظة الخالية مكرها.! تمنيت لو طال الحلم الجميل، حتى لو أخذ حيزا من النهار، أو النهار كله، فلقد مر علي دهر طويل لم أرتو خلاله من فيض حلم جميل، حتى ظننت أن الحلم نبع قد نضب تماما في نفسي، وأن لابذرة جميلة من شجرة حياة قبيحة ستسقط في تراب الروح السبخ لتتفتق عن برعم لزهرة حلم جميل.! لكن فجأة نزل الحلم كملاك جميل وملأ الروح بالألوان والأغاني والرقصات، فأينع للجسد جناح، وصارت السماء رهن خفقة، وتناثرت كل سلاسل الجاذبية، وصرت قادرا على التحليق إلى الأعالي، وحلقتُ كطائر يملأه شعور جناح نجح في إنطلاقته البكر، وتركت حذائي الثقيل لأرض موحلة.! لكن، وقبل أن أصل جزيرة الصباح، إنتهى الحلم، وانطوى الجناح كمظلة، وتُرِكتُ لأهوي في بحر اليقظة المظلم باكرا جدا، ولم تنفع أمنيتي في إستمرار الحلم الجميل ولو في إسدال رمشة واحدة على جفني من جديد. لهذا دُفعتُ إلى ترك الفراش الذي أضحى هشيما بعد أن مر منجل اليقظة، مكرها، أنا الذي لم يختر أمرا، لاوقت الخلود إلى النوم ولا وقت الإستيقاظ، فالنوم يدعوني إليه حين لايكون ثمة شيء أو أمر أو أحد ليدعوني وينْفَضُّ عني مع تلويح أول غمزة، ويخلف في حطام الروح شعورَ عاهرة رخيصة.! لهذا خلَّف ذاك الحلم الجميل في نفسي، من بين ماخلف، شعورا غريبا نابعا من التساؤل عن مصدره، هو الذي بلاشك ضل طريقه إلى نومي، ففطن سريعا، وانسحب ليدفعني مكرها إلى ترك الجحر الذي من فراش باكرا جدا، لإعداد قهوة سوداء أرفعها راية استسلام أمام جحافل ظلام ليلٍ متراجع، كي تدوسني برفق، ورشفة رشفة..!

السابق
ملل
التالي
تشظي

اترك تعليقاً